(في البدءِ كان الرجالُ والنساءُ والأطفالُ وجوهاً وأصواتاً.. كانت الأجسادُ غائبةً بالكامل.. كنتُ بالكاد ألمحُ حركةَ الساقينِ تحتَ التنانيرِ الطويلة.. بينما تظلُّ معي حتى في غفوتي الجفونُ المحفوفةُ بالأهداب.. والبشرةُ التي تكسو ذلك كُلّهُ بحريرٍ ناعم).
(أليس ريفاز - أبجدية الصباح)
أَفَلَ الفنُّ؟
سؤالٌ يتردد مع وهمِ يَباسِ المُخَيَّلَة:
(ما أرانا نقول إلّا مُعاراً.. أو مُعاداً من قولنا مكروراً)
يتبدّدُ فور ملامسة تجربة فنية. يتجاوزُ الفنُ الضجرَ، يضعُ يداً على كتفِ خيالك ويقودك إلى ذاك العمل.
أكتبُ كما انبثقت الأفكار، زوبعةٌ من الذكرياتِ عصيّةٌ على اللملمة. أُقدمها متماسكةً، على طريقة مونتيني: متصلةً ومنفصلةً.
في البدء، كانت الترجمة. وصفتْ المُترجِمة عملَها بأنه: (إنصاتٌ عميق للصوت في النص الأصلي). الفكرة هنا تتجاوز النقل، الإنصات محبةٌ تعمل في الخفاء، ثم يظهر أثرها في العربية وهي تتنفس بنَفَس سويسريّ.
تكتب ريفاز بحساسية بصرية. كل فصل «ماكيت»، محبوك من عروق الذاكرة. كأنها تصمّم نماذج ثلاثية الأبعاد. لو لم تكن روائية، لكانت مهندسة ديكور تُعيد ترتيب الأثاث لتروي سيرة ساكنيه. نصّها رجفةُ إدراك، حرّك جهازي العصبي، تبعه التنفسي، ثم تسلّل إلى الهضمي.
كانت قراءتي صباحية متأنية، تختلف عن عادات المساء. تُقدّمُ الأشياء على هيئة نموذجٍ قابل للمسّ، أبطأتْ إيقاعي، رتّبتْ داخلي، فتحت الأمس بوصفه شريطاً سينمائياً جرى ترميمه بدقة 4K.
أدبُ التذكّر استنطاقٌ للماضي قبل تحوّله إلى صورة ساكنة. قراءتها مثل (أيام طويلة يعتمل فيها الأمل مثل خميرة)، لا شيء يُستهلك، كل شيء ينتظر البعث.
حزني على رواية جميلة تمرّ من دون انتباه، هو حزنٌ يتجاوز كتاباً بعينه، يمتد إلى كتابة لم تولد بعد، وإلى نصٍّ أيقظ فيّ الرغبة فيما تقدر الكتابة أن تُحدثه.
أي مصير ينتظر كتابتي؟
الرواية لا تؤرخ للزمن، هي تقتفي أثره وهو يعبر التفاصيل. تلتقط ريفاز ما يسقط منا سهواً في العيش اليومي، تعيد ترتيبه. في نسيجها، تمر أسئلة صامتة عن المرأة، لا لتخلع أدوارها التقليدية، إنما لتتحسس ملامحها داخل الإطار بدلَ رفعها شعاراً خارج النص.
ظننتُ أني أقرأ سيرةً غريبة، فوجدتني أرتب فصولي. السويسرية التي تكتب عن ماضيها، مسّت -من حيث لا تدري- زمناً مستقبلياً لقارئ سعودي. زمنٌ عشتُه لاحقاً، ثم تراجع ليصبح ماضياً ينتظرني هناك منذ البدء.
في هذا العالم تُعاد صياغة الحياة اليومية، وتكبر طفولة الأحلام ثم تشيخ، كما يلوّح أحمد بخيت:
(وُلدتُ على سرير الحُبِ
شأنَ أَعزِّ من وُلدُوا
وأتقنُ لعبة الأشواقِ
أعرفُ كيف أَتّقِدُ
وأعرفُ ما يُحسُّ الناسُ
إن وُجدوا ولمْ يَجِدُوا)!
في زحام الأيديولوجيات، تنسحب الأعين عن التفاصيل الهامشية، تلك التي لا تدخل التاريخ الرسمي، رغم اكتنازها بحياة كاملة.
كيف لكاتبة من (الألب) أن تشبهني؟
ثم وجدت الإجابة في عبارة لسفيتلانا أليكسييفيتش، حين سُئلت إن كانت تطمح لكتابة روايات عظيمة مثل أسلافها تولستوي ودوستويفسكي، فقالت:
(أريد كتابة ما يشبهني، ويعبّر عني).
الأصالة إنسانية، والتفرد متعدٍ للحدود.
معيارُ افتتاني: التهام الكتاب في يوم، أو تذوّقه في شهر. وما بينهما فسحةُ الجيّد والتافه.
عتادي: قلمي، يشخبط على الهامش، يرسم نجمةً، يخطّ سهماً، كأنه يدوّن الأثر لحظة وقوعه.
الرواية البديعة تُعْدِي اكتِمَالَهَا: غلافاً، حجماً، وملمسَ ورق. كأن كلّ شيءٍ فيها تهيّأ ليُكمل ما بدأه النص.
ثمة لحظة وأنا أقرأ فصل (الجدة)، سقطَ شعاع من الضوء على الصفحة، كأنه يشاركني القراءة، ويوقظ ذكرى جدتي سارة -يرحمها الله-. لم تكن لحظة حزن، كانت دفقة دفءٍ شخصي، فتحتْ نافذة لا مرئية لا يعرفها سواي.
تمنيت ختم الرواية في (كلاريس)، المكان الذي خلّدته ريفاز كما خلّد حمزاتوف داغستان. ثمة أمكنة لا نبلغها بخطّ سير، تُنال بخط تحتَ جملة، أو إيقاع لغويٍّ تكرّر حتى يتشكّل في الذاكرة بوصفه مرئياً.
تدين ذائقتي لميلادي في الطبقة المتوسطة، بجمالياتها المتصلة بتشوهاتها. نشأة وهبتني القدرة على تلمس هذا النوع من الأدب. لم أجد كلمة تتسع لهذا الأثر سوى: فاتنة!
صار القاموس فضاء يحرّر الكلمة من طبقات الاستعمال، كأنني أزيح عنها غبار التكرار لأسمعها بلسان العرب الأوائل، في زمن تتداول فيه الكلمة شفاهاً، وتستقرّ في الصدور.
وهكذا بدا القاموس طريقاً إلى أرشيف وجداني ظلّت الرواية تشير إليه.