مجلة شهرية - العدد (595)  | أبريل 2026 م- شوال 1447 هـ

تاريخ مأزوم للمسرح المعاصر.. قراءة جديدة لأثر قديم

توسعت آفاق كُتّاب المسرح ومخرجي العروض، مما جعل الصدام حتمياً بين مدارس مختلفة ترى في الآخر خروجاً عن الإجماع الشعبي المعروف عن ماهية المسرح، تصادمات تزايدت مع سطوة العصر الصناعي والدخول في زمن المكننة.
عقبات ومحظورات العروض
اليوم في زمن الأتمتة ارتقت المدارس المسرحية وتوسعت باستيعابها لإمكانيات الفنون الأخرى، مما جعل من التمسك بالمسرح التقليدي شيئاً من الماضي عفى عليه الزمن.
مع تعقد الحياة والمشاكل التي تواجهنا يومياً زادت الصعوبة في إيجاد شكل ملائم لعرض تلك الأزمات على الخشبة، تحديات أعطت في الوقت نفسه فرصة ذهبية لممارسي المسرح لابتكار أشكال عصرية لبث تلك اللواعج أمام الجماهير، غير أننا في المسرح كما في الفنون الأخرى لدينا محاذير ومحظورات معينة لا يمكننا عرضها بأريحية في كل مكان، وهذا يعود بنا لسؤال الحرية والهوية وهو سؤال يستحق بحثاً معمقاً فلسفياً وفنياً.
لم تعد المواضيع الترفيهية البسيطة أو تمجيد الأبطال أو مكائد البلاط وحدها هي المواضيع المفضلة للجماهير والكُتّاب، بل صارت المواضيع المعيشية تنال نصيباً واسعاً من الاهتمام، المواضيع الفردية، خلجات النفس واضطراباتها، الهلوسات، الجنون، الفقر المدقع والاغتراب.
في سبيل ابتداع أساليب تتمكن من التعبير عن إنسان العصر الحديث، نمت مسارح كثيرة وأبرزها المسرح التجريبي الذي تخلص من المقومات التي تقيّد عمله لتجعله قادراً على الانطلاق بأريحية في النظر في أساليب التعبير الركحي، وكما يحدث في العادة مع كل متغير جديد، فقد استقبلت الجماهير التجارب الجديدة بين مؤيد ومعارض، وبدواعٍ متباينة، تعددت الرؤى وظل التجريب محافظاً على نهجه الذي تعدى الإمتاع أو الرسالة إلى أن يكون هدفه الكشف الذاتي، بغض النظر عن كون العمل يحمل رسالة أو لا.
مع ذلك كان للمسرح الطليعي الذي تبناه مجموعة من كبار المسرحيين مثل إبسن دور الريادة في مواصلة الخوض في قضايا غير معهودة وبطرق تمثيلية حاولت كشف ما يمكن كشفه، محولين المسرح إلى ساحة نضال حقيقي للتغيير السياسي والاجتماعي.
كانت البدائل متاحة، إلا أن سؤال المسرح فرض نفسه بقوة هذه المرة، سؤال فلسفة المسرح، وبأي حال ومهما كان تفكير المسرحيين فيه، فإن الأكيد أن السؤال ألزم المسرحيين بالمضي قدماً في مجال نوعية الكتابة وطرق العرض.
أساليب تختبر ذاتها
صار مفهوم الواقعية المرتبطة بالتجريب موطناً لفضح عورات النظام القديم ورجالاته، انتفاضة متواصلة من الأفكار الثورية والأساليب التعبيرية التي تُعرّي تماماً الواقع البرجوازي القديم، وتزيحه من مكانته الباسقة التي حافظ عليها لقرون متطاولة.
وتراجع دور الحوار اللغوي الذي سيطر لقرون طويلة على آلية العرض المسرحي ليتولى الجسد هذه المهمة باقتدار كشف فلسفة بدنية باحت بها الأجساد.
وهو تحول ضمن تحولات فنية لم تكن بمنأى عن التحولات السياسية والاجتماعية الجارية وبالأخص في القرن العشرين، وكان للأحزاب الثورية دور في هذا السياق التحولي، ومن جانب الفنانين حرص كثير منهم على الارتباط بالمد الثوري ليكتسبوا من خلاله أتباعاً جدداً لمناهجهم الركحية المتبلورة حديثاً، عبر تحريض العامة على التعبير ونقل مخاوفهم من داخل النفس ومن الإطار اللغوي إلى الإطار الجسدي والتعبيري، بعدم مجاوزة التاريخ بل بالارتباط به، سار المسرح في تجريب غير معهود منحه فترة ذهبية هيأت المجال لمتغيرات كبرى ستطرأ عليه في العقود التي تلت ثورات وحروب القرن العشرين.
من المسرح الأسود والبانتومايم والكوميديا الهادفة وربط السينما بالمسرح بالاستفادة من التقنيات الحديثة.
معها توسعت مساحة العرض متجاوزة المسرح التقليدي لتتخذ من المساحات المفتوحة والديكور الخفيف كوسائط يمكن عبرها نقل الأفكار وتقديم العروض وكذلك المشاركة بكمية كبيرة من الممثلين في حال استدعى النص ذلك.
وصارت العروض تتناول مواضيع غير مطروقة من قبل، مواضيع تم تجاهلها في فترات السيطرة البرجوازية على المشهد الفني، أما مع انطلاق التجريب وتشجيع الأنظمة الجديدة والأحزاب الثورية، فإن مشاهد الفساد وفضح الطبقات الحاكمة والبوح بخوالج النفس الفكرية والجنسية والمعيشية قد أخذت نصيباً من الاهتمام مع ما رافقهم من ضرورة تكوين رؤى للعروض بما لا يسبب الفتن ولا يخدش الذوق العام للمجتمع.
الإنسان العادي كبطل مسرحي
اتخذت العروض منهجاً يعتمد على الالتصاق بالجمهور ومقاربة مواضيعه المعيشية الشائكة والتي تقض مضجعه، مع ابتعاد شيئاً فشيئاً عن الطبقات الثرية، وبدأت تتكوّن قواعد من الجماهير المهتمة بهذه العروض التي لم تكتف بتقديم عروضها المنفردة بل أدى حراكها إلى تفعيل عروض مسرح الشارع بما فيه من مميزات شعبية بالغة الأهمية حيث صار صوت المسرح هو صوت الشعب، كما بدأت المهرجانات المسرحية بالظهور كعروض متعددة في جدول محدد الزمن مما منح المسرح طاقة دفعية لعرض توجهات وقضايا مختلفة متيحاً في الوقت نفسه للجماهير فرصة حضور عروض تناقش الوضع العام بأبطال يعيشون بينهم من الطبقة العاملة، وعلى عكس المسرح الشكسبيري الذي يرتكز بمعظمه على بطولة ذوي السطوة والنفوذ من ملوك وأمراء وتجار ونبلاء، تبدّلت المقامات، وبدلاً من أن يكون الجنرال هو البطل صار الخبّاز هو البطل.
وساعد التخلص من الأنظمة القديمة وانتهاء الحرب العالمية الأولى وانتصار الشيوعيين في روسيا، في انطلاقة متسارعة وانفتاح غير مسبوق في الأفكار المرحبة بالتغيير، إلا أن عدم الاستقرار ظل سائداً حتى مع النضال الثوري وانتصاراته، هذا القلق الذي أثاره عدم الاستقرار ظهرت ملامحه الواضحة بصعود الحزب النازي بقوة جبارة وبزخم ضخم مما أدى لحدوث انتكاسة مخيبة للآمال طالت جميع العالم تقريباً، وكان للحركة الفنية أن تخوض أيضاً صراعاً وجودياً هذه المرة مع الحركات المتشددة التي حملت لواء القومية ملمحة بانتهاء السلام الهش والنسبي واقتراب عصر الحروب الكبرى وهذا ما حدث فعلاً.
تأثر المسرح بصورة أساسية مما جرى، واحتاج مبدعو المسرح إلى التكيف مع الوضع الجديد، فلم تعد المساحة الفكرية متاحة لهم ليواصلوا مناهجهم التي انطلقوا فيها بحماس وبنضال هادف للتغيير، وصار مطلوباً منهم كي يستمروا أن يبحثوا مجدداً عن شيئين:
الأول هو مواضيع مسرحية تلبي طموحاتهم وتعينهم على الاستمرار.
والثاني إيجاد مساحات للعروض تسهم في تقديم مواضيعهم المطروحة، وهاتان مهمتان لم يكونا باليسر الذي توقعوه.
ورغبة منهم في التمسك بالخط العام الذي ساروا عليه وعدم الحياد عنه قيد أنملة، طرحوا قضايا الحقوق والمساواة والعدالة حتى وهم يشاهدون انهيارها أمام أعينهم، وبدلاً من أن يكون المسرح وسيلة للنهوض صار وسيلة للتعبير المأساوي العاجز عن إحداث التغيير، وبدلاً من أن يستند على حركة ثورية تروج للتغيير وتسانده، صار يستند على ما تبقى من كرامة بشرية لا تملك سوى النية الصادقة وأفكار تجد صداها على خشبة عرض يتقلص مقدارها الجغرافي والفيزيائي شيئاً فشيئاً.
مما أعاد المسرح لمواضيع كان قد غادرها لبرهة من الزمن، ظهرت الأسطورة من جديد كوسيلة تعبير يمكن من خلالها وعلى ألسنة الآلهة القدامى أن يقولوا بشكل غير مباشر ما عجز المسرحيون عن قوله مباشرة في ظل القمع السائد والخنق الممنهج لحرية التعبير، والموت الذي أطل بتباهٍ وحشي على الكرة الأرضية.
زمن مضطرب يعلو الخشبة
غير أننا في تحليلنا للمناهج المسرحية المختلفة المتبناة في العقد العشرين من قبل المسرحيين الكبار أمثال بريخت وبيتر بروك لا يمكننا أن ننزع المنهج المتبع عن السياق المجتمعي الذي فرضته تلك الأوقات بظروفها الشائكة والحيرة التي رافقت التحولات الكبرى والهيمنة الصناعية الساحقة التي استولت على مفاصل الحياة كافة تقريباً.
فبينما كانت سنوات الثلث الأول من القرن العشرين شبه ثابتة في الأسلوب المسرحي، فإن تغيرات جدية بدأت بالتبلور مع صعود الأحزاب المتطرفة في أوروبا إلى سدة الحكم، وبات المسرح يستعين بالفنون الأخرى بصورة إبداعية أكثر، حيث ظهرت الشعارات العمالية والحقوقية، كما بتنا نسمع صوت أبطال المسرحيات من عامة الناس.
مع أزمة الروح تفشت الاضطرابات العلنية الواضحة للأعين والسرية المخفية عن الأعين، وباتت الحاجة ملحة للأسلوب التجريبي كي يضم قصصاً وسيناريوهات لا تتوقف عن التجدد تلبية للأعداد المتزايدة من المشردين والمجانين والمختلين والمضطربين والقلقين والمُتعبِين.
سعى المشتغلون بالمسرح للإلمام بالحس العام وتبنّي وجهات نظره وتعقّبها لتجسيدها إبداعياً على الخشبة، وهذا ما سمح لمختلف مدارس الفن بأن يتباروا متنافسين في إظهار العامة من الحياة الهامشية إلى واجهة الحياة عبر إظهارهم أبطالاً على الخشبة.
لفترة معدودة وأمام أنظار جماهير الشعب، في المسارح المعروفة وفي الساحات العامة، ظهر الرجل العادي كبطل سوريالي، وعبثي، وعدمي، وتجريبي.
وبتنوع مدارس المسرح ووسائله، لم تعد اللغة هي ميدان التعبير الوحيد، وإذا كانت الكلمة مراقبة في بلدان كثيرة لا تؤمن بالرأي الآخر، فإن الجسد له لغته، وقد استثمر المسرحيون هذه الميزة باقتدار، لجعل الجسد هو صوت الروح المنبعث من أعماقها السحيقة، بأشكال متجددة.
وهو حتى في قيامه بممارسات غير مقبولة كالمبالغة في التحرر وتشجيع الانحلال وترويج الأفكار غير المقبولة في عموم المجتمعات فإنه ظل وفياً للصورة العامة التي أرادها، وغدا الرجل السكران ضحية لحياة قاسية لا ترحم، وصار المثلي الجنس هارباً من جحيم مجتمع يحمّله المسؤوليات الثقيلة وفقاً لتقاليد وأعراف عتيقة، فصارت ردود الفعل على غير ما اعتاده المجتمع من أبنائه، ونحن هنا لسنا بصدد التأييد أو المعارضة بقدر ما نحن نبيّن الإطار الواسع الذي اتخذه المسرحيون مبرراً للخوض في تقديم قضايا شائكة مثيرة للجدل، وكما يحدث في الحياة حدث على خشبة المسرح، لا شيء يحظى بإجماع الكل، فلكل شيء معارضة وتأييد، والحياة حلبة مناظرات لا تنتهي.
المسرح الطويل العمر، المسرح العجوز يستعيد شبابه بفعالية تستحق الإعجاب، أحفاد المؤلفين الأوائل واصلوا مسار الرحلة، وها هي الستارة ما إن تنغلق معلنة انتهاء عرض ما، فهي سُرعان ما تفتتح معلنة انطلاق عرضٍ جديد.

ذو صلة