مجلة شهرية - العدد (596)  | مايو 2026 م- ذو القعدة 1447 هـ

المعاجم التاريخية.. قيمة ودوراً

مثّلت اللغة العربية حاضنة رحبة ومن غير عُسر لكل اللغات التي ولدت ونمت في الشرق، واستطاعت أن تستوعبها بمعانيها وتمنحها جِرْسَها لتكون الإناء اللغوي الأضخم بين لغات العالم المعاصر. وامتازت بأدب من شعر ونثر بما يقارب 1700 عام من الأصالة، ونمت وتطورت عبر ظروف مختلفة متنوعة نَدَر أن تعرّضت لها لغات أُخَر، فهي نشأت في صحارى ومدن وقرى متعددة الثقافات والمنابع الفكرية، وشهدت تنوعاً اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً وعلمياً وثقافياً، بدءاً من قرون ما قبل الإسلام، إلى ولادة الدين الإسلامي في حضنها. وما لبثت أن سايرت التطور المتعدد الأوجه على الصعد جميعها في الدولة الأموية، حيث شهدت ولادة السلطة والدولة بمفهومها الواسع -وهنا لا مجال للتفصيل في تشكّل بنيان الدولة الحقيقي- وما عَتَّمَتْ أن انفتحت على حضارات الأمم الأخرى في العصر العباسي، واستوعبت علوم اليونان والسريان وفارس والهند، إذ انسكبت فيها جداول من المعرفة، ناهيك باحتكاكها المباشر بالغرب عن طريق الأندلس، وما فيها من بيئة مغايرة مختلفة عن الشرق، فكانت اللغة العربية حديقة زاخرة غنية بكل ورود الأرض تسرّ الناظرين إليها بأشكالها وألوانها وثمارها.
هذا الكم الهائل من الثروة الفكرية، أدركه أسلافنا، واتخذوا –برأيي- القرار الأهم في حفظ هذه الثروة، فولدت المعاجم اللغوية العربية قبل أي معجم للغة أخرى في الأرض. وعلى الرغم من كثرة عدد المعاجم الذي انفردت به اللغة العربية، إلا أنها كانت معاجم وصفية بعيدة عن التأثيل والتأريخ. وهنا ولدت الحاجة إلى معجم أو معاجم تاريخية للغة العربية ترصد مسارها التاريخي والدلالي لتسدّ فجوة ثقافية معرفية نحن بأمس الحاجة لها.
غني عن البيان أن أهل اللغة العربية هم أول من أنتج معجماً للغتهم مع معجم العين للخليل بن أحمد الفراهيدي (173هـ / 786م) وتبعته معاجم أخرى معروفة ومشهورة. واستطاعت اللغة العربية أن تستوعب كل مستجدات العلم والمعرفة على مرّ العصور، فكانت لغة أدبية وعلمية واقتصادية واجتماعية، وابتُدِعَتْ فيها علوم عظيمة بأحرفها وألفاظها ورموزها، كعلم الجبر والخوارزميات والفلك والطب والاجتماع، إلخ.. فلا قصور في لغتنا ولا زوال ولا فناء.. ولكن انقطاع العقل العربي عن الاكتشاف والاختراع والفلسفة الحقة، جعلها تمرّ بحالة ركود لقرون طويلة، وسبات معرفي لا بد له من أن يستيقظ يوماً ما، وينتج ويبتكر ويبدع ويعيد للغة العربية ألقها عالمياً.
هذا السعي في الميدان اللغوي لم يتوقف، إذ ظهرت محاولات خجولة لمعجم لغوي تاريخي في مطلع القرن العشرين لكن لم يكتب لها النجاح، عنينا تحديداً مجمع اللغة العربية في القاهرة بمعاونة المستشرق الألماني (أوجست فيشر)، ومحاولة الفقيه اللبناني (عبدالله العلايلي) الذي ضاعت مدوناته بسبب الحرب الأهلية، ثم تلت ذلك محاولة تونس لإنجاز معجم تاريخي لم يكتب له الإنجاز.
وفي العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين كتب النجاح لإنتاج معجم الدوحة التاريخي ومعجم الشارقة التاريخي في اللغة العربية. وهذان العملان الجباران سيفتحان الباب أمام مشروع ثقافي قادم في إعادة قراءة التراث على أسس دقيقة في فهم النص ضمن إطاره التاريخي، واستنباط دلالاته، بما يعيد تكوين الثقافة العربية في إنتاج حضاري ينعكس على الحاضر تطلعات مختلفة تحاكي التقدم الفكري والمعرفي.
ونقدم هنا، مثالاً واحداً فقط - بسبب ضيق المجال وحسب - من معجم الدوحة التاريخي في اللغة العربية. لنرصد التطور الدلالي للمفردة (اللفظ)، وتحولاتها وموضع ظهورها، واستعمالاتهما، موثقة مؤرخة:
لفظ: الأدَبُ: الخلقُ الحسن 100 ق.هـ 525م
(أْيْ بُنيّةُ إن الوصية لو تُركَتْ لفضلِ أدب تركَتْ لذلك منكِ).
(أمامة بنت الحارث الشيبانية).
(مجمع الأمثال: أبو الفضل الميداني..) (518هـ)
الأدب: العلم والحكمة 40هـ /660م
(أَذْكِ قلبك بالأدب، كما تُذكى النارُ بالحطبِ).
(علي بن أبي طالب)
(كتاب العقد الفريد: ابن عبدربه الأندلسي) (328هـ)
الأدب: الفن من فنون المعارف 100هـ 718م.
(وكذلك الرجلان يتأدّبان بأدب واحد، ثم يكون أحدهما أنفذ من الآخر).
(صالح بن جناح اللّخمي)
(رسائل البلغاء) (1331هـ/ 1913م)
الأدب: الكلام الفصيح منظومه ومنثوره 125هـ/ 743م.
(كفاك من علم الدين أن تعرف ما لا يسعُ جهلُه، وكفاك من علم الأدب أن ترويَ الشاهدَ والمثلَ).
محمد بن علي العباسي
(البيان والتبيين: الجاحظ (255هـ)...)
نكتفي بهذا القدر من تطور دلالة كلمة أدب، ليتضح لنا أن هذه المعرفة في معاني الألفاظ ضمن السياقات التي وردت فيها، تؤدي إلى فهم دقيق عميق للمعاني، وتوضيحاً للدلالات والمقاصد التي أرادها النص في زمن وضعه.
وما يزيد قيمة المعجمين التاريخيين للغة العربية (الدوحة) و(الشارقة) أنهما معجمان بُنِيا على منهجية علمية محكمة، وتمّ إطلاقهما عبر بوابات إلكترونية تتيح للقراء التفاعل والبحث السهل عن كل لفظ منذ استخدامه الأول حتى عصرنا الراهن.
مما لا شك فيه، أن اللغة كائن حي يحيا بأهله، وينمو بنموّهم، ويضمحل بفنائهم. وهذه المعاجم تنمو بقدر ما تبقى خاضعة للتطوير والإضافة ومسايرة العصر من التقدم، فأي مصطلح جديد يدخل ميدان المعرفة يجب إدخاله المعجم، وهكذا في عمل مستمر مع الزمن.
يفتح المعجم التاريخي للغة نافذة جديدة للبحث العلمي في تاريخ اللغة ونشأتها وتشكلها ومساراً على الحضارات وتفاعلها، ويعمق الدراسات اللغوية بما يحتويه من توثيق موثوق، يحمل جوانب تكشف عن حياة المجتمعات القديمة متبعة تطورها الفكري وتواصلها مع الأمم الأخرى. لعل ذلك يخرق جدُر الثبات، ويعيد البناء من جديد، أضف إلى ذلك ما يقدمه لمتعلمي اللغة العربية والمختصين فيها من أبواب للبحث والتجديد وربطها باللهجات المحلية.
إنها خطوة عظيمة تستحق كل تقدير في المجال الثقافي اللغوي العربي، فهل تكون فاتحة لمجالات العلوم والاكتشاف والاختراع ونهوض العقل العربي؟

ذو صلة