مجلة شهرية - العدد (596)  | مايو 2026 م- ذو القعدة 1447 هـ

كيف بدأت فكرة المعجم التاريخي للغة العربية؟

للعرب تراث معجميّ عظيم جدير بالإعجاب، ومنجزات قاموسيّة حديثة مهمة تسعى إلى مواكبة القاموسية العالمية كما ازدهرت في الدول الصناعية. واهتمام العرب بوضع المعاجم نابع من اهتمامهم بلغتهم واعتزازهم بها وحرصهم عليها لأنها ديوان أفكارهم ومستودع أخبارهم وحافظة إبداعاتهم الأدبية والعلمية، إضافة إلى أنها لغة القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف.
وقد أحصى الباحث المغربي الأستاذ أحمد الشرقاوي إقبال في كتابه القيم: معجم المعاجم، ألفاً وأربعمئة وسبعة قواميس. وقد قصر ببليوغرافيته هذه على المعاجم التراثية دون سواها مما مسته الحداثة بأثر قليل أو كثير. وهذا التراث القاموسي متعدد الموضوعات، غزير المادة، متنوع الأساليب، وهو ما دعا المستشرق جون أ.هيوود في كتابه (القاموسية العربية) إلى أن يشهد للعرب بالسبق والتميز في وضع القواميس اللغوية عندما صرح (أن العرب في مجال المعجم يحتلون مكان المركز، سواء في الزمان أو المكان، بالنسبة إلى العالم القديم أو الحديث، وبالنسبة إلى الشرق أو الغرب).
إن العرب هم رواد القاموسية بلا منازع. وقد تواصل اهتمامهم في عصر نهضتهم الحديثة - وهي نهضة قامت على إحياء اللغة العربية وآدابها وتراثها - بمعاجم اللغة العربية سواء على أيدي العلماء واللغويين الأفراد أو في إطار مجامع اللغة العربية وفي مقدمتها مجمع اللغة العربية بالقاهرة الذي احتضن فكرة إنجاز معجم تاريخي للغة العربية.
المعجم التاريخي للغة العربية أحد أغراض تأسيس مجمع القاهرة
تأسس مجمع اللغة العربية بالقاهرة (مجمع اللغة العربية الملكي سابقاً) سنة 1932 وبدأ نشاطه سنة 1934. وقبل ذلك كان قد تأسس سنة 1919 مجمع اللغة العربية بدمشق (المجمع العلمي العربي سابقاً) الذي كان له دور أساسي في النهوض بمسألة تدريس العلوم الدقيقة والتطبيقية باللغة العربية في الجامعة السورية (جامعة دمشق الآن) التي تأسست نواتها سنة 1903 ثم قامت جامعة شاملة سنة 1923. وكان من بين الأغراض التي تأسس مجمع القاهرة لتحقيقها (أن يقوم بوضع معجم تاریخي للغة العربية، وأن ينشر أبحاثاً دقيقة في تاريخ بعض الكلمات، وتغير مد لولاتها).
وينص مرسوم إنشاء المجمع على أنه يمكنه (أن يعهد في إعداد كل فرع من فروع الأعمال الموكولة إليه إلى لجنة ينتخبها من بين أعضائه العاملين). وكان عدد لجان المجمع في دورة انعقاده الأولى سنة 1934: إحدى عشرة لجنة منها (لجنة المعجم) (اللجنة 6) التي تتألف من سبعة أعضاء عاملين منهم أربعة مستشرقين هم الأساتذة: جب (مدرسة لندن للدراسات الشرقية)، وفيشر (جامعة ليبزج)، ونلينو (جامعة روما)، وليتمان (جامعة تيبنجن بألمانيا).
ولا شك أن لوجود هؤلاء المستشرقين من ألمانيا وبريطانيا وإيطاليا ضمن الأعضاء العشرين العاملين في المجمع دوراً أساسياً في ظهور فكرة وضع المعجم التاريخي للغة العربية في مرحلة تأسيس المجمع، ذلك أن هذا النوع من المعاجم لم تعرفه العربية إلا بصورة جزئية محدودة في عهودها السابقة كمعاجم المعرب والدخيل ومعاجم الألفاظ الاصطلاحية.. إلخ، وأنه أثر من آثار التفاعل مع التطورات العلمية والمنجزات اللغوية الحديثة في البلدان الغربية والتي من بينها وضع معاجم لغوية تاريخية للغات الإنجليزية والألمانية والإيطالية وغيرها. وإن مجمع اللغة العربية بالقاهرة الذي تأسس على غرار المجامع اللغوية في الغرب عامة والمجمع اللغوي الفرنسي) الأكاديمية الفرنسية خاصة قد أفاد من هذه التجارب الأجنبية فجعل إنجاز المعجم التاريخي للغة العربية من أغراض تأسيسه. وقد كان لهؤلاء المستشرقين عامة، ولأوغست فيشر خاصة، دور حاسم في تحديد هذا الغرض ومناقشته وإدراجه ضمن أغراض المجمع.
أوغست فيشر والمعجم اللغوي التاريخي
أوغست فيشر، كما قال عنه سنة 1967 الدكتور إبراهيم مدكور الأمين العام لمجمع اللغة العربية بالقاهرة هو (أحد كبار اللغويين في القرن العشرين، عني بالمعجم العربي منذ أخريات القرن الماضي، وعاش معه نحو خمسين سنة)، ويضيف الأمين العام للمجمع أن معجم أكسفورد التاريخي الذي نشر قبل مولد فيشر بقليل كان مثله الأعلى، فشاء أن يطبق منهجه في اللغة العربية، وقضى زمناً طويلاً يجمع النصوص ليستخلص منها دلالات الألفاظ والتراكيب، متتبعاً إياها في مختلف العصور والبيئات، ومسجلاً ما يطرأ عليها من تغيير وتبديل. وتوافر له من ذلك مادة صالحة، انتهى بها إلى آخر القرن الثالث للهجرة، لذلك لم يكن غريباً أن يكون من مؤسسي المجمع.
وكان طموح فيشر، في البداية، أن يضم معجمه كل كلمة تُدُوِولَتْ في اللغة، لأن (جميع الكلمات المتداولة في لغة ما، لها حقوق متساوية فيها، وفي أن تعرض وتستوضح أطوارها التاريخية في معجماتها)، وهو يؤكد أن (النقص الخطير الذي تجلى لنا في معجمات العرب، هو عرضها للغة الفصحى فقط..).
وقد أشار فيشر إلى أن تفكيره في تأليف معجم كبير للغة العربية الفصحى يفي بالحاجات العلمية للعصر الحاضر يرجع إلى العقد الأول من القرن العشرين، إذ عرض مشروعه لأول مرة على الرأي العام في سنة 1907 في مدينة باسل (Basel) بمناسبة الاجتماع التاسع والأربعين للغويين والمدرسين الألمان، كما عرض مشروعه من جديد في المؤتمرين الدوليين للمستشرقين اللذين عُقدا في كوبنهاغن سنة 1908 وأثينا سنة 1912، إلا أنه لم يبدأ في تنفيذ مشروعه إلا بعد تأسيس (معهد الأبحاث السكسونية) في ليبزج سنة 1914، لكن الانهيار المالي لألمانيا الذي عقب الصلح قد عطّل المشروع، ثم استأنف العمل سنة 1924 بمساعدة بعض طلبته وزملائه. أما الحدث الأهم في المشروع فقد تمثّل في قرار الحكومة المصرية في خريف 1936 السماح لهذا العالم اللغوي بإتمام العمل في معجمه في القاهرة، وكان ذلك بناء على اقتراح مجمع اللغة العربية. وكان المؤمل الانتهاء من كامل المعجم خلال ثماني أو تسع سنوات، لكن الحرب العالمية الثانية فاجأت فيشر، واضطرته للعودة إلى وطنه. وفي هذا السياق يذكر الأمين العام للمجمع الدكتور إبراهيم مدكور أنّا (كُنّا نأمل أن يعود بعد الحرب إلى مجمعه ليتم ما بدأ، إلا أن المرض أقعده، ثم عاجلته المنية، وحرمنا من لغوي كبير. وعبثاً حاول المجمع أن يلم شعث ما تفرق من جزازات معجمه، فلم يستطع الحصول على ما نقل منها إلى ألمانيا، ولاحظ على ما بقي لديه أنه غير مكتمل، ولم يجد ما يصلح للنشر إلا مقدمة أعدها فيشر بنفسه، ونموذجاً من حرف الهمزة إلى (أبد)).
مشروع معجم فيشر التاريخي للغة العربية مضموناً ومنهجاً
لم يصدر من (المعجم اللغوي التاريخي) لأوغست فيشر إلا القسم الأول المشتمل على المقدمة (34 ص) ورموز الكتب التي نقل عنها المؤلف الشواهد (20 ص) وجزء من حرف الألف في إلى (أبد) (53 ص).
وهذا المعجم (معجم تاريخي للغة الآداب العربية حتى نهاية القرن الثالث الهجري أي حتى منتهى ما وصلت إليه اللغة العربية الفصحى من الكمال).
وهذا التحديد يرجع أساسياً إلى قرار المجمع الذي لم يبيّن طموح فيشر في أن يستوعب معجمه كلّ كلمة تداولتها اللغة العربية.
ويذكر فيشر أن المعجم يتناول بقدر الإمكان بحث تاريخ كل الكلمات التي جاءت في الآداب العربية مبتدئاً بالكتابة المنقوشة المعروفة بكتابة النّمارة من القرن الرابع الميلادي ومنتهياً بالعهد السابق ذكره، أعني أنه يتناول الكلمات الواردة في القرآن والحديث والشعر والأمثال والمؤلفات التاريخية والجغرافية وكتب الأدب والكتابات المنقوشة والمخطوطات على أوراق البردي وعلى النقود. وهذه كلها تمثل المدونة النصية التي اعتمدها المؤلف.
أما البيانات التي تقدم لمستعمل (المعجم اللغوي التاريخي) عن كل مدخل معجمي فهي - كما سمّاها فيشر - البيانات التاريخية (وهي أهم البيانات قیمة في نظره ويستعان فيها بالشواهد)، والاشتقاقية (التأثيلية أو التأصيلية)، والتصريفية، والتعبيرية (الدلالية)، والنحوية، والبيانية) صيغ الاتباع والمزاوجة، والمشاكلة، وتوكيد المعنى، والازدواج، والأسلوبية.
الخاتمة
(المعجم اللغوي التاريخي) الذي شرع المستشرق الألماني أوغست فيشر في إعداده مند بدايات القرن العشرين ثم تبناه مجمع اللغة العربية بالقاهرة الذي كان من أغراض تأسيسه إعداد مثل هذا المعجم، هو معجم من نوع جديد يختلف عن المعاجم اللغوية العربية التراثية والحديثة الكثيرة ويستفيد من المنجزات القاموسية الحديثة في الدول الغربية ومناهج إعدادها.
ولئن تعطّل مشروع المعجم اللغوي لمجمع اللغة العربية بالقاهرة طيلة عقود طويلة وتحديداً منذ وفاة أوغست فيشر سنة 1947 فإنّ فكرته بقيت حية ومثلت أملاً قوياً تعلّقت به نفوس اللغويين والمثقفين العرب إلى أن نهضت به خلال الأعوام الأخيرة مؤسستان عربيتان عتيدتان هما: مجمع اللغة العربية بالشارقة، والمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بالدوحة؛ فأنجزت كل منها معجمها التاريخي للغة العربية، مستفيدتين من تطور تكنولوجيات المعلومات والاتصال ومن التقدم الحاصل في اللسانيات التطبيقية، خصوصاً مع توافر الدعم المالي والإرادة السياسية. وفي ذلك نفع عميم للغة العربية وللناطقين بها وبغيرها، وفتح آفاق جديدة واعدة للبحث اللساني العربي والإنساني.

ذو صلة