تعتمد قصيدة الهايكو على الإيجاز وتكثيف الدلالة مواكبة روح العصر الذي يقوم على سرعة الإيقاع تماشياً مع ذائقة التلقي. وهي شكل متطور من قصيدة (الرينغا) التي تُعد نوعاً شعرياً قديماً يتميّز بالطول، ويقوم على التأليف الجماعي، فيشارك في نظمها عدد من الشعراء في جلسة واحدة أشبه ما تكون بالمحاورة الشعرية. وتشير بدايات هذه القصيدة إلى أنها (قصيدة ذكوريّة النشأة)، حيث اعتمد تأليف (الرينغا) على عدد من الشعراء الذين كانوا يقرؤونها ضمن أجواء اجتماعية معيّنة. ويتألف الهايكو الياباني الكلاسيكي من بيت واحد يتوزّع في ثلاثة أسطر تشكل في مجموعها سبعة عشر مقطعاً لفظياً تمثّلها ثلاث جمل، تتألف من مقاطع (خمسة، سبعة، خمسة)، مع استحضار الطبيعة، أو انطباعات حولها. وتشمل الخصائص الفنية للهايكو: البعد الرمزي، والتكثيف، والدهشة، والمشهدية، حيث تُمثّل القصيدة مشهداً كلياً مكوناً من مشهدين جزئيين تفصل بينهما عبارة توضح كيفية أو سبب ارتباطهما.
وصل الهايكو إلى الأدب الغربي عن طريق الترجمة، ولكنها لم تحتفظ بشروطها الصارمة، إذ أثرت عليها الترجمة على نحو دراماتيكي أبعدها عن الأصل، فمع كل ترجمة إلى لغة أخرى تفقد أحد أهم ضوابطها، وهو الضابط الصوتي الذي يختلف من لغة لأخرى. ثم انتقلت إلى الأدب العربي عن طريق الوسيط الغربي، وقليل من ترجمها من لغتها الأم إلى العربية، وأُعيد بناؤها الفني وفقاً للمحضن العربي فخضعت للتغيير والمواءمة لتناسب بيئتها الجديدة، فأصبح الهايكو العربي لا يحمل من ملامحه اليابانية إلا بعضها.
وفي عصرنا الرقمي الذي تنفتح فيه الثقافات المختلفة على بعضها بلمح البصر، ويتم تبادل مكوّناتها من آداب، وفنون، وأطعمة، وغيره تعرّفت الذائقة العربية على طبق (السوشي) الياباني الذي دخل العالم العربي في عصرنا الحاضر. وفضلاً عن أن أصل ومنشأ الهايكو والسوشي من اليابان، فإن من المُلفت أن ثمة علاقة بينهما تتمثل في تشابه الخصائص الفنية التي تُبنى عليها قصيدة الهايكو وخصائص تكوين السوشي. حيث تظهر المشهديّة في كون السوشي كتلة كلية واحدة تتألف من ثلاث طبقات أو مقاطع: أولها الغلاف الخارجي الأخضر القاتم، وهي عبارة عن ورقة رقيقة جداً من الأعشاب البحرية المجففة، وثانيها الأرز الأبيض الذي يأتي في الوسط، وكأنه اللحظة الفاصلة، أو العبارة التي توضح كيفية ارتباط الجزأين ببعضهما أو سبب ذلك. وهما: (الغلاف الرقيق الخارجي والحشوة) فبدون طبقة الأرز هذه يصعب ربط الجزأين الآخرين. أما ثالثها فهي الحشوة التي تقع في العمق الداخلي، أو المركز، وتحتوي على خضروات ومأكولات بحرية. وفي مقابل هذه الطبقات الثلاث نجد أن قصيدة الهايكو تتألف بدورها من ثلاثة أسطر، أو مقاطع، أو طبقات.
وكما أن قصيدة الهايكو مكثفة ومختزلة، فإن حجم السوشي مكثف وصغير جداً ويؤكل في لقمة واحدة. وتعتمد الهايكو على الجمل الناقصة متماثلة بذلك مع الحياة التي لا تُظهر كل أسرارها ممّا يدفع المتلقي إلى التفكير والتأمل وصولاً إلى الحكمة الكامنة خلف هذا النص المُختزل على نحو يُشعره أن القصيدة لم تنتهِ بعد وأن ما تلقّاه لم يكن كافياً لإشباع ذائقته لحظتها، وأنه يتوقّع من النص المزيد. وفي المقابل فإن السوشي وجبة غير دسمة أو مشبعة، ويحتاج من يأكلها إلى المزيد ليصل إلى مرحلة الشبع. ويجمع عنصر الدهشة بينهما أيضاً، فدهشة المتلقي إزاء قصيدة الهايكو التي تخطف حسّه الجمالي بلمح البصر يُجرِّب دهشة مثلها، أو قريبة منها، من يأكل السوشي، أو يشاهد طريقة صنعه المدهشة. ويبقى قبول أو رفض الهايكو والسوشي كتجربة جديدة -تتوسّع حالياً على نحو لافت- منوطاً بذائقة المتلقي.