مجلة شهرية - العدد (598)  | يوليو 2026 م- محرم 1448 هـ

رواية الشخصية الواحدة

من المغامرات الكتابية شديدة الخطورة أن يرغب الروائي في كتابة رواية تتكئ على شخصية روائية واحدة؛ لأن هذا النوع من الروايات يتطلب قدرة عالية على بناء تلك الشخصية بإحكام سردي يضمن اكتمالها فنياً. فأيّ فشل في بنائها يُطيح بالرواية، وأيّ نجاح يجعلها خالدة في ذاكرة القارئ، كما في (الحمامة) لباتريك زوسكيند، و(ستونر) لجون وليامز، و(بيريرا يدّعي..) لأنطونيو تابوكي، و(حضرة المحترم) لنجيب محفوظ، و(الهدنة) لماريو بينيديتي، و(الموت في فينيسيا) لتوماس مان، وغيرها.
أما الروايات التي تحتوي على شخصيات متعددة، فالشخصيات تتقاسم عبء السرد، وتُعين بعضها بعضاً على النهوض بالنص، إلى جانب عناصر فنية أخرى مثل الموضوع، أو تكنيك السرد، أو لغة الكاتب. لكن رواية الشخصية الواحدة، رواية تنهض فقط على نجاح كتابة تلك الشخصية.
ولا يُفهم من (رواية الشخصية الواحدة) أنها تخلو من شخصيات أخرى؛ بل هي الرواية التي تتمحور حول شخصية محددة، وتبقى الشخصيات الأخرى هامشية، تدور في فلك الشخصية الرئيسة التي تُشعّ ضوؤها السردي على تفاصيل الرواية.
في تصوري، فإن أهم ما يميز هذا النوع من الروايات هو أن تكون لتلك الشخصية أزمة نفسية ما، وأن يكون محور الحكاية قائماً على تلك الأزمة. وغالباً ما تكون هذه الروايات محدودة الأحداث، لكن عمقها الحكائي يذهب إلى التوغّل في نفسية البطل، وفيما يدور في دواخله من هواجس وأفكار وتأملات. وعندها نجد هذه الشخصيات تتحرك في مكان ضيق أو مؤطر، وكذلك في علاقتها مع الشخصيات الهامشية الأخرى، لكن العالم الشاسع يتجلّى في عوالمها الداخلية.
تلك الشخصيات تضخّم الأحداث العادية في الحياة بامتياز، لأنها شخصيات عادية لا تُرى من الآخرين، أو أن قضاياها اليومية لا تثير اهتمام أحد، لكن الروائي هو من يخلق فيها هالة سردية مضيئة، كما في ستونر عند جون وليامز، الذي لا يتعدى كونه أستاذاً جامعياً يعيش حياته الأكاديمية والزوجية ببرود واعتياد، أو في الهدنة لماريو بينيديتي، حيث سانتومي موظف يقترب من التقاعد ويقع في حب زميلة لا تمتاز بشيء، سوى أنها كانت موضوع حبّه المتأخر، المتردّد، كما يخشاه كثير من كبار السن. أما في الحمامة لباتريك زوسكيند، فنجد بطلاً تهشّمت دنياه الداخلية حين رأى حمامة تقف في الممر، فخاف، وقضى يومه غارقاً في تداعيات ذلك الخوف.
ولو استرسلنا في توصيف قضايا رواية الشخصية الواحدة، لوجدنا أن أبطالها خُلقوا من ذلك الضوء السردي الرهيف الذي سلطه عليهم روائيون كتبوا شخصياتهم بمهارة وفن، وخلقوا لهم وجوداً روائياً خالداً في ذاكرة القراء.
سرد تلك الشخصية له حساسيته الخاصة؛ فأغلب هذه الشخصيات نجحت لأن الروائي وُفّق في اختيار الصوت السردي الذي يروي عنها، وغالباً ما يكون ذلك الصوت رخواً، هشاً، يحتمل ويتكيّف مع فداحة دواخلها. وهذا الصوت لا يمنحها التعاطف الإنساني بالمعنى العاطفي، بل يثير في القارئ نوعاً من الاستلطاف الصامت، كتلك المشاعر العابرة التي نشعر بها تجاه من يجلس بجوارنا في رحلات السفر أو مقاعد الانتظار. لأنك في تلك الرواية لا ترى سوى هذه الشخصية وحدها، تسيطر على مجرى السرد، وتمنحك خصائصها النفسية والفكرية، لتخلق فيك فضولاً إغوائياً يدفعك إلى مواصلة القراءة، بحثاً عمّا يناسبك في داخلها.
إن هذه الشخصيات قد تبدو فاقدة للكاريزما في وجودها الواقعي؛ فهي لا تمتلك براعة خاصة، ولا حظاً جيداً في الحياة، ولا صرامة في اتخاذ قراراتها. ولهذا تُشكّل مادة خصبة للسارد، الذي يصنع من مفارقاتها مجدها السردي. إنها شخصيات تغرق في أزمات صغيرة تتضخم، إلى حدٍّ يدفع القارئ أحياناً إلى الشعور بأنه يودّ لو يمدّ يده لإرشادها إلى ما كان ينبغي أن تفعله.
كما أن لهذا النوع من الشخصيات تأثيراً خاصاً في خلق الأسئلة داخل ذهن القارئ، فهي شخصيات تبدو وكأنها وُلدت من السؤال. ومن هنا، تتشكل في داخل القارئ تساؤلات، أحياناً تتعلق بالشخصية ذاتها، وأحياناً أخرى تمتد إلى ذاته، وترتدّ إليه.
إن هذه الشخصيات، حتى وإن لم تشبهنا، ولم تقترب من عوالمنا، ولا حتى من قضايانا، إلا أن فيها ذلك السحر الروائي المشع. فهي تلعب دور المرآة؛ فكأننا نرى ذواتنا عبرها، حتى وإن اختلفنا معها، أو أبصرنا مواقفنا في ضوء مقارن بمواقفها، أو حتى شعرنا بالامتنان لأننا لسنا سلبيين مثلها، ولا سيئي الحظ كما هي.
إنها شخصيات تصنع حميمية مبتكرة بينها وبين القارئ. فقد ندينها، لكننا نتعاطف معها، وقد نشجب مواقفها، لكننا نقترب من عوالمها. إنها شخصيات تُشعل بعود ثقاب، وعلينا أن نبصر دواخلها على ذلك الضوء الخافت، الذي ما يلبث أن ينطفئ سريعاً. ولهذا، تسكن الذاكرة من باب الاشتعال السردي الحميمي.
وأظن من باب الاعتقاد لا من باب الإحصاء أن روايات الشخصية الواحدة غالباً ما تكون شخصياتها ذكورية، ونادراً ما تُمنح البطولة لشخصية نسائية، وإذا حدث ذلك، فعادة ما يكون في روايات تكتبها روائيات. كما يُلاحظ أن أغلب هذه الروايات تعتمد الراوي العليم في سرد الحكاية، ونادراً ما يكون السارد هو البطل نفسه بصيغة المتكلم، ربما لأن هشاشة الشخصية تحتاج مسافة تأملية لا يتيحها صوت الذات.

ذو صلة