في زمن تتعرض فيه العربية لهزّات وتحدّيات لا حصر لها، يأتي المعجم التاريخي ليكون السجلّ الأكبر الذي يوثق حياة الكلمة العربية من أول ظهور لها عبر النصوص القديمة إلى تطورها الدلالي والمعرفي، ليعيد للغتنا مكانتها وشموخها. في أكتوبر من العام 2024م استقبلت الأمة العربية المعجم التاريخي للغة العربية (الشارقة- الاتحاد) في 127 مجلداً، اشتملت على 11.996 جذراً لغوياً وأكثر من 73.000 مدخل و409.620 شاهداً استُقيت من مدونة نصية قوامها 16.103.366 كلمة. وفي ديسمبر من العام 2025م استقبلت معجماً تاريخياً آخر، هو (معجم الدّوحة التاريخي للغة العربية) في صورته الكاملة عبر الشابكة في أكثر من 10.000 جذر وأكثر من 300.000 مدخل من مدونة نصية بلغت أكثر من مليار كلمة، جاوزت مصادرها 10.000 مصدر. بهذه المؤشرات الكمية المرتبطة بمؤشرات أخرى كيفية؛ يبرهن هذان المعجمان التاريخيان على غنى العربية وحيويتها واتساع ما لها من باع في التعبير عن الأشياء والعالم. معجمان تاريخيان اثنان حفل بهما الربع الأول من القرن الواحد والعشرين، فتحوَّل الحلم الذي شهد به مرسوم ملكي بإنشاء مجمع اللغة العربية بالقاهرة في العام 1932م، والذي كان من أهدافه وضع معجم تاريخي للغة العربية إلى حقيقة. معجمان تاريخيان اثنان يمثلان نقلة نوعية من المعجمات التفسيرية إلى المعجمات التوثيقية التي تعدّ سجلاً حضارياً ووثيقة مدقَّقة لتطور العربية عبر الزمن.
أما هذه السطور، فليست نقداً لأحدهما أو كليهما، وليست موازنة موسَّعة بينهما، ولكنها إشارة إلى أمور ثلاثة: أولها: النظر إلى العلاقة بين هذين المعجمين -وقد صدرا في وقتين متقاربين- على أنها علاقة تكاملية. والثاني: ربط صدور هذين المعجمين كليهما بضرورة ما يمكن تسميته بـ(خدمة ما بعد الإصدار): أعني الأخذ في الاعتبار وضع خطة عملية ناجحة للتحديث. والأمر الأخير: التنبيه إلى أنّ ما سُجِّل في هذين المعجمين عن العصر الحديث يظل بحاجة ماسَّة إلى تعزيز محتواه وتحديثه بما يمكن أن تقدمه لغة الإعلام المكتوب بما لها من سبق إلى استقبال ما تموج به الحياة المعاصرة من ألفاظ وتراكيب وتعابير اصطلاحية جديدة لا يكتمل التأريخ اللغوي للعصر الحديث في هذين المعجمين إلا بها شئنا أم أبينا.
أما الأمر الأول، وهو الإشارة إلى (العلاقة التكاملية) بين هذين المعجمين، فهذا ما يبرهن عليه النظر في محتوى المعجمين كما برهنت عليه المعجمات العربية القديمة والحديثة من قبل، إذ نرى كل معجم لاحق يدخل في (علاقة تكاملية) مع المعجمات التي سبقته: في هذا المعجم من الاستعمالات والمباني والمعاني ما ليس في ذاك، وذلك أن تلك المعجمات ليست بالطبع نتاجاً معزولاً، بل هي سلسلة تراكمية، حيث يفيد كل معجم لاحق من سابقه ويُضيف إليه، مما يؤدي إلى ثراء المحتوى والانفتاح على مزيد من السياقات والدلالات. لقد أبدى بعض الباحثين عدم رضاهم عن تشتت الجهود، والتنافس بين طرفين معروفين لإصدار هذا المعجم، وطالبوا بالتنسيق بين الجهود. ولكن ربّ أمر تتَّقيه جرّ أمراً ترتضيه. صدر المعجمان، فاشتركا فيما لا يحصى من المداخل والمعاني، وظل أحدهما -على رغم هذا- مكمّلاً للآخر في مداخله ومعانيه. وربما اشتركا في تحديد المعنى، ولكن أحدهما كان أدقَّ وأتمَّ في تحديده من الآخر. أضرب أمثلة على ذلك:
-1 في الجذر (أ ن س): أورد (معجم الشارقة- الاتحاد) ما لم يورده (معجم الدوحة) في الجذر ذاته، مثل: آنسَ الشيءَ بالنار: أحرقه، والأُنس (عند الصوفية): حال من أحوالهم، تتميز بالسرور واللذة. والمستأنِس: الأسد. من ناحية أخرى؛ أورد (معجم الدوحة) لفظ (الأَنْسَنَة) بمعنى: إضفاء صفات الإنسان على غيره من الكائنات، وبمعنى: الاتّصاف بالصفات المميزة للإنسان، وبمعنى: المسار التطوري الذي تغيّرت بموجبه تدريجياً الثَّديّات العليا إلى كائنات بشرية قبل الملايين من السنين. وفي استعمال مثل: أَنْسَنَة الطبّ ونحوه، بمعنى: جعله متمركزاً على الإنسان ومتّصفاً بالإنسانية، والأنسنة بمعنى: الطمأنة وإزالة الوحشة.
2 - وفي الجذر (ذ ر ع): أورد (معجم الشارقة- الاتحاد) لفظ (الذراع) بمعنى: القوة. والمسكوكة: سدّ الذرائع. ولم يوردهما (معجم الدوحة) الذي أورد بدوره لفظ (الذرائعيّة) الذي غاب عن (معجم الشارقة- الاتحاد). وقد اشتركا في أن غابت عنهما مسكوكات أخرى رائجة في العربية المعاصرة، لا سيما في لغة الصحافة والإعلام بعامة، نحو: الذراع الإعلامية، والذراع العسكرية، والذراع السياسية؛ وهي مسكوكات تعنى فيها كلمة (الذراع): الأداة التنفيذية، أو الهيئة التابعة، أو الجناح المتخصص الذي تستخدمه مؤسسة ما، أو دولة، أو جماعة لتحقيق أهداف محددة. وهي من المسكوكات التي خلت منها معجمات مجمع اللغة العربية بالقاهرة الثلاثة: الوجيز والوسيط والكبير.
3 - وفي الجذر (ر ج ل): أورد (معجم الشارقة- الاتحاد) للفظ (الرَّجُل) أربعة معانٍ، هي: الذكر البالغ من بني آدم، والكثير المجامعة، والكامل، ورجل سَوْء (عند المحدثين): وصف للراوي الكذّاب الوضّاع أو من يشتم الصحابة، فلا تقبل روايته ولا يعتدّ بها. أما اللفظ نفسه، فقد اكتفى (معجم الدوحة) له بمعنيين اثنين: الشديد التامّ الرجولية، وهي الاتصاف بخصال الرجل وطباعه، والمعنى الآخر: الماشي على رجليه. كان (معجم الشارقة- الاتحاد) أثرى في (الرَّجُل) من (معجم الدوحة)، وكان (معجم الدوحة) في (الرِّجْل) أثرى من (معجم الشارقة- الاتحاد)! واشترك المعجمان في أن كليهما لم يورد استعمالات رائجة في العربية المعاصرة، لا سيما لغة الصحف، مثل: رجل الساعة، ورجل المرحلة، ورجل المباراة.. وغيرها.
4 - وفي الجذر (رأس): قال (معجم الشارقة- الاتحاد): أم الرأس: الدماغ، ولكن (معجم الدوحة) قال: جلدة الدماغ التي تحتويه. وفي (معجم الشارقة- الاتحاد) عُرِّف (رأس المال) بأنه: أصله، ولكن (معجم الدوحة) عرَّفه بأنه: أصله الذي بُدئ به في التجارة قبل حصول الربح أو الخسارة، ومن ثم بدا تعريف (معجم الدوحة) أوفى وأوضح. وكذلك عرّف (معجم الشارقة- الاتحاد) الامرأة والمرأة بأنها: أنثى الإنسان، ولكن (معجم الدوحة) زاد على هذا التعريف، فقال: المرأة: أنثى الإنسان البالغة.
يمكن -في سياق آخر- أن نأتي بمئات الأمثلة -بل بآلاف منها- لتوكيد حقيقة أن أحد هذين المعجمين التاريخيين العملاقين يكمل الآخر، وليس لأحد منهما أن يصفه واصف بأنه جامع مانع. ولهذا الأمر بالطبع أسبابه التي يأتي على رأسها ما يتّصل بمحتوى كل مدوّنة من مدوَّنتي هذين المعجمين، أو ما يتصل بالفروق الفردية بين محرري المعجمين من حيث كيفية التعامل مع ذلك المحتوى.
والخلاصة أن هذين المعجمين قد أتاحا للقراء والباحثين ما لم يكن ليتيحه أحدهما، وأن الصورة عن أي جذر لغوي بمداخله الرئيسة أو الفرعية لا تكتمل حقاً إلا بما أتاحه لنا هذان المعجمان معاً.
أما الأمر الثاني، وهو ضرورة التحديث، فلا أخاطب به القائمين على المعجمين، وذلك أنه قد بات معلوماً عن طبيعة اللغة أنها لا تقف في مبانيها ومعانيها وسياقات استعمالها عند حدّ، وأن اللغة -أي لغة- هي دائماً أكبر من جميع معجماتها حتى لو كانت تاريخية. لكنني أدلف من ذلك إلى الأمر الثالث والأخير في هذه الكلمة بين هذين المعجمين التاريخيين العملاقين؛ وهي الإشارة إلى الحاجة الماسّة إلى تزويد المداخل المسجَّلة في هذين المعجمين عن العربية في العصر الحديث بما يمكن أن تقدمه لغة الإعلام المكتوب. لقد أحسن هذان المعجمان صنعاً عندما جعلا المصادر الأساسية للمدونة هي مصادر الاستعمال اللغوي في تجلياته المختلفة، وعندما جعلا من مصادر الاستعمال اللغوي الصحف العربية التي تمثل الإعلام المكتوب خير تمثيل. وعلى رغم ما أعرفه عن امتلاء مدونة كل معجم من هذين المعجمين بالشواهد النصّية الممثلة لكل عصر؛ فإنني أحسب أن شواهد لغة الإعلام المكتوب لم تنل حقَّها الذي هي أهل به. لا أعرف على وجه الدقة والتفصيل ما اعتُمد لهذه المهمة من الصحف وما لم يُعتَمد، ولا المعايير التي كان عليها الحكم في الحالين؛ لكن المرء يلحظ من مقارنته بين ما سجّله المعجمان في العصر الحديث عن لغة الصحف وبين ما قدمته لغة الصحف وتقدمه إلى العربية الفصحى في العصر الحديث من معطيات لغوية تتنوع بين مبانٍ ومعانٍ وسياقات استعمال وتراكيب وتعابير سياقية واصطلاحية بالآلاف، يلحظ ضآلة حضور لغة الصحف إلى حد كبير. لا يخفى على أحد ما تعانيه بعض الصحف من ركاكة بعد إطلاق يد الصحف الخاصة والحزبية والمستقلة في الحياة الإعلامية في العقود الثلاثة الأخيرة. ولا يغيب عن أحد أن مركزية الأدب الذي تتخذ لغته مثالاً في الثقافة العربية سوف تدفع غير قليل من أبناء العربية اليوم -بحجة الغيرة على لغتهم- إلى اتخاذ موقف سلبي من لغة الصحف ومن لغة الإعلام المنطوق والمكتوب بعامة.
لا يعنى المعجم بعامة بالخطاب الجميل قدر عنايته بالخطاب السليم تركيبياً الفصيح في نسيجه اللغوي: ألفاظاً وعبارات. ومعلوم أن لغة الصحف لغة وظيفية في المقام الأول، وما قد تتسم به في بعض نصوصها -لا سيما مقالات الرأي- من الجماليات الأدبية والبلاغية أمر ثانوي. وعلى رغم ذلك، ظلت الصحف العربية لسان العصر وديوانه. بالطبع لا تبلغ الصحف العربية مبلغ صحف دولية معروفة مثل (التايمز) البريطانية التي تصدَّرت شواهد معجم أوكسفورد التاريخي للغة الإنجليزية، ولكن هذا لا يعني المبالغة في الأخذ منها بقدر، أو أن نضرب عنها صفحاً لحساب مصادر أخرى نظنها مأمونة. لكل فن لغته، ولا يصلح أن يخاطب جمهور الصحف بلغة لا توائم وظيفتها الإعلامية. ولا ريب أن ليس كل ما صُنِّف على أنه من الأدب أفضل حالاً -من حيث المستوى اللغوي- من لغة الصحف.
لقد بات الموقف من المستوى اللغوي عند بناء مدونة جديدة لتحديث مداخل هذين المعجمين التاريخيين في إطار فترة (العصر الحديث)؛ بات بحاجة إلى التوافق الرسمي على معيار لغوي علمي منصف لا يهضم لغة الإعلام المكتوب حقها ودورها في بناء مدونة للعربية في العصر الحديث. وسوف يتضح لنا -مهما اشترطنا في تلك اللغة من اشتراطات الصحة النحوية والترابط الدلالي- أن كثيراً من الألفاظ والتراكيب قد فاتت هذين المعجمين التاريخيين في التأريخ المعجمي للعصر الحديث. ولكي نبرهن على صحة ما نقول بأمثلة من تلك (الفوائت) على المستويين: اللفظي والتركيبي؛ نقدم ما يلي:
1 - من الأمثلة على (الفوائت اللفظية): التأبيدة (بالتاء)، البسطاء، التبضيع
(في مثل: تبضيع الذمم)، تجذَّر (بمعنى: ترسّخ وتأصّل)، التجييل، التلجين، التحفيل
(في النشاط الرياضي)، التدوينة، التركيد (للحسابات البنكية) التسليع (في مثل: تسليع المرأة) المتسلِّفة، الشَّعبوية، الظلامي والظلامية، المكابشة، التكفيري، الانتحاري، الناشط، المنظور (بمعنى القريب)، التشييء (في مثل: تشييء المرأة)، الحيونة (في مثل: حيونة الإنسان).
2 - ومن الأمثلة على (الفوائت التركيبية): الإعلام النظيف، الإعلام الموازي، الأمية الثقافية، تخفيف الأحمال، الذراع الإعلامية، الذراع العسكرية، سلق القوانين، السينما النظيفة، المشاهد الساخنة، الصبر الإستراتيجي، الصوابية السياسية، تطبيخ القرارات، العدالة الناجزة، العدالة المناخية، تعليب الوعي، قماشة عريضة، النخاسة الفكرية، الفراغ السياسي، الفراغ العاطفي، البوابة الملكية، البوابة الإلكترونية، الابتزاز الإلكتروني، نبض الشارع، نبض الجماهير، الطاقة الإيجابية، الطاقة السلبية، الحزام الرئاسي، ازدواجية المعايير، الذئاب المنفردة، البنية التحتية (على رغم وجود البنية الفوقية)، العصا والجزرة، الحياد المناخي، المال الساخن، المال النظيف، المال البارد، الاقتصاد الأخضر، تمرير القرارات، الإجهاد المائي، الإنسان الآلي، الأكل العاطفي، الاسم الحركي، بالون الاختبار، لقاء السحاب.
هذه الأمثلة غيض من فيض (فوائت) (معجم الشارقة- الاتحاد) وكثير منها مما فات (معجم الدوحة) أيضاً. وهي كلها: ألفاظ وتعابير من لغة الإعلام المكتوب. وكثير منها تستعمله لغة الإعلام المنطوق أيضاً. ولا شك أن البحث المستقصي سوف يمكِّننا من العثور على (فوائت) أخرى تموج بها لغة الإعلام المكتوب: استعمالاً وتوظيفاً منذ عقود. يستنبط من مثل هذا أن بعض الجذور لم تنل في العصر الحديث في كلا المعجمين ما تستحقه من تمثيل حقيقي وحضور داعم للغة الإعلام المكتوب. وسوف نلحظ أن مثل تلك (الفوائت) تتوزع على مجالات حيوية في الخطاب العربي المعاصر في الحقل الإعلامي. وسوف تبرهن (فوائت) تلك المجالات على أنّ يد الإعلام المكتوب -بمقتضى وظائفه وأهدافه- تمتد إلى ما تمتد إليه بالكم والكيف ذاتهما لغة الأدب أو غير الأدب من موضوعات في: الحياة السياسية والدبلوماسية، والحياة الاقتصادية والمعاملات المالية، والحياة الاجتماعية، بما فيها من اهتمامات بالصحة والتعليم والإسكان والترفيه، والحياة الثقافية بما فيها من شؤون الإبداع والتنمية الثقافية والعلاقات الثقافية: الإقليمية والدولية والرؤى الفكرية والمستقبليات، والحياة العسكرية بما فيها من الحروب والصراعات والتكتلات والمعاهدات والتغيرات الجغرافية-السياسية، والأنشطة الرياضية بما فيها من منافسات وصفقات، وشؤون الحياة اليومية بما فيها من اهتمامات المواطنين الدائمة والموسمية... إلخ. هذه هي لغة الإعلام المكتوب: مرآة لحياة الناس في جميع مجالاتها واهتماماتها ما دقَّ منها وما جلَّ. تواكب اللغةُ الحياة، وينبغي للمعجم -تاريخياً كان أو غير تاريخي- أن يواكب اللغة.
بناء على هذا، أرى أن تغيير الموقف العلمي العربي من لغة الإعلام عامة، والإعلام المكتوب خاصة، صار ضرورة ملحة لمواكبة التطورات المتسارعة في حياة الناس. وسوف يتطلب هذا تجاوز النظرة التقليدية السلبية والنظر إلى لغة الإعلام المكتوب بوصفها منظومة فاعلة ومؤثرة ومطوّرة للغة، بعيداً عن اختزالها في مجرد (انحطاط الفصحى)، وفهم دورها في نشر ألفاظ ومصطلحات وتراكيب جديدة لا تشاركها فيها لغة الأدب.
ومهما يكن من أمر، فسوف يظل كلا هذين المعجمين التاريخيين علامة فارقة في تاريخ العربية من ناحية، وتاريخ الإنسان العربي في علاقته بلغته من ناحية أخرى. صَرحان عملاقان بُذلت في سبيلهما الجهود والأموال، ولم يبقَ لهذين الصرحين إلا أن نتعهَّدهما بالتحديث المستدام.