ولدت الروائية السودانية ملكة الدار محمد في مدينة الأبيض غرب السودان عام 1920، وتوفيت في العاصمة المثلثة في أم درمان في نوفمبر عام 1969، مما يعني أنها توفيت وهي لم تكمل العقد السادس من عمرها، ورغم عمرها القصير إلا أنها تركت رصيداً طيباً من الأعمال الإبداعية تتوسّطها روايتها الرائدة (الفراغ العريض)، إلى جانب العشرات من القصص القصيرة. وقد فازت قصتها (حكيم القرية) في مسابقة أقامتها الإذاعة السودانية عام 1947، ونشرت القصة في مجلة القصة التي أسسها القاص عثمان علي نور، صاحب أول مجموعة قصصية هي (غادة القرية). وقد أشاد النقاد بقصة (حكيم القرية)، وقال عنها الناقد الفلسطيني إحسان عباس: «إنها تتميز بعناصر جيدة تكشف عن قدرة على الحبكة المفاجئة». وظلت ملكة الدار تنشر إبداعها القصصي في المجلة، مثل: قصة المجنونة التي نشرت في العدد الثالث من المجلة. وقد علّق على القصة الناقد والأكاديمي المصري عبدالمجيد عابدين قائلاً: «إن الكاتبة، وهي سيدة سودانية؛ قد استمدت صورها من البيئة التي خبرتها وعرفت عادات أهلها ودقائق حياتهم، سواء منهم من عاش في القرية أو المدينة، وقد وفقت الكاتبة إلى حد كبير في التصوير والتعبير جميعاً». وهكذا أكدت ملكة الدار رسوخ أقدامها مبدعةً في السرد القصصي، وهي بلا شك من أوائل كتاب القصة القصيرة في السودان، بل في العالم العربي، فقد سبقت ملكة الدار كاتبات القصة القصيرة العربيات في لبنان وتونس والكويت، والسبق هنا يبقى فقط للكاتبة المصرية التي ظهر إبداعها القصصي في عشرينات وثلاثينات القرن الماضي. فهي بلا شك من رواد الإبداع القصصي في السودان من الذكور والإناث على حد سواء، وكما هو معروف أن ظهور الإبداع القصصي في السودان تأخر كثيراً، ولم يتم إلا في الثلاثينات، حيث ظهرت بواكير هذا الإبداع القصصي في مجلتي النهضة والفجر، ولم يتبلور هذا الإبداع بشكل واضح ويزدهر إلا في الستينات بظهور مجلة القصة القصيرة التي خصصت صفحاتها للاهتمام بالقصة القصيرة إبداعاً ونقداً. لكن الريادة الكبرى لملكة الدار محمد هي إصدارها رواية (الفراغ العريض) التي فرغت منها في نهاية الخمسينات، وقدمتها للمطبعة للنشر؛ لكن لظروف كثيرة لم تطبع الرواية إلا عام 1972، أي بعد وفاة الكاتبة بثلاثة أعوام.
وعندما نشرت الرواية لم يكن عدد الروايات السودانية المنشورة يبلغ أكثر من عشرين نصاً. والرواية تحكي مأساة (منى) المعلمة التي تحمل الكثير من الطموح والأمل للمساهمة في تطوير بلدها بنشر العلم والمعرفة، لكن هذا الطموح يقمع بشراسة من الاستعمار الإنجليزي الذي كان يجثم على صدر البلاد، ومن المجتمع السوداني التقليدي الذكوري، ليفرض عليها أهلها الزواج من ابن عمها، وهو شخص ضعيف بلا مؤهل يدمن الخمر ولا يحترم مهنتها، وهكذا تفشل منى في زواجها، ولا تحقق أياً من الآمال العراض التي كانت تحملها لوطنها. وقد ذهب الكثير من النقاد إلى أن رواية (الفراغ العريض) هي سيرة ذاتية للكاتبة، وأن البطلة (منى) هي الكاتبة نفسها. ويعترف الشاعر الكبير النور عثمان أبكر في دراسة له عن الرواية السودانية بريادة ملكة الدار للرواية السودانية بنص (الفراغ العريض)، قائلاً: «إنه شرف للرواية السودانية أن يكون ضمن روادها امرأة». وفي جانب آخر نجد الروائي الكبير إبراهيم إسحق يذهب إلى الرأي نفسه، أي أن نص (الفراغ العريض) هو أقرب ما يكون للرواية التسجيلية لسيرة الكاتبة ملكة الدار. وأبكر وإبراهيم إسحق ينطلقان من تفسيرهما ذاك إلى التماثل القوي بين سيرة الكاتبة نفسها وبين سيرة البطلة (منى). وأياً كان التفسير لمحتوى النص؛ فالنص يبقى له الفضل في وضع كاتبته في المقدمة من الروائيين السودانيين.
ويبقى للكاتبة ملكة الدار كذلك حق الريادة في إبداع القصة القصيرة بين الرجال والنساء، ليس في السودان فحسب؛ بل في العالم العربي. فقد نشرت أول نص في مجلة القصة القصيرة في العدد الأول من المجلة، وهو نص (حكيم القرية)، وقدمت المجلة للنص قائلة إنه نموذج للقصة الناجحة، مع نبذة عن الكاتبة، ووصفتها بأنها من رائدات النهضة الأدبية النسوية، وهي أول أديبة سودانية تقوم بمحاولات ناجحة في فن القصة. وكذلك نشرت المجلة في عددها الثالث للكاتبة قصة (المجنونة)، وفي العدد السابع نشرت لها قصة (متى تعودين؟)، والقصة تروى على لسان الأم، وهي تخاطب ابنتها التي قتلت لغسل الشرف، فالقصة مجرد مونولوج داخلي لهذه الأم المكلومة.
نلاحظ أن الشخصية المحورية في قصص ملكة الدار غالباً ما تكون امرأة، وهذا الأمر واضح في أول عتبات النص، في العنوان: (المجنونة) و(متى تعودين؟). ولا بد لقارئ قصص ملكة الدار أن يلاحظ أن قضية الشرف التي عادة ما تتعلق بالنساء؛ هي القضية المحورية، ففي قصة (حكيم القرية) يتهم أهل القرية شاباً يعمل حكيماً بإغواء فتيات القرية، ويتربصون به لقتله، ولكن سرعان ما تكتشف براءة الحكيم، وكذلك الأمر في قصة (المجنونة)، إذ تهرب البطلة (مسعدة) من القرية بعد أن أجبرها أهلها على الزواج من شخص كهل سيئ الطبع، ولم تجد بداً من الهرب للمدينة، لكنها تقع في حبائل شاب أحبته فيغرر بها، وتصاب بالجنون. وفي قصة (متى تعودين؟) تقتل البطلة أو الشخصية المحورية بعد أن حملت سفاحاً. وكما هو واضح أن الجنون والموت هو مصير الأنثى التي يحكم عليها المجتمع بالإخلال بالشرف. والأمر لا يختلف كثيراً في النص الروائي الرائد والوحيد الذي كتبته ملكة الدار محمد وهو نص (الفراغ العريض) فالبطلة منى، تروح ضحية الواقع أو الثقافة الذكورية القاسية، كما ذكرنا.
وفكرة أن تكون الشخصية المحورية في النص أنثى، وتصوير الذكر بصورة سلبية؛ هو ثيمة رئيسة في نصوص ملكة الدار.
وتصوير الذكر بشكل سلبي ظل سمة متكررة في أغلب الكتابات التي تنجزها الكاتبة الأنثى، وليس ملكة الدار وحدها، وهذا ما حدا ببعض النقاد لتصوير هذه الكتابات بوصفها كتابات نسائية.