قد لا يختلفُ اثنان على محبّة أدب الأطفال، فلو فتح كلٌّ منّا قلبه الآن، سيجد قصّةً ما زالت تختبئ في أعماقه، تُنعشُ روحه، وتلهمه حتى هذه اللحظة. من هنا، نتّفق جميعاً على أن أدب الأطفال، وبخاصة القصّة، ليس ترفاً، بل هو جسرٌ سحريّ يصل إلى الطفل، يشدُّ انتباهه، يلامس يومياته الصغيرة، يضيء مشكلاته البريئة، ويحاكي أحلامه البعيدة.
القصة الموجّهة للطفل قادرةٌ على أكثر من ذلك؛ فهي تُلهم، وتبني، وتُرمم، وتنمّي فكر الطفل ولغته وعلاقاته الاجتماعية، لتسهم في صياغة إنسانيته الكاملة. ولذلك لم يعد السؤال عن أهمية القصة مطروحاً اليوم، بل السؤال الحقيقي هو: كيف نكتب لطفل اليوم؟ وكيف نؤثّر فيه معرفياً وقيمياً وجمالياً لنصنع إنسان المستقبل؟
طفل اليوم مختلف، يرفض القيود، ينفر من التسلّط والوعظ، يملك خيالاً واسعاً، سريع التساؤل، قليل الصبر، يفتنه كل جديد، ويتوق للتفاعل. إنه يعيش غربةً قاسية، سببها انشغال الأهل بين أعباء الحياة ومغرياتها. أما الطفل السوري على وجه الخصوص، فقد وُلد وعاش وسط الأزمات، فما جدوى الخطاب الوعظي معه؟ كيف نقنعه أن مشكلاته ستحلّ بلمسة مارد سحري، بينما هو غارق في عالم التكنولوجيا وتحديات الواقع؟
من هنا، يجب أن نفهم أن الكتابة للطفل ليست مجالاً مفتوحاً لكل من لم يجد مكاناً له في أدب الكبار، بل هي ميدان يحتاج إلى موهبة خاصة، وإلى ملكات إضافية، وقدرة على التكثيف، وخيال مُدهش، ووعي إستراتيجي ينظر إلى المستقبل.
كاتب الأطفال الحقيقي ليس مجرد راوٍ للحكايات، بل هو ساحر بارع يبتكر عوالم ممتعة تحمل في طيّاتها القيم والمعرفة والجمال. والأهم أن نصّه لا يُلقّن الطفل، بل يجعله شريكاً في الاكتشاف، والحوار، وحلّ العقدة. ولذلك، فإنني أضع أمام نفسي وأمام كل كاتب للأطفال معايير واضحة وشفافة:
- عودة الطفل إلى الكتاب بشغف: وذلك لا يتحقق إلا من خلال نصّ قريب من عالمه، يتماهى مع يومياته، ويجعله يشعر أنه جزء من الحدث.
- تمكين الطفل من لغته العربية: فاللغة هويته. يجب أن تكون النصوص بسيطة، رشيقة، غنية بالدهشة، بعيدة عن الحشو، قريبة من نبض الحياة.
- بناء طفل إيجابي مبدع: يمتلك مهارات التفكير والحوار، قادر على التفاعل والتعبير، حساس ومبادر، ليكون في المستقبل إنساناً فاعلاً متوازناً.
- ترسيخ الهوية الثقافية والوطنية: القصة يجب أن تنبع من بيئة الطفل ومجتمعه، تعكس تراثه، وتُظهر قيمه وقضاياه، ولكن بصدق وطبيعية، لا بشعارات جافة.
إن القصة الموجّهة للطفل جنس أدبي قائم بذاته، له شروطه ومقوماته، وأهدافه الواضحة. وهي، حين تُكتب بصدق وإبداع، قادرة على أن تعيد لأطفالنا علاقتهم الحميمة بالكتاب، وتغرس فيهم القيم والمعرفة والجمال، ليصبحوا غداً البذرة الطيبة لإنسان المستقبل الذي نحلم به.