مجلة شهرية - العدد (596)  | مايو 2026 م- ذو القعدة 1447 هـ

نشأة المعجم التاريخي العربي

تأخر العرب في وضع المعجم اللغوي، إذ سبقهم إليه الآشوريون، والصينيون، واليونانيون، والرومانيون.
ولم يعرف العرب التأليف المعجمي قبل العصر العباسي، لعدة أسباب، منها: انتشار الأمية بينهم، وطبيعة حياتهم الاجتماعية القائمة على الغزو والانتقال من مكان إلى آخر سعياً إلى الماء والكلأ، وإتقانهم للغتهم، فلا حاجة لهم لمعجم يفسِّر ما يعرفونه ويتقنونه. وبعد انتشار الإسلام بين الأمم، واختلاط العرب بالأعاجم، شعر الجميع بالحاجة إلى تفسير ما يستغلق عليهم لفهم ألفاظ القرآن الكريم وتراكيبه. فنهض الخليل بن أحمد الفراهيدي (ت 170هـ/786م)، ووضع (كتاب العين)، وهو أوّل معجم لغوي للألفاظ يصل إلينا.
وتتالت المعاجم اللغوية العربية بعده تحذو حَذْوَه أو تختلف عنه منهجاً وحجماً وغايةً، فقد وضع ابن دريد (ت 321هـ/933م)، معجمه (جمهرة اللغة)، والقالي (ت 356هـ/967م) معجمه (البارع)، والأزهري (ت 370هـ/980م) معجمه (تهذيب اللغة)، والصاحب بن عبّاد (ت 385هـ/995م) معجمه (المحيط في اللغة)، والجوهريّ (ت 393هـ/1003م) معجمه (الصّحاح)، وابن فارس (ت 395هـ/1004م) معجميه: (المجمل) و(مقاييس اللغة)، وابن سيده (ت 458هـ/1066م) معجمه (المحكم والمحيط الأعظم)، وابن منظور (ت 711هـ/1311م) معجمه (لسان العرب)، والفيروزآبادي (ت 817هـ/1415م) معجمه (القاموس المحيط)، والزبيدي (ت 1205هـ/1791م) معجمه (تاج العروس).. إلخ.
وهكذا تراكمت المعاجم اللغوية العربية إلى أن بلغت العشرات. وظهر إلى جانبها ما يعرف بمعاجم المعاني، ومنها (المخصّص) لابن سيده (ت 458هـ/1066م)، وهو أشهرها، و(فقه اللغة وسرّ العربيّة) للثعالبيّ (ت 429هـ/1038م)، وغيرهما.
أما المعجم التاريخي، وهو معجم لغوي لا يكتفي بإيراد معاني اللفظة، بل يؤرِّخ لظهور كلّ معنى من هذه المعاني لأول مرة في اللغة شعراً أو نثراً، فإن العرب تأخروا أيضاً في وضعه. فقد سبقهم إليه الألمان، والإنجليز، والفرنسيون، وغيرهم. ولعل من أسباب هذا التأخر خضوع معظم الدول العربية للاحتلال التركي، ثم للانتداب الإنجليزي أو الفرنسي، وعدم تقدير العرب لأهمية هذا النوع من المعاجم، فلم يرصدوا المال الكافي لإصداره.
وأول من فكّر في وضع معجم تاريخي للغة العربية هو المستشرق الألماني أوجست فيشر August Fischer (1865-1949) الذي بدأ عمله بهذا المعجم في أوائل القرن العشرين.
وتبنى مجمع اللغة العربية في القاهرة معجم فيشر سنة 1936م، بدعم من الحكومة المصرية، فأكمل فيشر العمل فيه ثلاث سنوات، ثم سافر إلى ألمانيا، وأقعده المرض حتى سنة وفاته، فنشر المجمع سنة 1950م جزءاً من عمله، تضمّن المقدمة ونموذجاً من حرف الهمزة إلى مادة (أبد)، بعنوان (معجم فيشر: مقدمة ونموذج منه)، ثم أعاد نشره سنة 1967م بعنوان (المعجم اللغويّ التاريخيّ).
وفي السنة 1963م، أصدر الشيخ عبدالله العلايلي (1914 - 1996م) الجزء الأول من معجمه (المرجع) من (أ) إلى (جَخْدَل)، عمد فيه إلى إرجاع كل دلالة من دلالات اللفظ المولَّد إلى حقبة تاريخية، مقسِّماً العصر العباسي إلى ستّ حِقَب، وهي:
- عباسي أول، أي: الحقبة الواقعة ما بين (749 - 846م / 132-231هـ)، وهو عصر النفوذ الفارسي.
- عباسي ثانٍ، أي: الحقبة الواقعة ما بين (847 - 945م / 232 - 334هـ)، وهو عصر النفوذ التركي.
- عباسي ثالث، أي: الحقبة الواقعة ما بين (945-1055م/ 335-447هـ)، وهو عصر النفوذ البويهيّ.
- عباسي رابع، أي: الحقبة الواقعة ما بين (1055-1194م/ 447-590هـ)، وهو عصر النفوذ السلجوقيّ.
- عباسي خامس، أي: الحقبة الواقعة ما بين (1240-1516م/ 638-922هـ)، وهو عصر النفوذ المغوليّ.
- عباسي سادس، أي: الحقبة الواقعة ما بين (1240-1516م/ 638-933هـ)، وهو عصر نفوذ المماليك.
وفرَّق بين المولَّد القديم الذي يرجع إلى ما قبل القرن السابع عشر الميلادي، والمولَّد الحديث الذي يبدأ بعد النهضة الأوروبية الحديثة. كما فرَّق بين الدخيل بتعريب قديم، وهو الذي يرجع إلى ما قبل القرن السابع عشر الميلادي، وبين الدخيل بتعريب حديث، وهو الذي يبدأ من القرن السابع عشر الميلادي حتى عصره.
ويختلف هذا المعجم عن المعجم التاريخي بأمور كثيرة، منها أنه:
-1 لم يذكر الشواهد على المعاني بتواريخها، وهذا أهم الأمور في المعجم التاريخي.
-2 صغير الحجم، وعهدنا بالمعاجم التاريخية أن تصدر بعشرات المجلدات. ولا شك أن العلايلي فاتَه الكثير من الجذور، والمشتقات، والمعاني، لأن استقصاء هذه يتطلّب برنامجاً حاسوبياً دقيقاً، وعشرات الباحثين فيه.
-3 خلله المنهجيّ، إذ رتَّب موادّ معجمه ترتيباً نطقياً بالنسبة إلى الأسماء، وترتيباً جذرياً بالنسبة إلى الأفعال، وكذلك في تقسيم المولَّد والدخيل، إذ لم يذكر الحقبة الزمنية لهما قبل القرن السابع عشر الميلادي.
وفي السنة 1960م، أصدر مجمع اللغة العربية بالقاهرة معجمه (المعجم الوسيط)، وأشار فيه إلى المولَّد، والمعرَّب، والدخيل، والمعجميّ، والمحدَث. وفي هذا التقسيم بعض التشويش والاضطراب، فالمحدَث مولَّد حديث، والمولَّد محدَث قديم، والمجمعي مولَّد مجمعي، أو محدَث مجمعيّ، والمعرّب والدخيل لا حدود لهما.
وفي السنة 2016م، أصدر مجمع اللغة العربية بالقاهرة الجزء الأول من معجمه (معجم لغة الشعر العربي) (حرف الهمزة)، ووصفه، كما جاء تحت عنوانه، بأنّه (أول معجم شعري يرتّب شواهده بحسب الجذور، ويحصي ألفاظها، ويتتبّع دلالاتها عبر العصور التاريخيّة المختلفة). وقد تولى تأليف المعجم ثلاثة عشر عالماً، قسموا العصور فيه إلى عشرة:
1 - العصر الجاهلي.
2 - عصر المخضرمين.
3 - عصر صدر الإسلام.
4 - العصر الأموي.
5 - العصر العباسي.
6 - العصر الفاطمي.
7 - العصر الأيّوبي.
8 - العصر المملوكي.
9 - العصر العثماني.
10 - العصر الحديث.
ويبدو أن المجمع توقف عن إصدار بقية الأجزاء. والأفضل أن يتوقف لسببين:
أولهما: أن التفريق بين لغة الشعر ولغة النثر فيه تعسُّف شديد.
ثانيهما: أن الجزء الأول الصادر منه يعاني نقصاً شديداً في الجذور، والمشتقات، والمعاني.
وقيض الله للغتنا رجلاً حكيماً محباً للغته هو الشيخ سلطان بن محمد القاسمي، حاكم الشارقة، الذي بادر إلى توفير مقر لمشروع المعجم التاريخي، ورصد مالاً وفيراً لإنجازه، وأنشأ بمرسوم أميري سنة 2016م مجمعاً لغوياً في الشارقة باسم (مجمع اللغة العربية بالشارقة).
وبدأت أجزاء المعجم بالصدور، ابتداءً من السنة 2020م، واحتُفِل بإصداره كاملاً في مئة وسبعة وعشرين مجلَّداً، في شهر تشرين الأول (أكتوبر) من السنة 2024م.
قُسِّم هذا المعجم أبواباً على حروف الهجاء، وبالترتيب الألفبائيّ، ورُتِّبت موادّه بحسب جذورها، كمعظم المعاجم اللغويّة العربيّة، ورُتِّبت الجذور ترتيباً ألفبائياً. وعولج الجذر بالبحث عنه أولاً في النقوش العربية القديمة، ثم في النظائر السامية، ثم بإثبات معانيه الكلية، وكل ذلك إن وجد.
ورُتّبت مشتقّات الجذر الواحد كما هو الشائع في المعاجم اللغوية العربية الصادرة في عصر النهضة: الأفعال أولاً، ثم الأسماء. وجاء الفعل الثلاثي المجرد أولاً، فالمزيد بحرف، فالمزيد بحرفين، فبثلاثة. وكذلك رُتّب الفعل الرباعي، أما الأسماء فرُتِّبت ترتيباً نطقياً.
ونصّ المعجم على المشتقّات غير القياسية، وعلى القياسي إن غلبت عليه الاسمية، أو تضمَّن معنى زائداً على معاني فعله.
ولم يكتفِ بإثبات الشاهد الشعري الأول زمنياً لكل معنى، بل تتبع هذا المعنى بالشواهد في العصور التالية لعصر الشاهد الأول، أي: إنه لم يكتفِ بإعطاء شهادة ميلاد للمعنى، بل أعطاه أيضاً شهادة حياة، وشهادة وفاة، إن لم يعثر على شاهد عليه في عصر من العصور. وهذا فتح مبين في عالم المعاجم التاريخية العالمية.
والعصور عنده خمسة، وهي:
1 - عصر ما قبل الإسلام (... - 1 ق.هـ)، وكان من الأفضل تسميته العصر الجاهلي.
2 - العصر الإسلامي (1 - 132هـ).
3 - العصر العباسي (133 - 656هـ).
4 - عصر الدول والإمارات (657 - 1213هـ).
5 - العصر الحديث (1214 - 1441هـ).
وهذا المعجم أضخم المعاجم التاريخية العالمية على الإطلاق. وقد أُنجز بمدة قياسية، وبمنهج يتتبَّع المعنى الواحد منذ نشأته حتى العصر الحديث، وهذا المنهج لم يعرفه أي معجم تاريخي في العالم.
وفي المقلب الآخر من الخليج، وتحديداً في دولة قطر، أنشأ أميرها المعروف بكرمه وتقواه وحبه للغته، تميم بن حمد آل ثاني، سنة 2013م (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات)، وكلّفه بإصدار معجم تاريخي للغة العربية. واحتفل القطريون وضيوفهم في عيد اللغة العربية في 18 كانون الأول (ديسمبر) سنة 2025م، بإصدار نسخته الإلكترونية، باسم (معجم الدوحة التاريخي للغة العربية).
قُسِّم هذا المعجم أبواباً على حروف الهجاء بالترتيب الألفبائي، ورُتِّبت الجذور ترتيباً ألفبائياً أيضاً، واستعان مؤلفوه في الشرح بالنقوش العربية القديمة، وباللغات الساميّة، لكنه لم يرتِّب مشتقّات الجذر كسائر المعاجم اللغوية العربية: الأفعال أولاً فالأسماء، بل رتَّبها بحسب ظهورها تاريخياً، سواءً أكان الاسم مشتقاً أم جامداً.
هذه هي رحلة المعجم التاريخي العربية حتى اليوم. وكم نحن بحاجة إلى لجنة مختصة بالصناعة المعجمية، تصحح المعجمين، مستفيدة من ميزات كلٍّ منهما، وتخلّصهما مما وقع فيهما من أخطاء، ونقص، وهنات، وصَوى.

ذو صلة