یمكن اختبار قدرة الذاكرة والذائقة حیال السرد لاستعادة صور وامضة من قراءات كثيراً ما عشنا بعض سیاقاتها القریبة وعاصرنا خلالها ما قدمته بعض التجارب الخلیجیة في كتابة الروایة، وهو ما أتغیاه من مقالي هنا في تأمل دلالة (الرواية والحياة). ورصد الأثر وتحیزات السرد داخل فعل الكتابة ذاتها من خلال البعد الاجتماعي بین محاكاة السرد وتخییل واقع الروایة الخلیجیة والسعودیة بوجه خاص عبر سمات منها.
في السیاق ذاته، فإن تأثير روایة (الحزام) للكاتب والروائي السعودي الراحل أحمد أبو دهمان، والتي تكاد تكون روایته الوحیدة؛ قد أرست مبكراً صدمة حداثية في بنیة المروي والحكي وطابع السرد داخل الروایة السعودیة بشكل خاص، وتصدرت مكاناً باكراً في مضمار حضور الروایة العربیة، وعلی صعید الترجمة أیضاً. كما قدمت روایة (الحزام) لأحمد أبو دهمان تأسیساً وحضوراً عالمیاً مبكراً أیضاً في بعض سماته، حین لم یكن الضجیج الذی نشهده الیوم من تكاثر كتاب الروایة العرب قد ظهر بعد بشكل أو بآخر. فتُرجِم حضور أبو دهمان حینها منذ عقود مضت، فهو سبق وبطولة وبصمة في الروایة السعودیة والعربیة إجمالاً، وإن كان مجلی ذلك قد أتی من باریس، لا من قلب المشهد العربي أو المحلي!
في السیاق يبدو فعل السرد في الروایة ذاتها إجمالاً بنیة تفضي دلالاتها إلی تعیین وعي التحوّل السیاقي الصارخ في الریف مصحوباً بالتقویلات الشعبیة والأمثال والحنین والطقوس. ومن خلال الذات الساردة في مواجهة وكتابة جريئة لسیرة داخل مجتمع تقلیدي ومتغير. وحیث لم تكتفِ الرواية الخليجية منذ بداياتها بتسجيل الوقائع أو محاكاة البعد الاجتماعي فحسب، بقدر ما حاولت في أكثر أطوارها تقليدية، أن تُشكّل وعياً مضمراً بالتحول ذاته، وأن تُدخل الذات الكاتبة في مواجهة ناعمة مع البنى القائمة. ففي ملمح من روايات أخری نجد في تتبع أعمال الكاتب القطري أحمد عبدالملك، ودلالات (رائحة البحر) للكویتي طالب الرفاعي؛ ذلك التوتر بين التحولات الاجتماعية السريعة والرغبة في استعادة زمن ماضٍ مشبع بالقيم والرموز. إذ تغدو الرواية معاصرة لكل الأزمنة التي مر كتابها هنا بسیاقاتها لتشهد على هشاشة الحاضر وغموض المستقبل.
وإذا كان السرد یتأسس في الحياة في بعض ملامحه بوصفه صراعاً وتحوّلاً عبر الحكایة ولغة التواصل؛ فإن تجربتَي كل من الروائية العمانیة جوخة الحارثي في (سيدات القمر)، والروائية الكویتیة بثينة العيسى كما في (خرائط التيه)؛ تظهران كيف عنَّ للسرد أن يصیر أداة لكشف البُنى العميقة في حیاة مجتمعاته، لا معطى جاهزاً، بل موضوع ومادة خام للتفكيك وإعادة البناء. فالرواية أیضاً ليست ملحقاً بالواقع، بل موازياً له، يقف على مسافة جمالية وتحليلية منه.
وبموازاة ذلك تتعدد أنماط تمثيل الواقع: من سوسيولوجي ثقافي مكشوف، كظواهر لمتن تستدعیه الثقافة وتقویلاتها. إلى منحی ونسق ثقافي وجودي، مروراً بمیل تاريخي مُعاد تأويله. وفي كل ذلك، يبقی نموذج الحیاة فی الروایة مادة قابلة للتخييل، لا للتمجيد أو التقريرية.
وإذا كانت الرواية تُعيد تشكيل الحياة لا تمثيلها، بالإشارة إلی موضوعات الرواية الخليجية المعاصرة، كما في نماذج متقدمة منها؛ فإنها لم تعد كما أری تكتب الواقع كمحاكاة له وانعكاس لمرایاه، بقدر ما تنظر إلیه من وجهة (تقويضية)، ناقدة. فهذان علي أبو الريش في (الخوف من شيء ما)، وزهران القاسمي في (الشوع)، مثالان على كيفیة مقاربة الواقع روائياً، لكن من أجل تحویله وفلترته إلى قلق سردي إن جاز التعبیر، إذ یتم توظیف المتخيل كأداة لكسر (التابو) واستحضار ما یكون قد غاب أو تم تغییبه وغير المفكر فيه.
إنّ التخييل لا یتعین هنا كتزويق للواقع، بل كمساءلة جریئة له، تنزع عنه براءته الأولى. وما قد یستدعي ذلك من تمثيل الجماعة إلى انفراد الذات، وهو ما یلحظ من صور التحولات السردية في التجربة السعودية.
وتعریجاً علی عنوان المقال أستدرك هنا معطی جدیداً یتعلق بجانب مهم من نهوض الرواية السعودية كمجلی آخر یشیر إلی تمایزات الخطاب وتماثلاته في الرؤية بما یعضد تصور العلاقة بين الحياة والسرد. كما أجد ذلك في تجارب: عبده خال، رجاء عالم، يوسف المحيميد، ومن الروائيين الذین جاؤوا بعدهم كأحمد السماري وجابر مدخلي وأمل الفارن وشتیوي الغیثي.. وغيرهم.
لقد استطاعت أسماء بعینها أن تحفر رسوماً بیانیة لسرد جدید، ورأینا هنا وهناك من قدّموا سرديات تتمرد فنیاً، وتبتعد عن تمثيل الجماعة لتتجه نحو تشظي الذات، كرجاء عالم التي انطلقت بعض تقنیاتها من تخييل (مكة) من الداخل برؤية صوفية وجودية، بينما قدّم عبده خال في (فسوق) مرآة مقلوبة لواقع ملغوم بالعنف الرمزي والجسدي.
إنها تحولات سردية عبرت وتعبّر عن وعي مختلف، لایزال يقارب الحياة لا كمشهد اجتماعي فحسب، بل كجحيم متوارٍ يُروى على حافة الانفجار في سیاق ملتهب تشهده المنطقة.
وهنا تبدو الرواية لا كظل للحياة بل صورة ممكنة لها. وهذا ما تُظهره هذه وتلك النماذج الآنفة لتؤكد أن الرواية الخليجية غدت أكثر وعياً بدورها. فلم تعد تكتفي بتصوير الحياة كما هي، بل باتت تصوغها كما يمكن أن تكون أو كما تُحسّ من الداخل. إنها تميل إلى الحياة ولكن بحدس فنيّ، لا بنزعة توثيقية. الحياة في هذه الروايات ليست فقط ما يقع، بل ما يُتَخيَل أن يقع. فالرواية تُنقِذ الحياة من سطحيتها، وتستعيد عمقها الرمزي، عبر تقنيات اللغة، وتعددية الأصوات، وتكسير البنى الكلاسيكیة للسرد.
وفیما یستعید جابر مدخلي اليوميّ الهامشيّ معجوناً بالحكایة تتبازغ تجربة أحمد السماري الروائية ضمن مسار سعوديّ يعيد الاعتبار لما هو هامشيّ ويوميّ أیضاً، كما يلحظ ذلك في روایات (الصریم) و(قنطرة) وتولیفات من الحب في سردیات المغامرة بین المتخیل الواقعي والصحراوي وجرأة الاسئلة، كدأبه في روایته (ابنة لیلیت).وبالمقابل تطالعنا تجربة جابر مدخلي فی روایة (حوش عباس) بجمالیات الرؤية التی بقدر ما لا تنأی عن حیاة بطلها وشخصیاتها، قدر التوازي بین ذلك ونزوعها إلی المیراث الشعبي وتوظیف الذاكرة ودمجها في بنی ثقافیة وتصورات حداثية جدیدة. وهو ما عبرت عنه أدوات سردية وتجارب كهذه وتلك أخذت تمزج بين البساطة الظاهرة والعمق الرمزيّ.
وإذا كان أحمد السماري ینحت عوالمه من طين الذاكرة الشعبية أیضاً، وإن جاء ذلك من زاویة السيرة الجمعية منبعاً لتخييل فرديّ مشحون بالأسى والتأمل؛ فإن اللافت في تجربته نزوعها أیضاً لمساءلة الواقع الريفي والبداوة المعاصرة من الداخل، كما في روایته الأخیرة (فیلق الإبل)، دون تنظير أو تصدير مباشر، بل إن ذلك یأتي غالباً عبر شخصيات متعبة، مهمشة، تسعى لحياة بسيطة، لكنها تصطدم بمعنى الوجود نفسه. لیبدو السرد لديه لا يحاكي الحياة، قدر الاصطدام بها.
وبالاتكاء علی ما سبق فإن الروایة حين تكتب الحياة فهي لا توثقها بل تعيد ابتكارها. ذلك أن الروایة ليست مجرد وثيقة عن الحياة، بل مشروعٌ جماليّ لكتابتها متغایرة عن نیجاتیف الواقع، أو محاكاته. وهكذا نخلص إلی استنتاج ولو في الحد الأدنی مما أتیح خلاله رأية وفحص سمات بعینها من الروایة الخلیجیة. حیث تتقاطع الحياة والرواية في مساحة بينية، قد یصعب معها فصل الواقعي عن المتخيل، والسوسيولوجي عن بنيوية النص والواقع ذاته.
إن الحياة تميل للرواية بطبیعتها حين تصبح الرواية أداة لقراءتها بعمق، كما تمیل الرواية أیضاً للحياة حين تتخفف الأخیرة من ثقل التنظير لتستعيد عفويتها وصدقها الداخلي. وما بين هذا وذاك تنهض الرواية كشكل راقٍ لفهم الذات بینما تتأمل العالم وتعيد ابتكاره.