في مساء الخامس عشر من فبراير 2026، كنتُ أجلس على منصة جمعية أدبي الطائف، مديراً للحوار في محاضرة للدكتور حمدان الحارثي. القاعة ممتلئة، والأسئلة تتكاثر، والنقاش يسير في اتجاهات متباينة، بين مدافع عن حياض التراث ومبشر بقطيعة حداثية شاملة.
في لحظة بدت حاسمة، ألقى المحاضر مقولاته التي هزت ركود الحوار، ومنها: كون القصيدة العربية العمودية تحمل بذور فنائها في داخلها، وأن حضورها اليوم يشبه جثة هامدة استُخرجت من قبرها لتُعرض أمام الجمهور.
وأن المباشرة والشعاراتية والتطريب بالإضافة إلى قيود الوزن والقافية هي بذور الفناء للعمودية.
توقفتُ عند العبارة طويلاً، لا لأنني ضد النقد، ولا لأن العمود (وثن) مقدّس لا يُمس؛ ولكن لأن صورة (الجثة) كانت صادمة، وموغلة في (الحتمية البيولوجية) التي لا تستقيم مع كيمياء الفن. هل يُعقل أن كل هذا الصخب والجدل يدور حول جثة؟
أدونيس وفخ المركزية الشكلية
لا يمكننا فحص هذه المقولة دون العودة إلى جذورها التنظيرية، فقد كان لأدونيس الحضور الأبرز في الترويج لربط (الحداثة) بكسر (البنية العمودية)؛ فاعتبر أدونيس في طروحاته أن الوزن والقافية يمثلان عائقاً أمام تدفق الرؤية، رابطاً بين الشكل التقليدي والوعي الماضي السكوني.
لكن التجربة أثبتت أن الحداثة (رؤية) لا (قالب). لقد وقع الكثيرون في فخ هذا التنظير حين توهموا أن التحرر من التفعيلة هو بحد ذاته فعل تحديث، بينما الحقيقة أنك قد تكتب (سطراً حراً) بعقلية (قرطاسية) غارقة في الاجترار، وقد يكتب شاعر آخر (بيتاً موزوناً) برؤية سريالية أو وجودية تقلب وعي القارئ. الشكل إطار، والرؤية هي الجوهر.
عالمية الإيقاع.. قانون الوجود
وهنا نصل إلى (عالمية الإيقاع)، فالوزن ليس اختراعاً عربياً معزولاً، بل هو لغة الفن العالمية. لم يُتهم دانتي أليغييري بأن ملحمته (جثة) رغم صرامة قوافيها، ولم تُوصف سونيتات شكسبير بالتحجر رغم انضباطها الإيقاعي، والتراثان الهندي والفارسي قاما على هذا التناغم. العالم كله، شرقاً وغرباً، أدرك أن الإيقاع هو (المرجل) الذي تنضج فيه العاطفة الإنسانية.
إن الحياة والكون يميلان بطبعهما إلى الموسيقى والإيقاع. الإيقاع ليس تقليداً فحسب، بل هو (قانون وجودي) يحكم الذرة والمجرة. تعاقب الفصول إيقاع، وحركة الكواكب موسيقى صامتة، ومد البحر وجزره نبض متصل. حتى في أجسادنا، نبض القلب إيقاع، وتواتر الأنفاس إيقاع. نحن كائنات إيقاعية بامتياز، والشعر الموزون ليس إلا صدى لهذا التناغم الكوني. فكيف يصبح (الإيقاع) -وهو أصل الحياة وعالمية الفن- تهمةً بالتحجر حين يتعلق بالخليلية العربية؟!
الحضور الطاغي.. المنصات لا تكذب
إذا كانت القصيدة العمودية (جثة)، فكيف نُفسر هذا الحضور الاستثنائي لها على منصات التتويج والمحافل الكبرى؟ إن نظرة واحدة على المسابقات الشعرية المليونية، والأمسيات التي تكتظ بآلاف الشباب، والانتشار الكاسح للقصيدة العمودية في (المنصات الرقمية)؛ تؤكد أننا أمام كائن حي يمتلك (كاريزما) لا تُقاوم. لقد استطاع العمود الشعري أن يطوع التكنولوجيا لصالحه، فصار البيت الواحد العبارة الأكثر تداولاً، وصارت القافية المنضبطة هي المغناطيس الذي يجذب المتلقي المعاصر وسط ضجيج الفوضى اللغوية.
القلق الوجودي في القصيدة العمودية.. هل هو غائب فعلاً؟
إذا كانت العمودية عاجزة عن التعبير عن الأسئلة الوجودية، فكيف نفسّر حضورها العميق في شعر:
• أبي العلاء المعري
• المتنبي
• أبي تمام
• محمود درويش في بعض مراحله العمودية
• أمل دنقل في كثير من نصوصه الموزونة
المعري، وهو أكثر شعرائنا قلقاً وتشكيكاً، كتب عمودياً، قصائده في اللزوميات ليست خطاباً تطريبياً، بل محاكمات عقلية حادة للوجود والموت واليقين.
المتنبي، في ذروة فخريته، كان يسائل معنى القوة والقدر والإنسان أمام الزمن. عموديته لم تمنعه من أن يكون شاعر قلق وهوية.
الوزن لم يكن يوماً عائقاً أمام الفلسفة، بل أحياناً كان إطاراً يضبط انفلاتها.
المعاصرون.. شهادة من قلب النهر
الواقع الشعري اليوم يكذب فرضية الوفاة، اِقرأ للسعودي جاسم الصحيح، تجد لغة عمودية مشحونة بالأسئلة التي تليق بإنسان القرن الحادي والعشرين.
تأمل تجربة عارف الساعدي في العراق، أو الشاب عبداللطيف بن يوسف في السعودية، حيث يتنفس البيت ذو الشطرين برئة العصر، ويتحول البحر الخليلي إلى مساحة اعتراف مدهشة تثبت أن الالتزام بالوزن لا يعني السقوط في فخ التكرار، بل هو مغامرة جمالية تروّض لغة اليوم داخل أطر الموسيقى الخالدة.
هذه ليست جثثاً، بل تجارب حية تتنفس هواءنا، وتؤكد أن (الموسيقى) في الشعر هي الامتداد الطبيعي لموسيقى الوجود.
المشكلة في (العازف) لا في (الآلة)
القصيدة العمودية تموت فقط حين تُكتب بلا روح، حين تصبح مجرد (نظم) بارد يقلد الماضي. وهي في ذلك لا تختلف عن (قصيدة النثر) التي تموت للأسباب نفسها، حين تصبح مجرد رصف كلمات بلا دهشة.
ليس (البحر) هو الذي يميت القصيدة، بل الخوف من المغامرة داخله. الخلل ليس في (الآلة الموسيقية)، بل في (العازف) الذي لا يجيد استخراج ألحان زمانه منها.
في تلك الأمسية في (أدبي الطائف)، لم أشعر بأنني أمام إعلان وفاة، شعرت بأنني أمام (استعارة) مجهدة تحتاج هي نفسها إلى مراجعة.
ربما لا تحمل القصيدة العمودية بذور فنائها، بل تحمل بذور (تجددها الأبدي) المستمد من إيقاع الكون وزخم المنصات التي ترفض أن تواريها التراب.
والجثث -في العادة- لا تعود لتُجادلنا، أما الشعر العمودي، فلا يزال يملأ الدنيا ويشغل الناس، بانتظام نبضِ قلبٍ عالمي الإيقاع.