مجلة شهرية - العدد (596)  | مايو 2026 م- ذو القعدة 1447 هـ

إشكاليات التأريخ الدلالي والاقتراض اللغوي في المعجم التاريخي

يُعد المعجم التاريخي مصدراً مهماً ومعتبراً في دراسة الألفاظ وتطورها ومعرفة الاختلافات التي حدثت فيها، من حيث البنية والدلالة، فهو لا يكتفي بإثبات المعنى وتوثيقه، بل يتغيا تتبع نشأته وتحولاته وتطوره عبر الزمن، غير أن ذلك المبتغى يواجه تحديات منهجية كبيرة، بل وربما معقدة في بعض الأحيان، وتبرز تلك التحديات بوضوح في مجالين رئيسين، هما: التأريخ الدلالي والاقتراض اللغوي.
إشكاليات التأريخ الدلالي
المقصود بالتأريخ الدلالي للكلمات هو تحديد المراحل الزمنية التي ظهر فيها كل معنى من معاني الكلمة، ومعرفة الزمن الذي انتقلت فيه من دلالة إلى أخرى، إلا أن هذه العملية تواجه مجموعة من الإشكالات، من أهمها إشكالية أقدم شاهد، إذ إن تحديد تاريخ المعنى مرتبط بأقدم نص ورد فيه، وهذا من الناحية النظرية صحيح، غير أن الشاهد المكتوب الذي نعثر عليه لا يمثّل بالضرورة لحظة نشأة المعنى، بل يمثل أقدم توثيق وصل إلينا، ومن هنا يكون التطابق بين الاستعمال الشفهي والتدوين النصي غير متفق بشكل كامل، مما يجعل تقديرنا للتأريخ الدلالي تقديرياً لا يقينياً، وهو ما أشار إليه علماء الدلالة التاريخية عند تأكيدهم على أن غياب الشواهد لا يعني غياب الاستعمال، وقد أشار لذلك كثيرون، منهم (ستيف أولمان)، وكذلك في معجم (ويبستر)، تأكيد على أن من أهم المبادئ المنهجية المعترف بها أن ما يسمى (أول استخدام معروف) لا يمثّل بشكل دقيق أول استعمال فعلي للكلمة في اللغة الشفوية أو الواقعية، بل هو أقدم سجل نصي موثّق يمكن الوصول إليه في المصادر المتاحة، لأن الكلمات غالباً ما تكون في استعمال شفهي لسنوات أو عقود قبل تدوينها نصياً، وقد تظهر شواهد أقدم مع اكتشاف مصادر نصية جديدة أو إعادة تحليلها، وهذا المبدأ يعكس حدود المصادر النصية المتاحة والضرورية للتحقيق العلمي للمعاجم التاريخية، ويؤكد أن التأريخ المعجمي بالاتكاء على مبدأ الشواهد النصية هو أداة منهجية تقديرية في ظل غياب أدلة قطعية على أول استعمال لغوي.
ومن الإشكالات في التأريخ الدلالي قضية التمييز بين المعنى الجديد والاستعمال السياقي، فلا يسهل دوماً التأكيد على أن استعمالاً ما يمثل معنى جديداً مستقراً، فقد يكون توظيفاً سياقياً عابراً أو مجازاً فردياً، فضلاً عن ذلك فإن المشكلة تزداد تعقيداً عندما يتحول المجاز مع الزمن والاستعمال إلى دلالة أصلية، فيصعب حينها تحديد الوقت الذي انتقلت فيه من الاستعمال البلاغي إلى المعنى المعجمي المستقر، وقد أشارت لذلك (إليزابث تراوغوت) بالشراكة مع (ريتشارد داشر)، وأكدا على فكرة انتقال الدلالة من المجاز إلى الحقيقة، وصعوبة التمييز بين الدلالتين عبر الزمن.
ثم هناك قضية التدرّج الدلالي، فكما هو معروف فإن التغير الدلالي لا يأتي فجأة، بل غالباً ما يكون تدريجياً، عبر مراحل من التوسّع أو التضييق أو الانزياح، وهذا التدرج يجعل من الصعب معرفة الحدود الفاصلة بين المعاني، كما أنه يجعل التقسيم الزمني للمعنى في المعجم التاريخي عملية تحليلية، بل ربما تخمينية، تعتمد على الترجيح لا القطع، وقد أشار لذلك (ستيف أولمان)، مركزاً على أن المعاني محكومة للزمن والتدرج في التطور، وكذلك أكد عليها كل من (إليزابث تراوغوت) و(ريتشارد داشر).
ومن إشكالات التأريخ الدلالي تأثير العوامل الثقافية والحضارية، إذ إن كثيراً من التحولات والتغيرات الدلالية ترتبط بتغيرات علمية أو اجتماعية أو دينية أو ثقافية، لكن النصوص لا تشرح دائماً المرجعيات الحضارية لهذه التحولات، ولذلك فإن المعجم التاريخي يواجه صعوبة في التمييز بين التطور الدلالي الداخلي الذي ينتج عن آليات اللغة ذاتها، والتغير الذي ينتج عن تحولات خارجية في المجال الثقافي وما يتعلق به. ومن تلك الإشكالات التي تجعل تأريخ الدلالة صعباً ذلك الجانب المتعلق بالتخصص الاصطلاحي، فكثير من الألفاظ تنتقل من المعنى العام إلى معنى اصطلاحي خاص لمجال علمي أو فني أو ديني أو سياسي أو اقتصادي، أو أي مجال من مجالات الحياة، لذا فإن التساؤل الملح هنا مرتبط بتحديد ما إذا كان المعنى الاصطلاحي دلالة جديدة مستقلة أم تخصيصاً دلالياً، وهذه المسألة تؤثر مباشرة في طريقة ترتيب المعاني وتأريخها للمادة المعجمية.
إشكاليات الاقتراض اللغوي
الاقتراض اللغوي هو كما عرفه (هوجن) انتقال كلمة أو تعبير أو معنى من لغة إلى أخرى نتيجة التفاعل اللغوي والثقافي بين مجتمعين لغويين، ومن أسباب هذا الاقتراض حاجة المتحدثين في اللغة المستعيرة للتعبير عن فكرة أو مفهوم لا يتوافر لديهم في لغتهم الأصلية، أو لتسهيل التواصل مع مجتمع لغوي آخر، ويشمل الاقتراض الألفاظ الصرفية، والتعابير الاصطلاحية، حتى أنه قد يشمل بعض المعاني التي قد تتغير أو تتكيف وفق النظام اللغوي الجديد، وإذا كان التأريخ الدلالي يركز على تطور المعنى داخل اللغة الواحدة، فإن الاقتراض اللغوي يضيف بعداً جديداً يتمثل في انتقال الألفاظ أو المعاني من لغة إلى أخرى، مما لا يزيد من تعقيد التتبع التاريخي للمعنى فقط، بل يحتاج النظر في السياقات الاجتماعية والثقافية التي رافقت عملية الاقتراض، لمعرفة كيفية تكيّف الكلمة أو المعنى المستعار ضمن النظام اللغوي الجديد.
إن تحديد الأصل اللغوي يؤثر فعلياً في قضية الاقتراض اللغوي، إذ إن كثيراً من الألفاظ لا تنتقل مباشرة وبطريقة آلية من لغة إلى أخرى، بل تمر عبر لغة وسيطة، وربما أكثر من لغة، وهذا التداخل يجعل من الصعب تحديد الأصل الحقيقي للكلمة، ويثير سؤالاً منهجياً يتعلق بتحديد الأصل المعتدّ به، فهل يُعتدّ بالأصل الأبعد أم باللغة التي دخلت منها الكلمة فعلياً إلى اللغة المستقبِلة؟ وهو ما حاول الإجابة عنه (فيليب دوركن) في كتابه: (The Oxford Guide to Etymology)
تعد لحظة دخول الكلمة إلى اللغة المستعيرة إحدى إشكاليات الاقتراض اللغوي، فنادراً ما تتوافر شواهد صريحة قاطعة الدلالة على بداية استعمال الكلمة الدخيلة، إذ إنها عادةً ما تظهر فجأة في نصوص مختلفة، بعد أن تكون قد استُعملت شفهياً مدة طويلة، وبذلك يظل تاريخ الاقتراض تقريبياً، شأنه شأن التأريخ الدلالي، ولا تقف الكلمة الدخيلة عند حدود معناها الذي استعيرت من أجله بل تصبح حرة الحركة، فتتحول دلالتها بعد الاقتراض، ولا تحتفظ دائماً بمعناها الأصلي، بل ينطبق عليها ما ينطبق على الألفاظ الأصيلة من تضيق الدلالة أو اتساعها أو تغيرها كلياً في اللغة الجديدة. وهنا يواجه المعجم التاريخي تحدياً في التفريق بين تاريخ الكلمة في لغتها الأصلية وتاريخها الدلالي داخل اللغة المستقبِلة، وقد أشار (هوجن) إلى أن الاتجاه المعجمي الحديث يميل إلى التركيز على تاريخ الكلمة داخل اللغة التي استقرت فيها، مع الإشارة إلى معناها الأصلي بوصفه خلفية تاريخية، ولا يقتصر التأثير اللغوي على اقتراض الألفاظ، بل قد تُنقل المعاني فقط إلى ألفاظ موجودة أصلاً في اللغة، وذهب كل من (ثومسن وكافومان) إلى أن هذا النوع من التأثير الخفي يجعل من الصعب التمييز بين التطور الدلالي الداخلي والتأثير الخارجي غير المباشر، إذ إن الكلمة الدخيلة، مع الزمن، تندمج في النظام الصوتي والصرفي للغة، فتُشتق منها صيغ جديدة وتخضع لقوانينها، وعند هذه المرحلة تصبح الكلمة جزءاً من البنية اللغوية، رغم أصلها الأجنبي، مما يطرح إشكالاً في تصنيفها داخل المعجم التاريخي.
إن دراسة الأمثلة على التأريخ الدلالي والاقتراض اللغوي تشير إلى أن التأريخ الدلالي والبحث في أصول الألفاظ في المعجم التاريخي يظلان عمليتين تأويليتين تستندان إلى تحليل الشواهد المتاحة وربطها بسياقاتها الحضارية، وهو ما يجعل نتائج المعجم التاريخي أقرب إلى إعادة بناء علمية ترجيحية، وليست تقريراً تاريخياً قطعياً.

ذو صلة