مدخل:
لم يكن الوقوف أمام مقام (المملكة العربية السعودية) مجرد رغبةٍ في نظمِ القوافي، أو محاولةً لاستنطاق المعاني، بل كان استجابةً لنداء الروح التي لا ترى في هذا البلد العظيم إلا موطناً لكل مكرمة، ومنبعاً لكل فخر.
إنَّ مديحي لهذه الأرض الطاهرة لم يكن ترفاً لغوياً، بل كان فخراً أتشرفُ بحمله، واعتزازاً بشعبٍ صاغ من طموحه عنان السماء، وبلدٍ شرفه الله بأن يكون مهبط الوحي وحاضنَ الحرمين الشريفين.
حين اخترتُ أن أنثر حبري مدحاً وثناءً، لم يكن ذلك باباً من أبواب المجاملة العابرة، أو تودداً تمليه الظروف، أو تملّقاً أجوف، بل لأن هذا البلد العربي يستحق أن تُحاك له من خيوط الشمس قصائد، ومن لؤلؤ البحار قوافٍ.
إن المملكة العربية السعودية هي الأرض التي تُجبر القلم على الشموخ، وتدفع الشاعر للصعود إلى قممِ (الكامل) ليواكب جلال قدرها.
لقد جئتُ لأرسم لوحةً تجمع بين (نجد) العزة و(الحجاز) الطهر، وبين عراقة البوادي وشُموخ النخيل. وعطاء البحر، وخضرة الروابي في مناطقها المتعددة.
فثنائي عليها هو تجسيدٌ لروحِ الإخاء التي تربطُ قلوبنا بهذه الديار، ونحنُ سُمّارٌ في محرابِ جمالها ومجدها.
يا موطناً بالفخرِ طالَ سماؤهُ
وتزيّنتْ بجلالِهِ الأكوانُ
في (نجدِهِ) وجَدَ الشموخُ مقامَهُ
وعلى (الحجازِ) تنزّلَ القرآنُ
وبحورُ (جدّةَ) في المساءِ حكايةٌ
تروي الجمالَ، وحسنها فتان
طُهْرُ (الشعائر) فِي (الحَطيمِ ) سَكينةٌ
والماءُ (زمزمُ)، والشِّفاءُ ضَمانُ
و(المسجد النبوي) أروع ما ترى
عين، ويهفو للدعاء جَنان
رَملٌ كتبرِ الشمسِ يلمعُ سحرُهُ
بل فوق ذروتِهِ نما الإيمانُ
والنخلُ في (الأحساءِ) ينثُرُ جودَهُ
كالأمِّ تحنو، والعطاءُ حنانُ
وبـ(طائف) الورد البهيج خميلة
يستاف منها عاشق ولهان
ومِنَ (الشمالِ) عَراقةٌ لا تنتهي
وعلى (العُلا) قد سُطِّرَ العنوانُ
و(تبوكُ) درب للمدى وتطوّرٌ
و(نيومُ) فيها للغدِ اسْتيطانُ
و(جبالُ طيٍّ) في الفضاء منارةٌ
دار الكرامِ، وللضيوفِ مكان
أرضُ (القصيمِ) بكلِّ خيرٍ جودها
والقلب حضن، والمكوث أمان
(والباحةُ) العلياءُ في (رغدانها)
حصنٌ منيعٌ، صخرُها صوّانُ
وانظرْ لـ(أبها) في الجنوبِ بهيةً..
والطقسُ فيها بارد نَشْوان
وانظرْ لـ(جازانِ) المليحةِ ريفها
خُضرُ الجبالِ، وتحتها الوديان
وهناك (نجران) العريقة طَوْدُها
حصن حصين رائع فتان
أمَّا (الرِياضُ) منارةٌ نسمو بها
للمجدِ في أعلى المدى بنيانُ
هيَ قلبُ نهضتِنا وبابُ طموحِنا
في جيدها عِقدُ الرُّقيِّ جُمانُ
والشَّوقُ يَعزِفُ في القُلوبِ تَرَنُّماً...
بِـ(كَمانِ) حُبٍّ، والهَوى ألْحانُ
من أرضِنا شع البيانُ مفوّهاً
فالحرف نبضٌ، والقصيدُ بيان
أدبٌ يفوحُ بأرضِنا كتراثِنا
تروي حَكايا جيلِنا الأكوانُ
يجري بنا عبرَ الزمانِ مشاهداً
تحيا بها الأرواحُ والأذهانُ
نبضُ الرياضِ لـ(أرضِ أوراسٍ) مضى
بالودُّ يخفق والودادُ جُمانُ
شعبانِ في روحِ البناء توحّدا
عزٌّ نما، والمكرماتُ كيانُ
أُختُ الجزائرِ منذُ فجرِ نضالِنا
دَمُنا التحاماً، والوداد عَوان
تلكَ الديارُ بوحدةٍ قد أزهرتْ
تحتَ البيارقِ قدْ سَما البنيانُ
يا قبلةَ الدنيا، ومنبعَ عزِّنا
تبقينَ فخراً، ما حيا الإنسانُ