مجلة شهرية - العدد (596)  | مايو 2026 م- ذو القعدة 1447 هـ

المعاجم التاريخية للغة العربية.. الدوحة والشارقة

ترتكز أهمية المعاجم التاريخية على مسألة التوثيق، ورصد تطوير الدلالات والمباني الخاصة بالألفاظ، واستخداماتها عبر العصور الماضية، والبحث عن أول استخدام لهذه الألفاظ وصولاً إلى انقراضها أو خفوت استخدامها، أو تغيّر معانيها، أو عدم حدوث أي تغيير في معناها أو بنيتها، وهكذا.
وبلمحة سريعة يمكننا التفريق بين المعاجم التاريخية والأخرى التقليدية؛ بأن التقليدية تترصد معاني الكلمات وشرحها في العصر الذي سادت واشتهرت فيه، ومعرفة جذرها ومضامينها واستخداماتها في الجمل، كما هو موجود في معاجم (الوسيط ولسان العرب والمصباح المنير والمحيط.. إلخ)، بمعنى أن الكلمات في المعاجم التقليدية ساكنة لا تتحرك عبر الأزمنة والاستخدامات.
بينما ترصد وتبحث المعاجم التاريخية في أصل الكلمات وتطوّرها على الألسن خلال عصور متتالية، مما يشكّل قيمة مهمة في إبراز الجوانب الحضارية للأمم التي استخدمت تلك المفردات، وكيف أنها أخذت في مسارها الزمني أشكالاً ومضامين عدة، حسب استخدامها وطريقة فهم معناها.
وظهرت في البداية المعاجم ثنائية اللغة، حينما تشعّبت العلاقات بين الشعوب، تلبية لحاجة الترجمة من وإلى اللغات الأخرى، في المجالات العلمية والأدبية والاجتماعية وغيرها، ثم ظهرت المعاجم التقليدية (أحادية اللغة)، من خلال فقهاء لغة حرصوا على توثيق الكلمات وشرحها، والاستدلال على جذرها اللغوي، من دون الاهتمام بتطورها التاريخي، وذلك وفق الحاجة والضرورة.
وخلال تلك الفترات لم يكن هناك اهتمام بمسألة تتبع الكلمة من حيث الأصل والنشأة والتاريخ، وتنوع واختلاف استخدامها أو شيوعها عبر العصور، إلا من خلال اجتهادات فردية قليلة، ثم ظهرت المعاجم التاريخية خصوصاً في الدول الأوروبية، بينما كان السائد عند العرب أن تطور اللغة مفسدة لها، نتيجة اختلاط العرب بغيرهم من الأمم، فلم تسجّل لنا المعاجم العربية تغييرات في بنية الكلمة بعد عصور الفصاحة، وظلت الكلمة العربية محافظة على ثباتها، ومعناها المراد التعبير بها، فيما بدأ في القرن التاسع عشر الميلادي في ألمانيا تحديداً، إنجاز معجم تاريخي بغرض توحيد ألمانيا، وتبعتها في هذا الاتجاه دول أوروبية أخرى. فيما يشبه السجل الحضاري.
وعلى المستوى العربي، كانت هناك محاولات في هذا السياق، إلا أنها لم تكن مكتملة في إنجاز معجم تاريخي، فحينما تأسس مجمع اللغة العربية في القاهرة عام 1932، كانت وثيقته التأسيسية تنص على (وضع معجم تاريخي للغة العربية)، غير أن هذا المشروع لم يكتمل بالشكل المرجو، وبعد نحو أربعين عاماً، من هذه المحاولة أنجزت تونس مشروعاً لمعجم تاريخي، ولكن المشروع توقف ولم يكتمل.
وفي ظل هذه المحاولات العربية في تأسيس معاجم تاريخية للغة العربية، تأسس معجم الدوحة التاريخي للغة العربية والمعجم التاريخي للغة العربية في الشارقة، والمعجمان التاريخيان سدّا فراغاً مهماً، كنا نحتاجه من أجل تتبع مسار الكلمات العربية، من نشأتها وصولاً إلى تطورها عبر العصور، ومن خلال شواهد نصية مؤرخة، وسجل حضاري وذاكرة شاملة للغة العربية وتطورها على مر القرون، مع رصد ولادة الكلمة، وتطور معانيها، أو إهمالها، وتتبع المصادر الموثقة لكل استخدام.
ونتحدث هنا عن معجم الدوحة التاريخي للغة العربية، وهو مشروع رقمي شامل يؤرخ للألفاظ العربية عبر 20 قرناً، هدفه رصد المعنى وسياقه التاريخي، حيث أُعلن عن إطلاق مشروعه رسمياً في 25 مايو 2013م من قبل المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في الدوحة، ومن أجل ذلك عقدت سلسلة من الاجتماعات التحضيرية منذ عام 2011م، ومن ثم دشنت بوابته الإلكترونية للمرحلة الأولى منه في 10 ديسمبر 2018م، واكتماله النهائي أعلن في ديسمبر 2025.م
والمعجم - حسب ما ورد على موقعه - يَجْرُد ذاكرة كل ألفاظ اللغة العربية ويوثقها توثيقاً تاريخياً، ويربطها بدلالاتها عبر سياق الزمن والاستخدام، ويرصد معانيها منذ أول استعمال لها في النصوص المكتوبة أو النقوش المكتشفة وتحوّلها النحوي والدلالي في كل الفترات الزمنية، ما يعين في اكتشاف تاريخية تطوّر فكر الأمة وحضارتها لغوياً واصطلاحياً، ومفاصل تكوّن شخصيتها، وطبيعة التأثيرات والتأثرات التي خلّفها اتّصالها بغيرها، والإشارة إلى نظائر الألفاظ في اللغات السامية، ليكون هذا المعجم بعد إتمام مراحله الثلاث المقررة، سجلاً تاريخياً للغة العربية على امتداد عشرين قرناً من الزمان.
وينفرد هذا المعجم برصد ألفاظ اللغة العربية منذ بدايات استعمالها في النقوش والنصوص، وما طرأ عليها من تغيّرات في مبانيها ومعانيها داخل سياقاتها النصية، متتبعاً الخط الزمني لهذا التطور. وتعرض هذه البوابة الإلكترونية مواد المعجم، وتتيح البحث في المدونة النصية، كما تقدم عدة أنواع من الخدمات اللغوية والنصية والإحصائية.
وشارك في بناء المعجم الكثير من أساتذة الجامعات والخبراء والعلماء في عدد من الدول العربية، من الأردن والإمارات وتونس والجزائر والسعودية وسورية والعراق وفلسطين وقطر والكويت ولبنان وليبيا ومصر والمغرب وموريتانيا واليمن.
وحظي مشروع المعجم برعاية وتمويل سخي من أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، وبرعاية المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في الدوحة.
أما المعجم التاريخي للغة العربية ويطلق عليه (معجم الشارقة)، فإن وظيفته توثيق الكلمات العربية والدخيلة، والمسارات التي قطعتها في سياق تطورها، ونظائرها السامية، وأنجز منه تقريباً 127 مجلداً، تحت إشراف مجمع اللغة العربية بالشارقة.
وأُطلق مشروع المعجم بتوجيهات من الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، حاكم الشارقة، حيث بدأ العمل الفعلي فيه منذ عام 2017م تقريباً عبر مجمع اللغة العربية بالشارقة، وتم إطلاق المجلدات الأولى منه في نوفمبر 2020، واكتمل إنجازه وطباعته بالكامل في أكتوبر 2024.
ويضم المعجم الكلمات العربية والدخيلة، وتأثيل كل كلمة، وتواريخ ومصادر استعمالها عبر الأجيال المتعاقبة، ويرصد نظائر الكلمة العربية في اللغات السامية الأخرى.
وأكد القاسمي - في كلمة ألقاها في اجتماع أعضاء اتحاد المجامع اللغوية والعلمية العربية - أن مشروع المعجم التاريخي للغة العربية جاء للنهوض بهذه اللغة والارتقاء بها وخدمتها والحفاظ عليها للأجيال القادمة، وأن مجمع اللغة في الشارقة لم يوجد ليكون قطباً من أقطاب المجامع في العالم العربي، ولكن من أجل دعم تلك المجامع مادياً ومعنوياً والنهوض بها وذلك بالتنسيق والتواصل مع اتحاد المجامع اللغوية العلمية العربية في جمهورية مصر العربية.

ذو صلة