يبدو هذا السؤال منطلقاً أساسياً في رفض فكرة التدريب والورشات التي تقام لتعليم الكتابة (شعر وقصة ورواية ونص مسرحي)، ويعتبر البعض هذا السؤال بمثابة تأكيد لوصف ورشات تعليم الكتابة بالعبث إن لم تُوسم بالمخادعة.
لكن عند أخذ هذا السؤال دون تحيز إلى آراء مسبقة سواء بالسلب أو الإيجاب نجد أن هناك الكثير مما يمكن أن يقال عن برامج التدريب وورشات الكتابة الإبداعية، والتشعبات المرتبطة بالكتابة والإبداع بشكل عام. ويمكن الانطلاق في هذا بداية من فكرة الكتابة والإبداع، فالكتابة بوصفها من أدوات التعبير -عن أنفسنا بدرجة رئيسة ونقل أفكارنا وتجاربنا ومعارفنا إلى الآخرين- فهي تنطلق من مكنونات داخلية لا يمكن التحكم بها بدرجة مطلقة، فالكاتب أحياناً يندفع في كتابة عشرات الصفحات بسلاسة، وأحياناً يعجز عن كتابة عدة أسطر ويظل يعاني لفترة قبل أن يأتيه (الإلهام) -كما يسميه بعض الكتاب- وأحياناً تكون مشكلته في نقطة البداية في الكتابة وأحياناً في كيفية كتابة النهاية، وأحياناً في كيفية الاسترسال فيما يكتب صعوداً وهبوطاً! كذلك أحياناً تأتيه فترة يعجز فيها تماماً عن كتابة أي شيء جديد، والكاتب في كل ذلك لا يستطيع إعطاء أسباب دقيقة لهذا! ويعزو البعض سبب هذا التذبذب لفقدان الشغف أو ازياد الرغبة بالتعبير أو لدرجة التمكن من فكرة الموضوع الذي يُراد الكتابة عنه أو للحالة النفسية التي تدفع الكاتب للكتابة أو تبعده عنها، والبعض يُعيد هذا لتقلبات (الموهبة) من بزوغها إلى نموها إلى فقدانها! والموهبة هنا هي الشرط الرئيس الذي يتخذه المناهضون لفكرة ورشات تعليم الكتابة، فهم يرون أن الموهبة وحدها كافية لإظهار الكاتب الحقيقي من مدعي الكتابة، وأنه مهما تلقى -من يمارس الكتابة- من دعم فهو لن ينجز شيئاً دون أن تكون لديه موهبة. كذلك الرافضين لفكرة تعلم الكتابة يستندون في رفضهم إلى جانب آخر مرتبط بفكرة الإبداع نفسها، فالأساس الأول والأخير في عملية الإبداع هو الإتيان بالجديد، فلا إبداع دون جديد، والجديد يفترض أن ينبع من الكاتب نفسه وبالتالي لا يمكن تعليمه في ورشات تدريب الكتابة، فما ينتج عن تلك الورشات سيكون تقليداً لما تم أخذه فيها، وبالتالي لا يمكن تقديمه كإبداع حقيقي، وهذا يؤكد صواب نظرتهم تجاه ورشات تعليم الكتابة. كذلك الغموض وجاذبية السحر المرتبطة بالكتابة تفقد الكثير عند وضع الكتابة تحت الضوء والدراسة، ويفقد النص نكهة العنفوان البري.
في الجهة المقابلة يرى المشتغلون في ورشات الكتابة أن ما سبق جزء من الصورة، وأن الصورة تحوي أجزاء أخرى، ويؤكدون أن برامج تدريبات الكتابة التي يقومون بها تساعد على نضج الكُتّاب الذين يشاركون فيها، وتوفر عليهم الوقت والمعاناة وتساعدهم في إبراز كتاباتهم. وهم ينطلقون في دفاعهم عن ورشات الكتابة من أن ورش الكتابة مثلها مثل دورات تعليم اللغات، وهم يقدمون هذا التصور بناءً على اعتقادهم أن كتابة القصة والرواية والنص المسرح والسيناريو هو شكل من أشكال اللغة، لغة لها أبجدياتها وإطارات تحكمها، وهم لهذا يتعاملون مع المتدربين في ورشات تعليم الكتابة كأنهم يعلمونهم لغة أخرى، وينطلقون في إثبات هذا من نقطة الأساس التي تحكم عملية الكتابة، فالكتابة هي تجسيد لرغبتنا وحاجتنا للتعبير عن أنفسنا، أيضاً الكتابة تعد جهداً إنسانياً ممتداً يستفيد التالي من تجربة الأول، وهذه هي نقطة البداية التي يرتكز المدربون عليها في تقديمهم لورشات التدريب في الكتابة، ففي بداية التدريب يتم الغوص مع المتدربين في أبجدية كل فن كتابي (قصة - رواية - نص مسرحي - سيناريو) وكيف يمكن استخدامها للتعبير عما نريد بشكل قصصي أو روائي أو مسرحي أو سيناريو، فكل مجال منها له قواعده المتعارف عليها وطريقته في الكتابة، فالسرد يختلف عن الشكل المسرحي عن شكل السيناريو، وفي هذا الإطار قد تشكل -خلال تراكم الأعمال والإصدارات خلال السنوات الكثيرة الماضية- ما يشبه القواعد التي تنظم الكتابة فيها، ومعرفة هذه القواعد تساعد بشكل كبير الكاتب الناشئ أو المبتدئ أو الراغب بتعلم حرفة الكتابة، وهذه القواعد لا تقتصر على الشكل الذي تُكتب فيه القصة أو الرواية أو النص المسرحي أو السيناريو من حيث التبويب وشكل الصفحة وطريقة السرد واستخدام الضمائر والمسار الذي تسير عليه الكتابة من البداية مروراً بالمنتصف وصولاً إلى النهاية، بل تمتد هذه القواعد إلى الأثر الذي ينتظر أن تحدثه الكتابة على المتلقي، وكيفية الاستفادة من ركام خبرات تجارب الكُتّاب الآخرين. وهذه الورشات توفر على الكُتّاب الجدد في تجربة الكتابة فهي توفر عليهم جهداً ووقتاً كبيراً كانوا سيبذلونه في تجربتهم الكتابية عبر اختبار صواب وخطأ ما يقومون بكتابته، وتجربتهم داخل ورش الكتابة تمنحهم فرصة للانطلاق من نقطة أعلى وبالتالي منحهم فرصة أفضل للاشتغال على كتاباتهم وتطويرها مستفيدين من تجارب من سبقهم في الكتابة.
أما مسالة هل تصنع ورش الكتابة كتاباً، فالافتراض الأساسي يصب في أن كل إنسان قادر على أن يكون كاتباً إذا امتلك الأدوات وأدرك كيفية استخدمها، مثله مثل الصياد أو الحداد أو الصانع، طبعاً هناك فروقات بين صانع وآخر، لكن في المحصلة النهائية الموهبة والقدرة الداخلية هي أشياء لا يمكن قياسها أو معرفتها أو حتى إدراك كيفية تشكلها داخل الإنسان ولا كيف تنمو أو تخفتْ فيما بعد! كذلك من جهة أخرى لا توجد مقاييس محددة ثابتة تحكم شكل عالم الكتابة، بل إن كسر المتعارف عليه والإيتاء بالجديد أساسي في وسم الكتابة بالإبداع، وفي هذا الإطار ورش الكتابة تكون (عاملاً مساعداً) يهيئ للكاتب المبتدئ خيارات أكثر وتزيد من معارفه حول الكتابة والإبداع بما قد يساهم في صقل تجربته بشكل أفضل، فهي تعرفه على طرق للتغلب على مشاكل الكتابة بداية من تحديد الفكرة التي يريد كتابتها وصياغة تلك الفكرة بالشكل الأدبي الذي يريده الكاتب، مروراً بكيفية كتابة البداية وما يتبعها من مشاكل التدفق في الكتابة للوصول إلى خاتمة للنص المكتوب.
وفي ورش الكتابة أنت ترمي بالورقة ومن يستطيع الإمساك بها سيكتب عليها، ومهمة مدربين عالم الكتابة هي إيقاظ ما يمكن إيقاظه والجزء الأكبر يقع على عاتق المتدرب في الاشتغال بالكتابة بعد ذلك أو البحث عن مجال آخر يعبر به عن نفسه. أيضاً -ومن خلال الورشات- هناك من المتدربين من ينتبه إلى القوة التي تمنحها الكتابة، ويشعر أنه كان بحاجة إلى من يخبره وينبهه إلى عالم الكتابة، ويُريه الباب ليتمكن من الدخول عبره إلى ذلك العالم الواسع.
لكن للورشات جوانب أخرى تتعدى استفادة المتدربين، فالمتدرب ليس فقط هو المستفيد الوحيد من هذه الورشات فمدرب الكتابة أيضاً يستفيد من خلال تنفيذه للتدريب في الورشات الكتابية، فأولاً المدرب -الكاتب- عند إعداده للمادة التدريبة الخاصة بورشة الكتابة يقوم باسترجاع حصيلته من معارفه حول الكتابة ويراجع بعض المصادر المتعلقة بالكتابة والإبداع، وفي خضم هذا كله يقوم بتنظيم أفكاره عن الكتابة ويربط (بشكل واعي) ما يقوم به -عادة- في اللاوعي أثناء قيامه بالكتابة الإبداعية، ويستكشف أبعاد ربما لم يكن ينتبه إليها أثناء كتاباته الأدبية، وهذا التعمق في (الكتابة) يعزز من قدرته في الكتابة الإبداعية، ويفتح له آفاقاً أوسع في عالم الكتابة.
كذلك -أثناء التدريب- يغوص المدرب في عالم الكتابة وبمشاركة المتدربين وأسئلتهم -التي تدور حول الكتابة وما يحيط بها- يغوص في تجربته الكتابية ويستمد منها إجابات ورؤى للأسئلة التي يحملها عن الكتابة. وأثناء مراجعته للنصوص التي يكتبها المتدربون يتعرف المدرب على مشاكل الكتابة سواءً في شكل الكتابة وطريقتها أو محتوى تلك الكتابات ودرجة انتسابها للكتابة الإبداعية، وهذه التجربة تنعكس عليه فيما سيقوم بكتابته بعد ذلك.
لذا في بعض الأحيان تكون حماسة المدرب -الكاتب- للورشات أكثر من المتدربين أنفسهم.
مع هذا ما تزال ورش الكتابة محدودة في عالمنا العربي، والدعم الموجه لها ما يزال أسير نظرة الريبة نحوها، لكن مع دخول التكنولوجيا في عملية الكتابة والتطور الهائل في برامج الذكاء الاصطناعي بما يسمح بكتابة نصوص أدبية مولدة عبر الذكاء الاصطناعي سيساهم في التركيز على الكتابة الإبداعية الحقيقية والتفريق بينها وبين ما تقدمه روبوتات الذكاء الاصطناعي، وهذا ما سيزيد من الدعم للجهد البشري في الكتابة ومنها ورش الكتابات الإبداعية.