مجلة شهرية - العدد (593)  | فبراير 2026 م- شعبان 1447 هـ

أحمد شوقي.. عالم الوراثة الذي علمنا أن نترجم الحياة

لم يكن خبر رحيل أستاذ علم الوراثة المصري الدكتور أحمد شوقي حسن مجرّد سطر حزين في فضاء مواقع التواصل أو هامش في صفحة وفيّات، كان - بالنسبة إلى كثيرين من تلاميذه وزملائه وقرّائه - لحظة صمتٍ ثقيل، بدا فيها المشهد العلمي والثقافي في مصر والعالم العربي أقلّ امتلاءً بذاك النوع النادر من العلماء الذين يجمعون بين دقّة المختبر، ودفء المعلّم، وسمت المثقف المسؤول. برحيله فقدت الجامعات المصرية واحداً من أعمدتها الراسخة في مجال الوراثة، وفقدت الثقافة العربية صوتاً هادئاً عميقاً آمن أن العلم لا يكتمل إلا إذا وصل إلى الناس بلغتهم.
أستاذ الوراثة.. ومسار علمي يفتح الأبواب
ينتمي الدكتور أحمد شوقي إلى جيل من العلماء الذين حملوا على عاتقهم تأسيس علم الوراثة وتطويره في الجامعات المصرية. فقد عمل أستاذاً لعلم الوراثة بكلية الزراعة في جامعة الزقازيق، وظلّ سنوات طويلة مرجعاً أكاديمياً في هذا التخصص، يدرّس للأجيال المتعاقبة أسس الوراثة الكلاسيكية وحديث الجينوم والهندسة الوراثية.
لم يكن مجرّد عضو في هيئة التدريس، بل شارك في تأسيس وتقوية شعبة الوراثة والهندسة الوراثية داخل الكلية، وأسهم في أعمال اللجان العلمية على مستوى الجامعات، بما جعل اسمه حاضراً في خرائط البحث العلمي والتخطيط الأكاديمي في مصر.
ومن بين إسهاماته الفكرية التي تجاوزت أسوار الجامعة كتابه (علم الوراثة: نحو تعريف جديد)، الذي لم يخاطب المختصين فحسب، بل حاول أن يقدم للقارئ العربي رؤية ميسرة لمفهوم الوراثة وتحوّلاته، وكيف أصبح هذا العلم بوابةً لفهم الحياة والأمراض والغذاء والمستقبل نفسه. هكذا تمدّد حضوره من مدرّج الجامعة إلى رفوف المكتبات ووعي القرّاء.
في قاعة الترجمة العلمية.. بداية علاقة تلميذ بأستاذه
بالنسبة إليّ، لم يبدأ الدكتور أحمد شوقي بوصفه اسماً في مقالات الصحف أو غلاف كتاب، بل بدأ كأستاذ في قاعة صغيرة لدورة عن الترجمة العلمية نظمها (المركز القومي للترجمة). دخل القاعة وهو يحمل بين يديه مراجع أجنبية وأوراقاً مليئة بالملاحظات، لكن صوته لم يكن صوتاً جافاً يتلو مصطلحات معقدة، بل صوت من يرى أن اللغة العربية شريك أصيل في إنتاج المعرفة، لا مجرد وسيط ثانوي.
كان يشرح لنا كيف يمكن لجملة في نصٍّ إنجليزي عن الجينات أن تفقد معناها إذا نُقلت حرفياً، وكيف أن الترجمة العلمية هي تمرينٌ مستمرّ على الفهم قبل النقل، وعلى بناء جملة عربية دقيقة وواضحة في آن واحد. كان يكرّر علينا أن المترجم العلمي ليس (ظلّاً) للنص الأصلي، بل قارئٌ نقديّ يختبر المفاهيم ويتأكد من سلامة الاستدلال، ثم يقدّمها للقارئ في لغة شفافة تحترم عقله ووقته.
في الترجمة العلمية، كان يكرر أنَّ (المعركة ليست مع المصطلح.. بل مع الصورة الذهنية عن اللغة العربية). كان يدفعنا لأن نكتب العربية بجرأة ووضوح، وأن نطوّر لغة علمية عربية حديثة تُبنى على الفهم والبحث، لا على النقل الحرفي.
أذكر أنه كان يصرّ على أن أنشر في مجال الثقافة العلمية، وأن أقدّم للقارئ العربي نصوصاً تبسّط العلم دون أن تبتذله. كان يرى أن المستقبل سيُكتَب لأولئك الذين يجيدون الربط بين المختبر واللغة.
في تلك الدورة، لم أتعلم فقط كيف أبحث عن المصطلح الصحيح، بل تعلّمت معه نوعاً من الأخلاق المهنية: أن أقاوم الإغراء السهل للنسخ، وأن أواجه النص بالسؤال، وأن أستحي أن أوقّع اسمي على ترجمة لم أبذل فيها جهداً لائقاً.
مقاهي فيصل.. حين صار المستقبل موضوعاً يومياً
بعد انتهاء الدورة، لم ينقطع خيط العلاقة. كنا نجلس أحياناً في مقهى متواضع في منطقة فيصل، حيث تختلط ضوضاء الشارع برائحة القهوة وصوت مباريات كرة القدم على الشاشات. هناك، بعيداً عن المنابر الرسمية، كان وجهه الإنساني والعلمي يزداد وضوحاً.
في هذه الجلسات، لم يكن الدكتور أحمد شوقي يكتفي بالحديث عن محاضراته أو أبحاثه، بل كان يفتح أمامي وأمام من يرافقني من الزملاء باباً واسعاً على (الدراسات المستقبلية) وعلى سؤال: كيف يمكن للبحث العلمي أن يصنع فارقاً حقيقياً في حياة الناس؟ كان يرى أن علم الوراثة، بكل ما يحمله من وعودٍ في مجالات الزراعة والصحة والبيئة، لا بد أن يرتبط برؤية مستقبلية للبلاد، وإلا تحوّل إلى مجرّد ترفٍ أكاديمي.
كان يبسط على الطاولة خريطة ذهنية للعالم: جامعات، مراكز بحث، مجلات متخصصة، مؤتمرات دولية، ويقول لنا بهدوئه المميّز إن مكان الباحث العربي محفوظ في هذه الخريطة، شريطة أن يأخذ نفسه بالجدّ، وأن يواصل التعلّم بلا كلل، وأن يتعامل مع اللغة الأجنبية كنافذة، ومع العربية كبيت يعود إليه ليكتب فيه ما تعلّمه من العالم.
في إحدى تلك الأمسيات، قال لي - وكأنه يلخّص فلسفته في الحياة - إن المترجم العلمي الجادّ قد يكون أحياناً أكثر تأثيراً من الباحث نفسه، لأنه يفتح أمام قراء العربية أبواباً كانت موصدة، ويمنح طالباً في قرية نائية فرصة أن يعرف ما يدور في المختبرات الكبرى.
المعلم والمربي.. حين يكون التشجيع شكلاً من أشكال العلم
لم يكن الدكتور أحمد شوقي يدرّس المفاهيم والمقررات فحسب، كان يدرّس الثقة. كثيرون من طلابه يذكرون كيف كان يشجعهم على تقديم أبحاثهم في مؤتمرات، أو مراجعة مقالاتهم قبل نشرها، أو كتابة رسائل تزكية لهم. كان يؤمن أن دوره لا ينتهي عند باب القاعة، بل يستمر في متابعة خطوات طلابه وهم يشقون طريقهم في الجامعات ومراكز البحث داخل مصر وخارجها.
في مجال الترجمة العلمية تحديداً، كان يرى أن المعركة الحقيقية ليست مع المصطلح، بل مع الصورة الذهنية عن اللغة العربية نفسها. كان يرفض فكرة أن العربية عاجزة عن مواكبة العلوم الحديثة، ويؤكد أن المشكلة في الكسل البحثي لا في اللغة. لذلك كان يحثنا على قراءة نماذج عربية رصينة في تبسيط العلم، وعلى المزاوجة بين المصطلح الدقيق والشرح السلس، حتى لا ينقطع الخيط بين المختبر والقارئ العادي.
من خلال كتبه ومقالاته ومشاركاته في أنشطة ثقافية وعلمية مختلفة، ساهم في نشر ثقافة علمية أكثر نضجاً، تربط الوراثة بقضايا الغذاء والصحة والبيئة، وتقدمها بعيداً عن المبالغات أو التهويل، في سياق يوازن بين الأمل والمسؤولية.
إنسان بوجهين متكاملين.. صرامة العلم ورقّة القلب
ما كان يميّز الدكتور أحمد شوقي - في نظري - أنّه نجح في أن يجمع بين صرامة العالم ودقّته، وبين رقّة الإنسان وشفافيته. في قاعة الدرس كان حازماً في ما يتصل بالمنهج والوقت واحترام قواعد البحث، لكن في الحديث الشخصي كان يغدو صديقاً أكبر سناً، يصغي أكثر مما يتكلم، ويسأل عن أحوال الأسرة والعمل، ويطمئن إلى أن الطالب لا يرهق نفسه فوق طاقته.
كثيرون ممّن كتبوا عنه بعد رحيله أشاروا إلى هذه الخلطة النادرة: عالمٌ ينهض باكراً إلى الجامعة أو المختبر، ثم يعود إلى بيته أو حيه الشعبي وهو يحمل في قلبه محبة هادئة للناس، مؤمناً أن العلم إذا لم يُترجَم إلى رحمة وعدل وخدمة للمجتمع، فقد جوهره الحقيقي.
في حضرته، كان المرء يشعر أن الاحترام لا يُفرَض بسلطة المنصب أو الدرجة العلمية، بل يُكتسب بالمعرفة المتواضعة، وبالقدرة على أن تبقى طالباً حتى وأنت أستاذ.
خاتمة.. لكي لا تنقطع السلسلة
برحيل الدكتور أحمد شوقي حسن، أشعر - ككثيرين من تلاميذه - أن سلسلةً من الضوء انطفأت إحدى حلقاتها، لكن باقي الحلقات ما تزال معلّقة في الذاكرة وفي ما تركه من أثر. كلّ نصّ أترجمه اليوم في مجال العلم، وكلّ نقاش أخوضه مع طالب شاب حول معنى الدقّة والصدق العلمي، يحمل في خلفيته صدى صوته في قاعة الترجمة وجلسات مقاهي فيصل.
قد لا نستطيع أن نردّ له بعض فضله، لكن بإمكاننا أن نجعل من سيرته منهجاً: أن نأخذ العلم بجدّيةٍ بلا تجهّم، وأن نكتب العربية بثقةٍ بلا ادّعاء، وأن ننظر إلى المستقبل لا بوصفه قدراً غامضاً، بل مجالاً لصناعة واعية يشارك فيها الباحث والمترجم والطالب على السواء. هكذا فقط تواصل الأجيال حمل الشعلة التي أضاءها علماء مثله. فسلامٌ على روحه في عليائها، وسلام على كل طالب وباحث ومترجم سيقرأ اسمه يوماً ما في كتاب أو مقال، فيعرف أن وراء كل سطر علمي متقن، أستاذاً مخلصاً مثل الدكتور أحمد شوقي، آمن أن الحياة نفسها يمكن أن تُقرأ.. وأن تُترجَم.

ذو صلة