(أطفالنا أكبادنا تمشي على الأرض) عبارة نسمعها كثيراً وهي تردد صدى ما قاله الشاعر حِطّان بن المُعَلَّي الطَّائي:
وإنّما أولادُنا بيننا أكبادُنا تمشي على الأرضِ
لو هَبّتِ الريحُ على بعضهم لامتنعتْ عيني من الغَمْضِ
وقد سارت مقولته بين الناس لما فيها من تشبيه قوي للطفل بالكبد، فالكبد عضو معروف بضعفه، لا عظم فيه ولا عضل ولا أنسجة لحم قوية، فهو هش، ضعيف، وهو عضو مهم جداً، وتحيط به أعضاء توفر له أقصى درجات الحماية.
وهذا التشبيه يجسد خوف البشر الغريزي على أطفالهم، خلافاً لمعظم الكائنات الحية. ويشير بعض العلماء إلى أن هذا الخوف هو أمر توارثناه عبر الأجيال وأصبح جزءاً لا يتجزأ من حمضنا النووي. فالمجتمعات الأولية كانت محاطة بالمخاطر من كل جانب، والحفاظ على النفس يعد من أقوى المشاعر البشرية، ويزداد الخوف على من هم أكثر ضعفاً، وبخاصة الأطفال. فالطفل إذا ابتعد عن أمه أو عن مضارب عائلته قد يتهدده وحش كاسر أو حيوان سام أو عدو محدق، أو قد يضل طريقه ولا يهتدي إلى درب العودة إلى أهله فيفقدونه إلى الأبد. وكانت الأسر تحيط الأطفال بكل ما في وسعها من حماية حتى لا يتعرضوا لأي خطر، وتحرص على تربيتهم وتقوية عودهم وتهيئتهم لمهامهم المستقبلية بتدرج وحكمة حتى يصلوا إلى مرحلة النضج والاستقلال وتولي مسؤولياتهم في المجتمع.
ومع تطور المجتمعات، وخروجها من حياة الرعي والترحال أو العيش في أماكن نائية معزولة، ومع نشوء مجتمعات حضرية حديثة، ظل ذلك الخوف عميقاً في نفوسنا، فحل الخوف الحضري محل ذلك الخوف البدائي، وأصبحنا نضخم المخاطر التي قد يتعرض لها أطفالنا إذا ابتعدوا عنا. نخشى عليهم اعتداء المتربصين أو تنمر المتنمرين، نخشى عليهم تأثير أصدقاء السوء أو قسوة المعلمين، أو تهور سائقي السيارات، وما لا يحصى من مخاوف حقيقية أو متوّهمة. وأصبحنا نحيطهم بالأسوار كي نحول دون أي اعتداء عليهم، نرافقهم إلى مدارسهم ونعيدهم منها، ونبعدهم عن كل من نشك في نواياه، ويظل ذلك الخوف البدائي هو المحرك الرئيس لتلك الحماية المفرطة دون أن ندري ذلك.
ومع تطور التكنولوجيا، جاءتنا ضروب أخرى من المخاطر، إنها عناصر غير مادية، أنماط من السلوك والقيم تخالف ما ألفناه وما ظللنا نبعد أطفالنا عنه، تتسرب إليهم داخل غرف نومهم عبر شاشات وقنوات فضائية، وتطبيقات سيبرانية، وهواتف ذكية، وغير ذلك من أدوات تقض مضاجعنا. ونستمر في البحث عن سبل الحماية وتشديد الرقابة وفرض القيود. وذلك الخوف من الوحش الكاسر يرقد في مؤخرة أدمغتنا يوجهنا ويغذي غريزة البقاء لدينا.
ورغم كل ما نفعله من أجل حماية (أكبادنا التي تمشي على الأرض)، فقد نفخ الخالق جل وعلا في البشر روح المغامرة، روح السعي لاكتشاف المجهول وتحدي المخاطر، إنها روح وثابة مكنت بني آدم من تحدي الطبيعة والوحوش والبحث عن سبل كسب الرزق وإيجاد الحلول للمعضلات ومعالجة الأمراض وإعمار الأرض والمحافظة على النسل. إنها روح لا تعرف المستحيل، وتريد أن تجوب الآفاق وتتطلع إلى كل ما هو بعيد وتتحدى كل ما هو عسير. وتلك الروح هي التي تحرك أطفالنا وتدفعهم إلى مقاومة القيود والسعي لاستكشاف كل ما هو جديد ومدهش.
وهنا تحدث المفارقة بين الأجيال. فالأطفال يرون ما لا يراه آباؤهم وأمهاتهم من فرص ومتعة في كل ما هو أمامهم، وهم غير مدركين للمخاوف العميقة التي تكمن في أدمغة الكبار، فيرتادون الآفاق ويسعون للاكتشاف وخوض المغامرات. وعلى الرغم من خوفنا على الجيل الحالي من أطفالنا ووصمنا لهم بالضعف والهشاشة والاضطراب، نجد أن الكثيرين منهم يشقون طريقهم بثبات متحلين بتلك الروح الجريئة. فهم قد فتحوا أعينهم على عالم متشابك مترابط، وأصبحوا يقودون أحياناً بالصوت العالي وأحياناً في صمت ثورات تغيير في مختلف مناحي الحياة، يتحدون تقاليد يرونها بالية ويدافعون عن قيم قد تبدو مختلفة. إنهم يدافعون عن البيئة وحقوق الإنسان وأنماط الحياة الصحية ويوجهون أصابع اللوم إلى الأجيال التي سبقتهم.
وهذه المفارقة تتطلب من الأسر والمدارس والمؤسسات المعنية أن تتحلى بالحكمة في تزويدهم بالتجارب الماضية وتعريفهم بعصور لم تشهد التكنولوجيا التي يعتبرونها أمراً بديهياً، وتوجيههم إلى استخدامها بوعي ونضج، وتوفير الرعاية المتفهمة، التي تحترم حقهم في الاستكشاف والتواصل مع أقرانهم عبر العالم، واستخلاص التجارب مما يتوافر لديهم، ومما يجدونه مبذولاً أمامهم من معارف وأدوات معاصرة، دون أن نكبلهم بقيود قاسية ونكبح حركتهم ونسعى لعزلهم عن العالم.
وسيسلك أبناؤنا طريقهم ويتجاوزون تحدياتهم. وستمضي البشرية في تقدم تبني على إرثها، فلكل جيل زمانه ورؤيته ولكل عصر تحدياته. وسيظل خوفنا من ذلك الوحش المتربص قابعاً بين جوانحنا، يعيننا على الحفاظ على أرواحنا وقد يقودنا أحياناً إلى الإفراط في حماية أكبادنا، والمعضلة الأزلية هي الحفاظ على الشعرة الرقيقة بين الخوف المفرط والحماية الواعية والثقة في الخالق وحكمته ورحمته بالبشر.