المسرح أبو الفنون كما يقال قديماً، والركحُ هو الحياة كما يصفه كل من ولج عالم المسرح، بدأت معالم المسرح المغربي قبل الاستقلال وامتدت إلى ما بعده، مع فئة عريضة من الكادحين الذين عشقوا هذا المجال وأبدعوا فيه ببصمتهم المغربية الأصيلة وأصواتهم الشجية واقتباساتهم الذكية وأغانيهم الفلكلورية الممتدة عبر الزمان والمكان.
السعدية قريطيف (1952-2020م) وهذا اسمها الحقيقي، واحدة من هؤلاء الكادحين الذين شيدوا معالم هذا المسرح المغربي بأبعاد كونية وإنسانية، في درب السلطان بمدينة الدار بيضاء كان الميلاد والنشأة، من أسرة بسيطة فقدت معيلها مبكراً، فترعرعت في حضن أم عصامية استطاعت بقوة شخصيتها أن تتولى مهمة تربية الأبناء والإنفاق عليهم، رغم صعوبة الظروف، تعرفت على المسرح من خلال أختها الكبرى المنتمية إلى فرقة الهواة بالدار البيضاء التي كان زوجها محمد جبران رئيساً لإحداها، وهكذا أتيح للسعدية أن تشهد العروض وتحضر التداريب، وبالتالي يتهيأ لها أن تحب هذا الفن الجميل وتظل تحلم وهي صغيرة بأن تصير ممثلة، حتى أتيح لها العمل في بعض جمعيات هواة المسرح وبرزت كممثلة مبتدئة في الأوساط المسرحية البيضاوية، وقد كان النجاح الذي حققته مشجعاً لها على الانتقال إلى الرباط والانخراط في المعهد المسرحي التابع لوزارة الثقافة لتلقي دروس الفن الدرامي على يد أساتذة مثل عبدالصمد دينية وعبدالله شقرون وغيرهم.. وهذا سيفتح لها المجال للتدريب ضمن فرق المسرح المحلية التي اكتسبت معها بعض التجربة الاحترافية والميدانية التي كانت تفتقر إليها.
هذا كله أهلها لعيش مرحلة النجاح الفني أواخر الثمانينات والتسعينات، وساهمت في تأسيس فرق مثل: (فرقة معمورة) و(مسرح الشعب) و(مسرح الفرجة) و(مسرح الفنانين المتحدين) حيث خاضت بعدها الكثير من التجارب مع فرق مسرحية مختلفة منها تجربتها المهمة مع الكبير الطيب الصديقي، لتطلق بعدها العنان لتجربتها المستقلة من خلال تأسيسها لفرقة (مسرح اليوم) مع زوجها عبدالواحد عوزري، هذا الأخير الذي كونت معه ثنائياً مهماً أعطى الكثير للمجال المسرحي المغربي.
ويشير الباحث حسن بحراوي في كتابه الجديد: (رواد المسرح المغربي 2025م ص 195)، إلى أن الأحداث: «... هكذا ستدور عجلة الزمن دورتها، وعلى مدى ست عشرة سنة من الكدح المتواصل، ستقدم فرقة مسرح اليوم أعمالاً بمعدل مسرحية في كل موسم، أي عملياً سبعة عشر عرضاً منها ثلاث مونودرامات فردية تولت ثريا تشخيصها، والباقي عبارة عن عروض تمثيلية جماعية بين مؤلفة ومقتبسة، أسهم في كتابة معظمها محمد بهجاجي (5 مسرحيات) وعبدالواحد عوزري (3 مسرحيات) ويوسف فاضل (3 مسرحيات) ومسرحية واحدة لكل من عبدالكريم برشيد ومحمد قاوتي والبشير القمري والجزائري امحمد بن قطاف، ومسرحية واحدة من تأليف جماعي هي (طير الليل)..».
ويكمل بحراوي بالنسبة للممثلين، فقد كان منهم القادرون كثريا جبران ومحمد البسطاوي وعبداللطيف الخمولي، ومن يستعان بهم في بعض العروض مثل محمد الكغاط وعبدالله العمراني ومحمد خيي ومنى فتو وآخرين... وطبعاً كان الفضل في تحقيق كل هذا التراكم الإبداعي اللافت مواظبة وإصرار رئيسة الفرقة وممثلتها الأولى، وهو تراكم غير مسبوق له من طرف الفرق المسرحية المغربية التي ظلت تعاني من ظروف صعبة لم تكن تسعفها على الاستمرار في الإنتاج ومواصلة التألق، دون أن نغمط حق المخرج عبدالواحد عوزري في دوره الذي يشهد له به الجميع.
هذا الإبداع كله أهلها لحمل ألقاب من قبيل: (سيدة المسرح المغربي)، أو (سيدة الركح)، و(قديسة المسرح). ثريا جبران واحدة من أيقونات الفن والإبداع في الساحة الفنية والثقافية بالمغرب.
حصلت الفنانة ثريا جبران على العديد من الجوائز والأوسمة في عدد من المهرجانات الوطنية والدولية، من قبيل وسام الاستحقاق الوطني، ووسام الجمهورية الفرنسية للفنون والآداب.
ويضيف الباحث حسن بحراوي في كتابه: (رواد المسرح المغربي، ص191) في هذا الصدد بعد تتويجها كأحسن ممثلة في مهرجان بغداد وتكون نقطة فارقة في مشوارها الفني، وتعليقاً على هذا التتويج تقول ثريا جبران: «تلك الجائزة هزتني بعنف ودعتني إلى التفكير العميق في حياتي كلها، وبعدها قررت أن هذه هي بدايتي الحقيقية، وأن كل ما سبق كان بمثابة إعداد وتدريب وتجريب من أجل هذه البداية...». (حوار مع مجلة المسرح، العدد 47، أكتوبر 1992م).
من أعمالها الخالدة نذكر: (ديوان سيدي عبدالرحمن المجذوب – إيقاظ السريرة في تاريخ الصويرة – الإمتاع والمؤانسة – ألف حكاية وحكاية في سوق عكاظ – القوق في الصندوق – عنترة في المرايا المكسرة – القنبلة – العين والخلخال – الشهيدة ).
فهل يعرف الجيل الجديد ثريا جبران، التي أتمنى أن تشيد مسارح وتسمى باسمها، لأنها أعطت الكثير للمسرح المغربي هي وزملاؤها، عبدالله شقرون والطيب الصديقي ومحمد سعيد عفيفي ومصطفى سلمات ومحمد مفتاح ونعيمة لمشرقي وحسن الجندي وعبدالصمد الكنفاوي ومحمد مسكين ومحمد تيمد وعبدالقادر السميحي وعبدالقادر البدوي ومحمد الكغاط وحوري حسين والقائمة طويلة ممن قدموا لنا إرثاً مسرحياً، وجب أن نفتخر به ونحرص على إيصاله إلى الأجيال الصاعدة.