في الحقيقة لقد تشكلت حياتنا الاجتماعية (شئنا أم أبينا) بالعالم الرقمي، حيث اخترقت التكنولوجيا كل معاني الطفولة البريئة بالطول والعرض، فقد أصبح الأطفال يقضون معظم أوقاتهم أمام التقنية والأجهزة الإلكترونية المتنوعة والمختلفة لفترات طويلة، وكذلك باقي أفراد الأسرة من الآباء والأمهات والأشقاء (المراهقين والشباب والراشدين) الذين يمارسون السلوك ذاته. ولا جرم من القول بأن تأثير هذا التحول الرقمي التكنولوجي على الصحة النفسية والاجتماعية كبير جداً سواءً إيجاباً أو سلباً، حيث أصبحت الفردانية تسيطر على البيئة الاجتماعية، وتعزل الحميمية الوجدانية والعلاقات العاطفية والتراحمية بشكل سلبي مضطرب، ولكنها في المقابل تنمي المعرفة الذاتية الشخصية. ومن هذا المنطلق فإن التحول الرقمي في عصر العولمة يُعتبر أكبر وأقوى مؤثر في تشكيل الطفولة وملامحها في الوقت الراهن؛ لأنه -وببساطة متناهية- متغير مستقل للطفولة التقليدية والحديثة، فالطفل التابع أصبح متبوعاً سواءً في طريقة التعليم والتعلم أو إستراتيجية التواصل والعلاقات، وهذا التغير الجذري في عالم الطفولة يحتاج إلى عمليتي الهدوء والتوازن.
ولا بد أن أُشير هنا إلى أن تشكيل الطفولة الرقمي يعود لعدة أبعاد رئيسة مهمة، ومنها:
1. التغير الكبير جداً في أدوات التعلم والتنشئة المتمثلة في السبورة الذكية وألعاب الواقع لذوي صعوبات التعلم من أجل تصحيح المفاهيم وتعزيز التفاعل.
2. التغير الجذري بالعلاقات الاجتماعية من ترابط أسري قوي مباشر إلى ترابط ضعيف افتراضي يعتمد على وسائل التواصل الاجتماعي أكثر.
3. التطور الفكري والنمو الثقافي لدى الطفل واكتسابه مهارات أدبية عالية، وتبنيه قيماً ومبادئ سلوكية إيجابية جديدة تساعده على التميز.
4. التأثير المباشر وغير المباشر على الصحة النفسية، حيث أن الطفولة تتعرض لبعض المخاطر الإلكترونية كالتنمر والتحرش.. وغيرهما من السلوكيات السلبية التي ترفع من معدل القلق والتوتر والاكتئاب والخوف الناتج عن استخدام التحول الرقمي والتقنيات التكنولوجية الحديثة.
واستناداً لما سبق؛ فإن الصحة النفسية والجسدية غالباً تتأثر بالأجهزة الإلكترونية، حيث تضع أمام الفرد العديد من الحواجز الوجدانية والعاطفية بدلاً من التفاعل الاجتماعي اللازم، ولهذا فإن الإفراط في استخدام التكنولوجيا الرقمية يزيد من نسبة الشرود الذهني والتشتت الفكري والإدمان السلوكي على التقنيات الحديثة في كل المراحل العمرية المختلفة، وبخاصة لدى الأطفال والمراهقين. ولا بد من التأكيد على أننا بحاجة إلى ثورة اجتماعية، كل في مجاله؛ لنشر الوعي بأهمية الرعاية الصحية للإنسان، وبخاصة الجيل القادم للوقاية الموقفية والاجتماعية من آليات العولمة والتكنولوجيا الرقمية.
وتماشياً مع ما تم ذكره، ومن أجل تحول إيجابي؛ لا بد من مواجهة هذا التحول الرقمي للوصول إلى طفولة آمنة وفعالة، كما أكدت بعض الدراسات الحديثة على أهمية (الرفاهية الرقمية)، أي الاستفادة من التقنية التكنولوجية بشكل متوازن (لا ضرر ولا ضرار)، من خلال تفعيل الدور الأسري والتربوي، واتباع سياسة المناقشة والحوار مع الأبناء، بالإضافة إلى (الحزم المحمود) عن طريق وضع آلية واضحة ومنتظمة لاستخدام الأجهزة، وكذلك التفاعل مع الأبناء ومشاركتهم اهتماماتهم بين فترة وأخرى؛ لأن هذا الأمر يوفر لهم (الحماية الرقمية)، ويساعدهم على تجنب المحتوى السلبي وفق القوانين الأسرية الفعالة. وبطبيعة الحال هذا يعتبر أساساً للتربية التعليمية والإعلامية، بأخذ ما يفيد وترك ما لا يفيد في وسائل التواصل الاجتماعي برمتها. ولذلك لا بد من الأخذ في الحسبان بأن على الأسرة أن (توجه التكنولوجيا) وتطورها؛ بحيث تركز على تعليم وتدريب وتربية الأطفال على السلوك الإبداعي لتجنب الوقوع في براثن الإدمان التكنولوجي، ما دام التحول الرقمي حتمية واقعية. علماً بأن إحدى الدراسات المنشورة قد وضحت أيضاً بأن الإفراط في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي له علاقة وثيقة بالجانب النفسي كالقلق والاكتئاب والشعور بالوحدة بين المراهقين الذين يتأثرون نفسياً عندما يقارنون أنفسهم بالآخرين، مما يفقدهم الثقة بأنفسهم، حيث يقارنون الواقع بالوهم، أي طريقة حياتهم الحقيقية بالأوهام الافتراضية المصنوعة. وأخيراً لا بد من العلاج الناجع لهذه المشكلة من خلال وضع الحلول المناسبة والقائمة على الدراسات العلمية والعملية التي تركز على ماهية وطبيعة الإنسان، ما له وما عليه، حيث أن كلنا مسؤول كل في مجاله، سواءً الصحي أو التعليمي أو الأسري أو السياسي أو الاجتماعي أو أي مجال مجتمعي يساعد على دعم الثقافة الرقمية والوصول إلى الذكاء العاطفي لدى الأطفال، مع الحرص على أن تكون التكنولوجيا مهمة، ولكن الأهم أنها وسيلة للاستفادة لا للاستماتة.