لم يتوقف العقل البشري منذ القدم عن البحث في المناهج والمعارف التي تمكّنه من رؤية صياغة جديدة للواقع الإنساني، ومواكبة حركة الثقافة والعلوم المتجددة على الأرض، لردم الهوة المعرفية والثقافية بين شعوب العالم، والخروج بلغة متقاربة لتعايش الحضارات.
ويقتضي تداول هذه اللغة ثورة معرفية وثقافية تثري مختلف العلوم والثقافة والفنون بمفردات حديثة، ورؤية معاصرة تنسجم وروح العصر ومكتشفاته وأدواته ومفاهيمه المُتجدِّدة، وفي كافة المجالات من الفلسفة إلى الاقتصاد والجغرافيا والسياسة والطب والفنون وسائر النشاطات الإنسانية.
ولا بدّ من التأكيد على أنّ التاريخ الإنساني يزخر بالأفكار والرؤى المُتجدِّدة، التي صنعتْ العديد من الحضارات البشرية المتنوِّعة والمدهشة، والحافلة برموز غنية من الموروث والأساطير والمعتقدات الإنسانية، وقد انتقلت إلينا منذ قرون بعيدة عبر صفحات التاريخ، والرُقُم والألواح الفنية، والرسوم والإشارات على جدران الكهوف. وإذْ ظهَرَ تداخل بين بعض المعارف والعلوم والأجناس الثقافية والفنية مع مرور الزمن، وباتَ من العسير فكّ الاشتباك فيما بينها، لذا فقد برزت الحاجة إلى رصد هذه النشاطات الإنسانية، وإعادة قراءتها وتحليلها، لتوضيح جذور الترابط العضوي الناظم لمسارها الجماعي في الحياة.
ولم يطلِ الأمر لتفكيك التداخل بين المعارف والعلوم والثقافة والفنون، إذ انبرى لهذه المهمّة العديد من المُفكّرين والباحثين حول العالم، وفي المملكة العربية السعودية صَدَر كتاب لافت بعنوان: (قضايا معاصرة.. في الفن التشكيلي والفكر الاجتماعي والنفسي)، أعدّه تحالف مُتجانس من النُخبة الفكرية، ضمّ كلّاً من: د.عبدالحليم رضوي – د.أبو بكر باقادر – د.أكرم طاشكندي. ورغم قِدَم البحث وشيوع الفكرة واتِّساعها، إلّا أنّ المضمون الوافي للكتاب، ومنهج بحثه وتوثيقه وإعداده المُحكم، جعله في مصاف المراجع التي تتناول دراسة النمو الجمالي، وطبيعة القضايا الاجتماعية المعاصرة، وتحليل الإمكانيات القابلة للتطوّر، والقابليات الأخرى التي تخضع لحُكم المحيط، إلى جانب الإشارة الصريحة إلى أهم العوامل التي تُحدّد مستويات النجاح في الدراسة أو المهنة أو الحياة بوجه عام.
يفتتح الكتاب الدكتور رضوي بقضايا معاصرة في الفنون التشكيلية، ويعود إلى ما قبل ثلاثين ألف عام، حيث تمّ الكشف في كهوف (تامرا) بإسبانيا على رسوم بدائية تُمثّل بداية التاريخ للفن التشكيلي، ثم ظهور الفنون اليونانية والرومانية في الغرب، بينما في الشرق فقد كانت هناك اتجاهات فنية في الصين والهند واليابان، وفي الشرق الأوسط كانت هناك حضارات قديمة مثل الحضارة البابلية والفينيقية والفرعونية. وجاء عصر النهضة في إيطاليا الجديدة عام 1500م حيث ظَهَرَ فيها عباقرة الفن أمثال: دافنشي وأنجلو ورافائييل وبرنيني وبروميني، واستمرت الكلاسيكية الفنية حتى نهاية عام 1800م.
ويوضح الرضوي ماهيّة الفنون الجميلة، ويُعرِّفها بأنها لغة عالمية لا تحتاج إلى مترجم أو دليل، بل هي لغة تخاطب مشاعرنا الفيّاضة المُرهفة، وعقولنا الواعية المُتدرِّبة التي تبحث عن أشياء جديدة مُبدعة وجذّابة، ليشعر الإنسان بين تياراتها العذبة بالراحة النفسية والطمأنينة والسلام. ويؤكّد الكاتب بأنه لا يمكن لأي أُمّة مهما تطوّرت في مجال ما أن تستغني عن أُمّة أخرى.. وعن الفن والأهداف الإنسانية الشاملة، يرى بأنه لا بدّ أن يتدرّب إحساس الإنسان وفكره، لأنّ الأعمال الفنية الجمالية والإنسانية هي عبارة عن نسيج لما هو موجود في الحياة، وما يختلج في أعماق الإنسان الفنان.. ولا بدّ للناس من فَهمها، والتفاعل معها، والإقبال عليها بمشاعرهم لتطوير مفهوم مظاهر الحياة.
ويُضيف الرضوي رؤيته بالحديث عن وحدة المشاعر الإنسانية، وشمولية التفاهم بين الأمم، ودور الفنون في المجتمع، والقِيَم الجمالية في الفنون التشكيلية، والاتجاهات الفنية ومراحل تطوّرها، والفن والأهداف الإنسانية، والمطالبة بأكاديمية للفنون الجميلة في المملكة. وهناك عناوين أخرى ذات صلة بموضوعة الفن ودوره، مثل: ضرورة الفن لبناء الحضارة، وخلق الإنسان عجولاً، عنوان يبحث في استعجال الشهرة لدى بعض الفنانين، وتأثّر الأعمال الفنية بالحياة الإنسانية، وسؤال عن البُعد الفاصل بين الإنسان العربي والفنون الجميلة، ورؤيته للحياة عندما تُصبح لغزاً مُحيِّراً، وأثر الفاعلية والإثارة في تربية الطفل، وشَكْلِ البناء الحضاري الإنساني، ورحلة إلى طوكيو، ووجهات النظر الجمالية والفنية.
ويُكمِل الدكتور باقادر البحث حول القضايا المعاصرة في العلوم الاجتماعية، فيعالج بداية مسألة الأقلِّيات المُسلمة وحقوق الإنسان، ثمّ يرصد حركة المرأة العربية في الدراسات الببليوغرافية، كما يتناول أَسْلمة العلوم الإنسانية، وأهمية العلاقة بين الوسط الثقافي والفكري، ويطرح بإيجاز مسألة الآثار الاجتماعية والاقتصادية لهجرة العمالة الأجنبية إلى بلدان النفط. إلّا أنّ الدكتور باقادر حلّق بعيداً عن قضايا العصر، وبحث مُشكلات عامة تنطبق على عموم المجتمعات في مختلف مجالات الحياة، دون أن يُشير إلى السِمات الخاصة التي يتميّز بها مجتمع عن غيره.
ويختم الدكتور طاشكندي الكتاب بالحديث عن القضايا المُعاصرة في العلوم النفسية، ويبدأ بالذكاء والقابليات، ويشرح بعمق معاني الذكاء، وأدوات قياسه، واختباراته المتداولة، ومستوياته المختلفة، ومؤشِّرات النضوج العقلي، والنابغون فكرياً، وأهمية مساعدة الأطفال الموهوبين.. وينتقل في فصول أخرى إلى تفصيل أثر الوراثة وتأثير البيئة في الأفراد، وقانون الوراثة، ثمّ الطبيعة مقابل البيئة، وسيكولوجية الطفولة. ومن الملاحظ أنّ موضوعة الدكتور طاشكندي تقترب في بعض أجزائها من سياق البحث في الحداثة والمعاصرة بمنهج فلسفي يجمع بين الواقع والمُتخيّل.