مجلة شهرية - العدد (596)  | مايو 2026 م- ذو القعدة 1447 هـ

المعجم التاريخي في العصر الرقمي

يعلم اللغويون عامة والمختصون في الصناعة المعجمية خاصة أن هناك نظرة تكرست وسادت قروناً طويلة للمعجم العربي ترى أنه مجرد (وعاء) لحفظ الكلمات. فهو بمثابة الصندوق المعد لتخزين مفردات يعاد إليها عند الحاجة. وفي الغالب الأعم لا يُحفظ في ذلك الصندوق إلا نوع من المفردات هو (الفصيح) المعترف بفصاحته وانتمائه إلى عصر بعينه، ويحظر دخول ما لا ينتمي إلى تلك الحقبة. وقد مرت على الناس القرون تلو القرون لا يفتح الواحد منهم صندوق الكلمات هذا إلا حينما يراوده الشك في فصاحة كلمة ما وفي كونها تنتمي إلى عصور الاحتجاج، وفي وجود شواهد عليها من الشعر القديم تدل على أنها بمعنى معين عرف في تلك العصور، فإذا وجدها العائد إلى المعجم كذلك اطمأن قلبه وزال الشك. ولقد أدى تمحور المعجم العربي القديم حول حفظ الكلمات والعودة إليها دائماً عند الشك في فصاحة كلمة معينة إلى جعل صانعي المعجم يجتهدون في الوصول إلى أجود طرق الترتيب لهذه الكلمات ليصل المستخدم إلى الكلمة بأيسر ما يكون، فاقتضى هذا الأمر أن تتركز المدارس المعجمية المختلفة في أمر واحد رئيس هو (ترتيب) مداخل المعجم فقط. فأصبح فهم الطرق المتبعة في الترتيب التي تسمى (مدارس معجمية) والمقارنة بين مدرسة وأخرى من أهم أهداف الدارسين وطلاب العلم.
ولا شك في أن هذه الصورة التي كانت تقصر المعجم العربي على الألفاظ المعترف بفصاحتها وحدها قد تزحزحت الآن زحزحة نسبية لصالح أنواع أخرى من الألفاظ أقل فصاحة كالمولدة والدخيلة والعامية وغير ذلك، وما زالت تتزحزح تدريجياً كي يحل محلها صورة أخرى للمعجم تعكس جوانب من حياة اللغة وحياة أهلها، والأهم من هذا أن حفظ الفصيح وحده لم يعد هو الغاية الوحيدة له. لكنها زحزحة مرت بمراحل تدرجت إلى أن وصلت إلى المرحلة الرقمية التي قوضت أركان ما كان ثابتاً وأساسياً في مراحل عدة متقدمة.
وقبل أن نتحدث عن المرحلة الرقمية أو عصر التحول الرقمي لا بد من الإشارة إلى أن من أهم ما زاحم المعجم التقليدي وزحزح الهدف الرئيس السائد له (وهو حفظ ما استعملته العرب من الألفاظ في دلالة معينة في عصر الاحتجاج) كان المعجم الحديث المختص كمعاجم المصطلحات ونحوها. أما المعجم التاريخي فهو أهمها على الإطلاق، وقد كان تمثيلاً لنظرة طرأت حديثاً ولم تكن موجودة من قبل. والغربيون هم من لفت الانتباه إليها.
المعجم التاريخي بفكرته الغربية الحديثة الطارئة على المشهد اللغوي العربي أدخله المستشرق الألماني فيشر أثناء عمله عضواً في مجمع اللغة العربية بالقاهرة وصنع للمجمع نواة له، ثم توقف العمل فيه لاحقاً بعد محاولتين لاستكماله في مرحلتين زمنيتين متباعدتين. وبقي جهد مجمع اللغة القاهري في إنجاز معجم تاريخي وحيداً وناقصاً لم يكتمل إلى أن تصدت بالتزامن مؤسستان خليجيتان لإنجاز هذا الحلم العربي الكبير، فكان معجم الدوحة التاريخي، ومعجم الشارقة التاريخي.
ومن حسن حظ المشروعين العملاقين أنهما أنجزا في عصر التحول الرقمي، وهو عصر أتاح لهذين المعجمين ولكثير من المعاجم اللغوية الحديثة ما لم يكن متاحاً للمعاجم التراثية ولا لعدد من المعاجم الحديثة السابقة من كلا الفئتين العامة والمختصة. والتحول الرقمي بلا شك غيَّر مفاهيم وقلب أوضاعاً كانت مستقرة على حالها، فأحدث نقلة نوعية لكثير من المشاريع ورفع شأنها، كما سحق مشاريع أخرى كانت قائمة. لكنه في المجال المعجمي له شأن آخر أشد وأعظم أثراً. ويمكن أن نضرب مثلاً واضحاً لذلك بما فعله (جوجل) بمشاريع معجمية عملاقة كانت نموذجاً للمعاجم العالمية (كمعجم أكسفورد ومعجم كامبريدج ومعجم ويبستر)، إذ سحب البساط من تحتها جميعاً متصفح جوجل السريع الفعال الذي يختاره الكاتب المستعمل لجهاز الكمبيوتر دون أن يغادر شاشته التي يكون عليها، ثم لا يبحث بعد ذلك عن الكلمة في أي معجم أو قاموس بديلاً لما يجده في جوجل. هنا نتحدث عن التقنيات الحديثة إذن كما وصفها بعض الكتاب بأنها كالسيل الجارف المفاجئ المنقول الذي يجتاح كل شيء ويجتث كل ما يكون في طريقه. وحتماً سيكون مصير من لا يأخذون في الحسبان ما تأتي به التقنية دون سابق إنذار كمصير من يأتيه السيل الجارف بغتة دون أن يكون مستعداً له. التقنية اليوم هي مرتكز الصناعة المعجمية التي تسعى إلى مغادرة الورقية بالكامل باتجاه الرقمية بالكامل. بل إن الانتقال إلى الرقمية الكاملة ليس انتقالاً طوعياً البتة. بل الرقمية اليوم أشبه ما تكون بالسيل الجارف الذي اجتث الورقية واقتلعها من جذورها. وإن معجم هذا العصر معجم إلكتروني رقمي كلُّ ما فيه مختلف عما عُهِد في ذلك المعجم الذي نعرفه ونأْلَفُه واعتدنا تقليب صفحاته. كثير من المفاهيم المتصلة بالكتاب بصيغته الورقية تتغير وتتبدل. سأكتفي هنا بذكر نقاط مهمة لا غنى عنها في المعجم الإلكتروني الحديث، من أهمها: تبدل مفهوم (الطبعات) المتتالية التي يُستدرَك في اللاحق منها ما فات الأخذُ به في طبعات سابقة. معجم اليوم تفاعلي منفتح على القارئ، يتيح التواصل بين منتجه والمستفيد منه، ويتيح تلقي المقترحات وتعديل الأخطاء وتنقيح النصوص والإضافة إليها والحذف منها.
هذا الانتقال الكامل من الورقية إلى الرقمية إن كان ضرورة حتمية في المعجم العام والمختص فإنه في المعجم التاريخي أشد ضرورة، لسبب موضوعي خاص بهذا النوع الذي يرصد حياة المفردة وتطورها وتغير دلالاتها واستعمالاتها لا يقف عند ماضيها فحسب، بل يسير في رصد الكلمات ويتتبع تغيراتها ماضياً فحاضراً فمستقبلاً. ورصد حاضر الكلمة ومستقبلها لن يتم إلا عبر الرقمية التي تتيح مراجعة المعجم وتعديله وتنقيحه والإضافة إليه والحذف منه في مسار تفاعلي دائم ومباشر «أون لاين». ولدينا بطبيعة الحال مثال تطبيقي حاضر للمعجم الإلكتروني التفاعلي الذي يتيح المراجعة والتعديل والتصحيح والتنقيح دون الحاجة إلى طبعات متتالية كما كان ذلك في العهد الورقي، هو (معجم الرياض) الإلكتروني الذي أصدره مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية بالرياض، وهو نموذج حي لما ينبغي أن يكون عليه المعجم الذي تقتضيه المرحلة ويفي بمتطلبات التحول الرقمي من حيث الاستجابة لإجراءات المراجعة المستمرة والتغيير وتطوير المحتوى.
لن يكون المعجم التاريخي معجماً تاريخياً حقيقياً مناسباً لهذا العصر وممتداً حياً باقياً على طول الأمد إلا باندراجه في الرقمية، فيجمع بين إمكانات المراجعة الدائمة واستمرار متابعة حياة المفردات دون الوقوف عند فترة زمنية محددة. فالتاريخي بهذا المعنى ليس محصوراً في الماضي وحده، بل التاريخ حركة مستمرة لا تتوقف. ثم إن رصد تاريخ المفردات في المعجم التاريخي ليس الغرض منه مجرد الوقوف على محطات ظهور الكلمة وتطور استعمالاتها فحسب، بل وأيضاً ما وراء ذلك من أمور تعكس ارتباط كلمات اللغة وتراكيبها بحياة جماعة المتكلمين الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. وما تطورات الاستعمالات اللغوية إلا تجليات لتطورات اجتماعية واقتصادية وسياسية. ولهذا يعد المعجم التاريخي وعاء لحياة أهل اللغة وتغيراتها عبر الأزمنة، كما منجماً حقيقياً لدراسات علمية معمقة في مجالات الحياة المختلفة للمجتمع. والرقمية هي الضامن اليوم لبقائه نابضاً بالحياة.

ذو صلة