تتميز التجربة القصصية للكاتبة أميمة الخميس بالحفر في الذات الأنثوية، باعتبارها طقساً من طقوس الكتابة، وتجلياً أنثروبولوجياً يستعيد الذاكرة ويفكك أنساقها. فالمجموعات القصصية الثلاث: (الترياق)، (مجلس الرجال الكبير)، (أين يذهب الضوء؟)؛ شكلت عصارة تجربة في كتابة القصة القصيرة العربية، حاولت من خلالها الكاتبة، نحت لغة قصصية جديدة.
الذات الأنثوية وغنائية النثر.. تفكيك ثنائيات الوجود
يحاول السارد الذي يحكي بضمير الغائب استبطان أعماق الذات الأنثوية، وسبر أغوارها، كما يتجلى من خلال العناوين الرئيسة، والفرعية: (الترياق) (تضاريس نسوية في جغرافية مدينة الرياض) و(مجلس الرجال الكبير) ثم (أين يذهب هذا الضوء؟). ولعل هذه المكونات اللفظية، مؤشرات على أن الذات الأنثوية تجعل من الكتابة محور التبئير الداخلي، بما يتجاوز حدود العلاقة بين الذكورة والأنوثة إلى تفكيك الأنساق التي ينطوي عليها التمثل الأنثوي للكتابة، وعلاقته بالمرجعية النسوية. يدل على ذلك، هيمنة أسماء الأعلام في المجموعات الثلاث من جهة، وتعددها في النص الواحد. ففي نص الفتاة في (فتاة الكما يجب)، كما في نصوص أخرى؛ يحيل اسم العلم (هيفاء) ثم (سندريلا) على الذات الأنثوية بوصفها سردية. وفي نص قصصي آخر، تحت عنوان (منال)؛ يكشف التبئير الداخلي على كل من اسمي العلم (منال) و(وفاء)؛ قلقاً يعتري الذات الأنثوية، باعتبارها تعيش غربة إنسانية مضاعفة، فهي الذات التي تبحث عن هوية، ومفارقة داخل المهجر بين الزمن الذكوري الماضي الذي يمتد إلى الحاضر، مما يجعلها ذاتاً موزعة بين ماضٍ ذكوري استعماري وماضٍ ذكوري يرتبط بالنسق الاجتماعي والديني:
«كم هجرة عاشها هذا الرجل تعتقدين؟ عام 48 من يافا إلى بيروت، عام 68 من بيروت إلى السعودية، وعام 96 من السعودية إلى كندا. وعلى الرغم من أن فلسطين كانت موجودة دائماً في أحاديث أبي وزياراتنا المتقطعة إلى بيروت، ولكنه وجود غريب وموجع، كأب رحل عن عائلته وترك لهم تركة ثقيلة من الدم والدموع والثارات» (ص:25)، وهذا ما يتضح من خلال طرفي معادلة الفتاة من جهة، وهيفاء وسندريلا؛ في مقابل صورة الرجل الأب التكنوقراطي، الزوج، الرجل الوطواط، الرجل سكرتير المكتب.
أما في نص (مجلس الرجال الكبير)؛ ينقل لنا خطاب الأقواس صوت شخصية (مها) الذي ينضم إلى باقي أصوات المجتمع ليدفع المرأة/السارد إلى الزواج بدون رغبة أو علاقة حميمة تؤسس لهذا المشروع، كما يكشف عن ذلك مكون الوصف في القصة «الرجل ذو الأسنان البارزة، رائحة فمه كرائحة مناديل المائدة النظيفة». فخطاب الأقواس نسق سردي ثقافي يكرس مقاومة الذات الأنثوية للهامش من داخل الكتابة التي تتحول إلى نسق أيقوني لتمثيل سلطة المركز في مقابل خطاب الهامش كما يتجسد من خلال الأقواس في بعض النصوص.
إن موقع الذات الأنثى بين سلطتي التقاليد ونسق الفحولة، يجعلها كما نلفي في مجموعة (مجلس الرجل الكبير) كياناً مفرغاً من وجوده الإنساني والفكري، تعيش فراغاً وجودياً وروحياً، كما هو الأمر بالنسبة لشخصيتي هيا في قصة (حجرات دنيوية)، وفي نص (ذوات النطاق)، حيث ترتبط المرأة بسلطة الرجل الأب الذي يتجلى في صورة فانوس علاء الدين السحري، في حين تتعطل إرادة الذات المرأة، وتفقد القدرة على تقرير مصيرها والحسم في زواجها.
هوية الخطاب النسائي وأنثروبولوجيا الواقع
تحاول أميمة الخميس، في مجمل المجاميع القصصية التي أشرنا إليها سابقاً؛ الحفر في طقوس ثقافة النسوية، والذهنية الاجتماعية التي تتوزع بين التقاليد والطقوس، وبين التخييل الديني باعتباره منبعاً من منابع الحكي القصصي، فضلاً عن تسخير وسائط طبيعية رمزية للتواصل مع الرجل باعتباره الوجود والخصب والاستمرار. وهكذا ينزع الخطاب القصصي إلى بناء حركات ذهاب وإياب بين إنتاج الأنثوية بوصفها طقساً أنثروبولوجيا والنسوية بوصفها فضاء تقاطع وانصهار خطابات متعددة.
هكذا تتأسس شعرية النوع القصصي على المفارقة، بين المتوقع واللامتوقع. فيتمفصل الخطاب إلى ما قبل الزواج وما بعد الزواج، بوصفهما لحظتين أنثروبولوجيتين تشتغلان على إنتاج نسق المغلق والمنفتح، ويتجسد كذلك من خلال خطابي البداية والنهاية، ومن خلال نسق العناوين (تضاريس نسوية) في مقابل (مجلس الرجال). فالنسق النسوي تضاريس يرتبط بالمنفتح، بينما المجلس الذي يرتبط بالرجال فضاء لإنتاج الذكورة والمنغلق ووضع الحدود.
إن القصة القصيرة بوصفها نوعاً أدبياً تشتغل على لحظة رمزية وجودية موسومة بالازدواجية على صعيد لغة السرد، في نية المفارقة بين وظيفة الزوج في قصة (فتاة الكما يجب) باعتبارها ترتبط بنشر الخير وإحلال العدل، إنما هي غطاء يحجب شخصية الزوج في الليل، ومختلف ممارساته مما سيكشف المتحول واللامتوقع بعد الزواج. وهذا ما يمكن استجلاؤه من خلال البنية الحوارية التالية الكاشفة للتعدد الصوتي الذي يسم فضاء اللغة الأنثوية، فتتقاطع أنساق الشر بالخير، الظلام بالضوء:
«هتفت به: هل بدأ الرجل الوطواط في ارتداء حلته؟
أجابها بابتسامة نشطة وقد أعجبه التشبيه: نعم أنا ذاهب لنشر العدل في المدينة ومتابعة المجرمين.
لكن ماذا عن الظلم القائم في منزلك؟
ليس في منزلي سوى نعامة (مدلعة)» (ص: 14)
ترتبط شعرية النوع القصصي برصد تفاصيل الذات الأنثوية، وهذا ما نستشفه من خلال مجموعة (مجلس الرجال الكبير) في حين تتأسس (أين يذهب هذا الضوء؟) على شعرية الإيجاز والتكثيف والوصف الذي يُعطل وتيرة إيقاع السرد، كاشفاً تعطل الإرادة لدى الذات الأنثوية، بوصفها مصدراً للحياة، كما تكشف استعارة الضوء. وسواء تعلق الأمر بقصة (مسعود الجداوي) أو (الجازي) أو (حجرات دنيوية)؛ فإننا نجد أنفسنا أمام لحظة التوغل في المناطق الداخلية المعتمة للذات الأنثوية، وذاكرتها المثقلة بالفراغ الوجودي الذي يدل على الاستلاب.
إن سردية التفاصيل وتكثيفها في أنساق النص، يعيدنا إلى سؤال وجود المرأة ومعاناتها العميقة في ظل قضايا الهوية والاغتراب المضاعف؛ كما نستشف من خلال شخصية منال في قصة (عنوان منال). أما في نص (سورها العظيم) فصورة الذات الزوجة المرأة تتحول إلى رمزية يؤشر لها السارد بالمرجع الثقافي (سندريلا)، وهو ما يعني الصورة التي عالجها بعض مفكري الحداثة التي تتحدث عن المرأة الرجل كعلاقة فرع بأصل مما يعود بنا إلى أنساق أنثروبولوجية مستمِدة قصة حواء وآدم. فتبقى حواء رمز الذات الأنثوية الأصل، الذي يحتمي ويلوذ بالرجل، كما تُجسد معظم أحلام شخوص الأنثى والتي تنقلب إلى انكسارات فردية، مما يجعل هذه الصورة تستوطن اللاوعي الفردي الذكوري:
«وها هي اليوم تقبع خلف سورها، سورها العظيم الذي بنته بحجارة وشوك (...) ستبقى خلف سورها في حقل الموت الخريفي» (ص:39)
ينهل التخييل القصصي في منجز أميمة الخميس من الحلم باعتباره الملجأ والمهرب، من واقع الذكورة الذي يكرسه الرجل. ولذا، تهرب المرأة من واقع السلطة الذي أنتج الاضطهاد النفسي بكل تمثلاته الرمزية إلى عالم الحُلم والرمز الذي تحاول من خلاله البحث عن بدائل وجودية. وقد ينهل تخييل القصة القصيرة من المتخيل العقائدي، فتكشف أنثروبولوجيا الموت عن عجائبية الذات الأنثى المبأرة سردياً في قصة (حجرات سردية) أي شخصية (هيا) التي خطفها الموت، لكن ابن عمها ينقل رؤية أسطورية الذات الأنثوية، مما يضعنا نحن المتلقين داخل (التردد بين تفسير طبيعي وفوق طبيعي) للظاهرة الذات-الأنثى. (هيا: ص:18)
وإذا كانت المجموعتان السابقتا الذكر (الترياق) و(مجلس الرجال الكبير)؛ تنسجان شعرية النص من خلال أنساق الواقع الأنثوي، وصورة المرأة بين سلطتي الثقافة والمجتمع؛ فإن مجموعة (أين يذهب هذا الضوء؟) تشتغل على نحت لغة التخييل القصصي انطلاقاً من التشكل الجسدي والكينونة الداخلية للذات الأنثوية الفتاة.
إن الملاحظ أن الجسد الأسطوري الذي يتم التبئير عليه، يتماثل مع الطبيعة (فم الفتاة مليء بالسحر، تنطق النهر، حين ينبع من أسنانها تتوخى له المنحدر، الشمس، نسر..)، أو في نص (الرجل الغريب) كشف تعطل الإرادة وصورة المرأة والجسد الذي ظل مرتبطاً بالخطيئة الأولى وبالميثولوجيا التي تربط المرأة بالحية.
يمثل الضوء تلك المنطقة التي تبدأ مضيئة مفعمة بالأمل داخل المرأة، ولكنه ضوء يتلاشى إلى أن يختفي، كما اختفى ضوء الفتاة الصغيرة، وتحولت إلى عتمة بعد أن أبعدت عن حلمها ورغبتها المستلبة. فجوهرة في قصة (القمر العظيم) تكشف عن أفولها بعد أفول الجسد، كما لا حظنا من خلال تقنية التدوير التي تضعنا في لحظة أفول الجسد الأسطوري الذي ينتسب إلى الطبيعة باعتباره يستمد جماله من كونه (رضع ضوء القمر)، فالذات الأنثوية سرعان ما تتحول من ضوء بأبعاده الجمالية إلى عتمة لا تكاد تدرك وجودياً، وهذا ما نجده في نص (ترميم)، حينما مرت أمام المرآة بصورة خاطفة، لمحت بداخلها مشهداً يتهدم لينغلق الحكي على إيقاع ما بدأ به.
إن الذات الأنثوية تدرك الظواهر حولها فينوميولوجياً، ولذا، فهي محكومة بهاجس وقصدية التواصل، واختلافها كذات وكينونة تقاوم الانغلاق الذكوري كما عاينا من خلال: استدارت/حلقة/تغلقت/الثعبان؛ فهي علامات أنثروبولوجية، تحيل على رمزية الدائرة، بوصفه تمثيلاً للانغلاق، وسلطة لغوية، وسعي الذات الأنثوية للتمرد على هذا الانغلاق الموسوم بطابع الموت والشر، كما نستشف من خلال ثعبان، ورمزية الانغلاق في مقابل الضوء الذي تستمده من رمزية القمر وأسطوريته.
إن شعرية القصة في المجموعة ترتكز على الرمزية، والتعدد اللغوي الذي ينهل من لغة أجناس الشعر والميثولوجيا، والأسطورة والتخييل الأنثروبولوجي. وهو ما يجعلنا أمام نص منفتح متعدد المعاني، كما يكشف نزوع أميمة الخميس في تجاربها، نحو نحت لغة قصصية تكسر الأنماط الجاهزة وتستدعي النص المفتوح.