مجلة شهرية - العدد (596)  | مايو 2026 م- ذو القعدة 1447 هـ

الشاعر أحمد الصافي النجفي وقصائده الأخيرة

لا شك أن الشاعر أحمد الصافي النجفي شخصية شمولية تصعب الإحاطة بها من كل جوانبها، وسبر أغوارها التي تشبه الخلجان العميقة، وقلة هم الذين يتذوقون شعره الذي يقوم على المعنى أكثر مما يقوم على المبنى.
لقد عاش الصافي النجفي غريباً بيننا، ولم يشعر بوجوده في البدايات سوى مجموعة قليلة من الناس، وفي عام 1930م جاء إلى دمشق بثياب صحراوية، وكوفية بدوية، وعرفه رواد مقاهي دمشق، ومطاعمها الرخيصة، ونزلاء الفنادق البائسة شخصاً غريب الأطوار جاء إليهم بشعر جاهلي، وبلباس عربي، وبأفكار فلسفية تتناقض مع الأعراف المألوفة، والقوانين السائدة في المجتمع. كما تطرق في شعره إلى موضوعات تخالف المدرسةالشعرية السائدة في بلاد الشام، وهذه المخالفة الصريحة الجريئة جعلت الكثيرين من الناس يسخرون من شعره، ويتهمونه بالسخافة والركاكة والابتذال.
هذا ما عبر عنه الأستاذ هاني الخيّر الذي جمع وقدّم لهذه القصائد التي نشرت أول مرة في مجلة العرفان اللبنانية لصاحبها الأستاذ المرحوم نزار الزين ليضيف ثروة جديدة إلى مانشر عن هذا الشاعر، فقد كان آخر ما أنشده من شعره مقطوعة قال إنه نظمها يوم 10 / 8 / 1975م، وفيها ينادي بإطلاق عقل الإنسان من القيود التي أحيطت به، ويتهم أهله بأنهم يريدون سجنه كما قال:
يضيقُ الكونُ عن فكري اتساعا
وأهلي همّهم أن يسجنوني
وعقلي لا تقيّدهُ حدودٌ
إذا هو لم يصلْ حدَّ اليقينِ
لإطلاقِ العقولِ وقفتُ جهدي
فليسَ كسجنها كلُّ السجونِ
ومما قاله الصافي النجفي: سمعت من محطة لندن ليلاً منذ سنتين أثناء معركة النفط قول الملك فيصل رحمه الله: (سنخفض سعر النفط لخير العالم)، فاهتزت نفسي لهذا الشعور العالي الذي يصدر عن أكبر شخصية عربية مما يرفع رأس العرب أمام العالم، ويريهم أن العرب كانوا، ولا يزالون يحملون رسالة الخير للعالم، وهم كما قال عنهم غوستاف لوبون: (ما عرف التاريخ فاتحاً أرحم من العرب).
نعم اهتز شعوري لكلمة الملك فيصل رحمة الله عليه، فجاءتني الأبيات الآتية في تلك الليلة، ولم أنشرها في حينها، وها أنا أهديها الآن بواسطة مجلة العرفان الزاهرة تحية إلى روح الملك فيصل العظيمة الخالدة العالمية:
أهلاً بفيصل هذي
مكارمٌ يعربيّة
لو عاد حاتمُ ألقى
إليكٌ ألفَ تحيّة
وقال مهما أقمنا
ولائمَ عربيّة
فقد سبقتَ، فهذي
ضيافةٌ عالميّة
صفاتنا الجاهليّة
والسيرةٍُ النبويّة
فدينُ أحمدَ نورٌ
يعمُّ كلَّ البرية
ومن قصائده الأخيرة التي تضمنتها هذه المجموعة قصيدة خذلان ديغول، ومعجز أحمد، والكلمة الخالدة، ومعجزة العلم، والحسد، والتخدير، وكلام الطبيعة، وحياة التشرُّد، وبين جمالين، والشعر والشاعر، وهمتي، وحساب مع المتنبي، والعلاقات العليا، والصراحة، والذوق المحنَّط، والموضة، وعدد كبير من المقطوعات الشعرية التي قال في واحدة منها:
قد آمن العرب بالقرآن عن أدبٍ
حتَّى انبروا ينشرون الدين فرسانا
من لم يذقْ أدب القرآن معجزةً
أضحى يواجهُ في الإيمان نقصانا
فالدينُ ليس بتقليدٍ نلقنهُ
بل اقتناع يقيمُ العقلَ برهانا
وقال في نهجه للهداية من خلال الشعر الذي يتابع فيه رسالة أجداده التي سيسلمها أمانة لمن بعده كما في قوله:
دعني أؤدِي كأجدادي رسالتهم
وليأتِ من بعدها ما سوف يأتيني
نهجتُ منهجهم في الهدى مُتخذاً
وسيلة الهدي شعراً جاء كالدينِ
جمعتُ في منهجي ديناً إلى أدبٍ
وكان في ذلك القرآن يهديني
هذه رحلة قصيرة في قصائد الشاعر أحمد الصافي النجفي الأخيرة التي لم يضمها ديوان، وتظهر فلسفته الوجودية في الحياة والموت حين قال:
أسيرُ بجسمٍ مُشبهاً جسمَ ميِّتٍ
كأني إذا أمشي بهِ حاملاً نعشي

ذو صلة