في الحافلة المتجهة إلى القرية البعيدة، كنت غارقاً في ذكرياتي. تنهشني أدق التفاصيل التي أستحضرها من جعبة الماضي الثقيلة. صوت فيروز يلّون الصباح بالأمل، والحافلة تتبع الطريق المتّعرج بين الجبال؛ ليهرب كل مسافر إلى غياهب ذكرياته، ويتوه في عوالمه الشاسعة.
كان ليل الخميس 13 شباط للعام 2014 يوماً قاسياً، وتاريخاً لن ينسى، فقد قصم ظهري وقلبي ودمّر أحلامي، فما تزال برودة ماء البحر كالمسامير تلسع جسدي، وصرخات المسافرين وبكاء الأطفال يضجّ في أذني، ويدمي بقايا روحي.
اجتاحتنا عاصفة عاتية، وأمواج عملاقة، أغرقت قاربنا المكتظ بالهاربين من الحرب والخراب، والحالمين بمستقبل أفضل. لا أذكر من ذاك الليل الطويل إلا الصراع المرير مع غضب البحر الهائج. وهنت قواي واجتاح جسدي المنهك كل أنواع الألم. لا أدري كيف أفلتت يدي، وغابت عن ناظري بين جبال الموج المتحركة.
في تلك الليلة انشطرت روحي، وتاهت في ظلمات البحر تبحث عنها. من نافذة الحافلة أعادني النهر الذي يحاذي الطريق وأشجار الجوز والصفصاف المعمرة، إلى لقائنا الأول، فقد كنت طالباً في كلية الحقوق أحمل كتابي وأستمتع بالقراءة بمحاذاة النهر.
في مساء أحد أيام أيلول كنت أتربع على صخرة بارزة في قلب الماء، منشغلاً بصنع قوارب ورقية صغيرة أصنعها لتطفو مع تيار النهر الجاري، وأتابعها بعيون طفل حالم. قطع سلسلة شرودي فتاة على الضفة الأخرى، تراقبني مع ابتسامة تزين خديها. عيناها الساحرتان الحالمتان تخفيان بريقاً دافئاً. لم تنتظر كثيراً حتى لوّحت لي بيديها أن أعبر النهر الضحل.. وفعلاً عبرت. كان ذلك هو العبور الأجمل في حياتي، من ضفة الضياع إلى ضفة الحلم المستحيل. كانت فرحتها تغرقني بشلال من السعادة، وهي تراقب حركة أصابعي السريعة في طي الورق. بعد أن علمتها أسرار طي الورقة، نجحتْ في صنع أول قارب لها، وكادت أن تطير من الفرح. في ذاك اليوم تحولت كل صفحات كتابي لقوارب ورقية، تطفو في عوالم سعيدة نتتبعها كالأطفال حتى تغيب، لتسافر أمنياتنا معها إلى البحر الكبير البعيد.
وصلتْ الحافلة إلى القرية، وبدأت عيناي تلتهم أشعة الضوء المنعكسة عن المعالم التي تغيرت بفعل سنوات الحرب، ركام وحطام يغمر الذكريات القديمة. فتحت باب منزلي المهجور، كان الغبار يخفي ألوان الحياة، وأعشاش العناكب تتقاسم الزوايا الصامتة. مسحت رماد الزمن المحترق عن صورتنا المعلقة على الحائط. واستمعت لنحيب قلبي المؤلم.
حين وصلنا شواطئ اليونان لم أجد اسمها بين قوائم الناجين ولا من بين الأموات. قررت أن أفني ما تبقى من سنوات عمري بحثاً عنها. وبعد خمس عشرة سنة من البحث المتواصل، وفي آخر خيط كنت أتابعه لناجية مجهولة الاسم والعنوان؛ وجدتها في بلد أوروبي، تعمل كمشرفة في مأوى للأطفال الأيتام.
كانت قد فقدت ذاكرتها تماماً، واختفى البريق المميز لعينيها، وكأن الماضي قد جرفته تلك الموجة في ذاك الليل الحالك.
حين قابلتها في حديقة المأوى، تأملتْ وجهي طويلاً، وكأنها تبحث في قسمات وجهي عن ماضٍ ضائع. عيناها المتسائلتان والمتلهفتان أبحرتا في كل تفاصيل وجهي المتعب، وحين همت بالكلام غار صوتها عميقاً في سراديب النسيان. جاهدتُ كي أحبس شلال الدمع المتدفق، ولكن القلب كان ينزف غزيراً وعميقاً. أدارت ظهرها وتابعت عملها مع الأطفال. قابلتُ مديرة المأوى، ورويتُ لها قصتنا الحزينة. أخبرتني مطولاً عنها وكيف تم إنقاذها، بعد أن وجدت في صباح اليوم التالي للحادثة ملقاة على الشاطئ فاقدة للوعي، ولم يجدوا معها ما يثبت هويتها. وبعد عدة أشهر من العلاج استعادت صحتها، ولكنها كانت قد فقدت ذاكرتها.
كانت غرفتها واسعة ومرتبة بشكل دقيق، بحثنا في خزانتها وبين كتبها ودفاترها ولكن عبثاً. لم نجد خيطاً واحداً يصلها بماضيها الذي هو مستقبلي. لفت انتباهي صندوق مزخرف تحت السرير، وحين سحبته وفتحته أصابتني رعشة كادت أن توقف قلبي. كان الصندوق يحوي المئات من القوارب الورقية الجميلة والملونة. قالت المديرة إنها بارعة في صنعها، وتقوم بتعليم الأطفال حتى أتقنوها. أخذت من منزلي بعض الوثائق والصور وغادرت. ستكون هي وجهتي الوحيدة والأخيرة.
بين الأشجار العتيقة وفي المكان الذي كنت أقرأ كتب القانون، كان كل شيء في مكانه، وصوت الماء الجاري يضبط ساعة الكون. على نفس الصخرة الناتئة والمحاطة بمياه النهر الضحلة جلست أتأمل طيفها. كانت هي على الضفة المقابلة تلهو بالماء، وتستمتع بقوارب ورقية تطفو وتحمل أحلامها البريئة إلى البحر الكبير الواسع.