مجلة شهرية - العدد (597)  | يونيو 2026 م- ذو الحجة 1447 هـ

قراءة التراث في حدود الموضوعية وإمكانيات التأويل

حين تسعى الأمم إلى التقدم والابتكار على نحوٍ مستمر فإنها تتفق -صراحةً أو ضمناً- على ضرورة العودة إلى التراث، بوصفه مرجعاً حيوياً يُعين على قراءة الأفكار بقدرٍ أعلى من الموضوعية. والسؤال الذي نطرحه في ظل ذلك: هل يمكن قراءة التراث بموضوعية؟ أم نسقط عليه أسئلة الحاضر ونعتقد أننا فهمناه؟ فمن خلال هذه المقالة نسعى إلى تقديم رؤية نقدية معترف بحدودها وإمكاناتها في آنٍ.
يُعرَّف التراث لغوياً بالرجوع إلى جذر (ورث)، أي ما أُخذ عن السلف من عادات وتقاليد وأعراف واستمر أثره، ويعرّفه أيضاً الدكتور محمد عابد الجابري في (التراث والحداثة): «الموروث الثقافي والفكري والديني والأدبي والفني، وهو المضمون الذي تحمله هذه الكلمة داخل الخطاب العربي ملفوفاً ببطانية أيديولوجية لم تكن حاضرة في خطاب أية لغة من اللغات الحية المعاصرة التي نستورد منها المصطلحات والمفاهيم الجديدة علينا»، وتعريف الجابري يعكس مقاربة إشكالية ترى التراث بوصفه قضية هوية. ويمكن أن نضيف تعريف الدكتور عبدالسلام المسدي في (النقد والحداثة): «مجموع النصوص المؤسسة للثقافة العربية، سواء أكانت دينية أم فلسفية، والتي تشكل مرجعية فكرية للمجتمع»، وهنا ننقل التراث من دائرة الأيديولوجيا إلى دائرة النص والمرجعية، مما يفتح المجال لقراءات منهجية أكثر من كونه مجالاً للدفاع أو الهجوم.
ومهما تعددت التعريفات، فإن معرفة التراث تلتقي عند ثلاث سمات رئيسة: أولها أنه فعل انتقائي واعٍ بما يحمل من قيمة قابلة للتداول في الحياة، وثانياً أنه يركز على الجانب التطبيقي وليس مقصوراً على الجانب النظري، وثالثاً أنه مرن بطبيعته قابل للتحول وتحديث أدواته. ومن هنا ينشأ الخلط عادة بين كل من التراث والموروث، فعندما يبدأ النقاش عن التراث ينزلق إلى الموروث، والحقيقة أن التراث يركز على ما تم تفعيله من الموروث، وما أُعيد إنتاجه؛ أما الموروث فهو أشمل، يضم تاريخ المجتمع وأبعاده الثقافية والانتقائية. و(باعتبار ما تم تفعيله فقط)؛ يكشف لنا تحليل الدكتور نصر حامد أبو زيد في (النص، السلطة، الحقيقة) تعامل النخبة العربية مع النص الديني، وهو نموذج مصغر لظاهرة أعم وأشمل في تعاملنا مع التراث ككل، فالآليات نفسها التي تعمل عند مواجهة تعارض مع التراث -كالانتقاء والتوظيف الانتقائي- نجدها تعمل مع شتى حقول التراث، ولا نقرؤها قراءة نقدية تكتشف الأخطاء والإخفاقات.
وقبل استعراض المناهج المقترحة؛ لا بد من أن نحدد المقصود بالموضوعية، وفي هذا الصدد نقصد بها الانضباط المنهجي، أي الالتزام بإجراءات واضحة في القراءة، والاعتراف باحتماليتها القابلة للنقد والمراجعة.
يوضح لنا الدكتور محمد عابد الجابري أن قراءة التراث ليست مجرد حفظ واستظهار، إنما هي عملية تمر بمرحلتين:
- المرحلة الأولى: الفصل -أي فهم النص في زمنه- فحين تقرأ كتاباً يجب أن تفهمه في السياق الذي ورد فيه، وتفصله عن وقتنا الحالي، وتتساءل: ما القضايا التي عالجها الكاتب في عصره؟ ما أبرز الاتجاهات الفكرية السائدة في زمنه؟ ما طبيعة الخطاب الفكري واللغوي في ذلك العصر؟
- والمرحلة الثانية: الوصل -ربط النص بالحاضر- وتعني أنه بعدما فهمت النص في سياقه الأصلي، تنتقل إلى مناقشته: ماذا يمكن أن نستفيد من أفكار ذلك الكاتب؟ كيف يمكن نقد أفكاره بأدواتنا النقدية الحديثة؟ إلى أي مدى يمكن وصل أفكار الكاتب بسياقاتنا الفكرية المعاصرة؟
غير أن عملية الفصل التام التي تتبنّاها بعض الاتجاهات التاريخانية الصارمة في سعيها إلى تحقيق موضوعية كاملة؛ قد تدعو إلى وضع النص في إطاره الأصلي بعيداً كل البعد عن تصورات القارئ المعاصر، ويمكن أن نقول حينها: هل يمكن حقاً تجريد القارئ من أسئلته الراهنة أثناء محاولته فهم التراث؟ يقدم غادامير رؤية نقدية مغايرة، حيث يرى من الاستحالة أن تقرأ نصاً تراثياً وذهنك خالٍ تماماً من أي تصورات وأفكار مسبقة عنه، والصحيح أنك تحمل جزءاً منها، وهنا تحدث عملية ديناميكية أشبه بالحوار تسمى (صهر الآفاق). فعندما يبدأ القارئ بقراءة نص تراثي محمّلاً بأسئلته الراهنة وتصوراته؛ فإنه في ذات الوقت يواجه أفق النص الذي يمثل عالم الماضي بأسئلته الخاصة، إذاً نحن أمام مأزق: كيف نطبق قاعدة الجابري ونحن نعرف أننا لا نستطيع التخلص من مسبقاتنا؟
يقدم لنا الدكتور عبدالله الغذامي في (تشريح النص) حلاً عملياً لهذه المعضلة، فهو يوافق تماماً الجابري في أن القارئ يجب أن يفصل عن مسبقاته الذهنية ورغاباته الحاضرية، وهذا ما يسميه (هيمنة المدلول)، وهو في ذات الوقت يدرك -مع غادامير- أن الفصل الكامل مستحيل، فيقول لنا في (تشريح النص): «لا تحاول أن تلغي مسبقاتك، ولكن أخضعها لمنهج صارم يجعل النص يقودك، لا أنت الذي تقود النص»، والمنهج هو (التشريح)، ويمكن تفصيله في خطوات عملية: ما الكلمات التي تكررت؟ (مثلما فعل في تحليل قصيدة الشابي، حيث أحصى تكرار «الزهر» و»المطر» و»القمر»)، ما الكلمات التي تتقابل؟ (الحركة/السكون، الماضي/المستقبل، المد/الجزر)، ما الحقول الدلالية المهيمنة؟ (هل النص مليء بكلمات الطبيعة، أو الحرب، أو الحب؟).
غير أن هذا الحل الإجرائي يثير إشكالاً آخر، فتحليل التقابلات والتكرارات قد يحول النص إلى جثة هامدة؛ فهل يكفي (التشريح) لفهم التراث؟ أم أننا نحتاج أيضاً إلى (التأويل)؟ الحقيقة أن التشريح والتأويل متكاملان، فالتشريح يضبط قراءة النص، أما التأويل فيحتاج إلى معايير تضبطه وتمنعه من التعسف، وهنا يأتي دور الدكتور نصر حامد أبوزيد في (إشكاليات القراءة وآليات التأويل) ليوضح الحاجة إلى معايير منهجية ترشد القارئ وتضبط تأويله للحكم على جودة القراءة:
• الاتساق الداخلي: هل تفسر القراءة النص دون تناقض مع عناصره المختلفة؟
• الاكتمال: هل تغطي جميع عناصر النص المهمة، أم تنتقي ما يناسب فرضية مسبقة؟
• الاقتصاد التفسيري: هل تقدم تفسيراً بسيطاً دون تعقيدات زائدة؟
• القابلية للنقد: هل تسمح بوجود قراءات بديلة، أم تدعي امتلاك الحقيقة المطلقة؟
ولنأخذ مثالاً على ضرورة هذا المنهج من عبارة ابن خلدون الشهيرة: «الظلم مؤذن بخراب العمران». فالقراءة السطحية المتسرعة قد تقع في فخ (هيمنة المدلaول) الذي حذر منه الغذامي، حيث يسقط القارئ فهمه المعاصر على النص مباشرة فيظن أن الظلم يؤدي فوراً إلى الخراب، أما القراءة الدقيقة المنهجية فتكشف شبكة دلالية متدرجة:
• كلمة (مؤذن) تعني الإنذار بالخراب لا الخراب ذاته، وهي بصيغة اسم الفاعل التي تحمل معنى الاستمرارية.
• كلمة (العمران) تدل على انتظام الحياة الاجتماعية والحضارية بكل تعقيداتها.
• العلاقة بين الظلم والعمران علاقة سببية غير مباشرة تبدأ بالإنذار ثم تؤدي إلى الخراب.
لكن تحليل العبارة بمعزل عن نظرية ابن خلدون العامة في العمران البشري والعصبية، كما يذكرها الدكتور محمد صفار؛ قد يختزل دلالتها، فمصطلح (العمران) عند ابن خلدون يحمل دلالات محددة مرتبطة بنظريته في نشوء الدول وسقوطها، حيث يرتبط الظلم بفقدان العصبية وضعف الدولة، مما يؤدي تدريجياً إلى انهيار العمران، كما أن مفهوم (الظلم) عنده يشمل الظلم السياسي والاقتصادي والاجتماعي، ويتصل بفكرة أن (الظلم موجب لفساد العمران بانقباض الناس عن السعي في الكسب).
وإذا طبقنا معايير أبوزيد على قراءتنا هذه، نجد أنها تحقق (الاتساق الداخلي)؛ لأنها تفسر العبارة في ضوء نظرية ابن خلدون العامة، كما أنها تتسم بـ(الاقتصاد التفسيري) بتقديم تفسير واضح غير معقد. لكن معيار (الاكتمال) يظل مفتوحاً: فهل غطت قراءتنا جميع عناصر النص المهمة؟ يمكن القول إنها ركزت على العلاقة بين الظلم والخراب، لكنها لم تتوسع في دور (العصبية) كمتغير وسيط، وهذا القصور يذكرنا بأن أي قراءة تظل احتمالية.
يبقى السؤال: كيف يمكن لهذه المقولة أن تفيدنا في فهم مشكلات العمران المعاصر؟ يمكن القول إنها تقدم رؤية للعلاقة بين العدالة والتنمية المستدامة، حيث إن أي مشروع تنموي لا يقوم على أسس من العدالة الاجتماعية يكون مآله الفشل، حتى لو بدأ بمؤشرات إيجابية، كما تذكرنا بأن تدهور العمران لا يحدث فجأة، إنما تسبقه إنذارات وإشارات تحذيرية، مما يفتح مجالاً للتدخل المبكر والإصلاح قبل فوات الأوان.
وفي هذا الصدد يقدم لنا عبدالفتاح كيليطو في (الأدب والغرابة) أن قراءة التراث تتنوع بتنوع المقاربات، ولا ينبغي حصرها في منهج واحد، فعلى سبيل المثال، يقدم مقاربة مختلفة تقوم على مساءلة النصوص التراثية وفهمها بواسطة جهاز مفاهيمي ينطلق من تحديد الظاهرة بوصفها أدباً كلاسيكياً يقتضي معرفة بسياقه العام، ومعرفة خاصة بنسقه الثقافي، مما يسهم في بلورة القراءة النقدية والذائقة الفنية بعيداً عن التطبيق الصارم لبعض المناهج.
وإذا كنا قد استعرضنا هذه المناهج النقدية في قراءة التراث؛ فإن السؤال الذي يبقى مشرعاً هو: هل هذه المناهج نفسها -الجابري في الفصل والوصل، والغذامي في التشريح، وأبوزيد في معايير التأويل- تمثل قراءة موضوعية للتراث، أم أنها هي الأخرى إسقاطات حداثية على التراث؟ بمعنى: هل نحن عندما نقرأ الجابري في قراءته للتراث نكون بحاجة إلى (فصل) و(وصل) آخر؟ وهكذا تتسلسل القراءات في انعكاس لا نهائي، وهذا لا يعني أن جميع القراءات متساوية في الصحة، بل يعني أن كل قراءة تخضع للمعايير نفسها التي تطبقها على موضوعها، فالاعتراف بهذه الحدود ليس تبريراً للفوضى التأويلية، بل هو بداية نقد حقيقي للنقد، حيث يصبح الناقد واعياً بأن أدواته هي أيضاً جزء من التراث الذي يقرؤه.

ذو صلة