يضع الصيني لمسة ثقافية خاصة به على تقاليد التسوق المعاصرة، تلك التقاليد الغربية النشأة، لهذا، وأمام الزحف الأصفر التجاري تتقاعس ثقافة التسويق والتسوق الغربية إلى الوراء تاركة غريمها الآسيوي يؤسس تقاليد جديدة في إطار اقتصاد السوق.
ولجهة التطورات الآنية، أحدث الذكاء الاصطناعي تغييراً عميقاً يضاهي ما أحدثه ظهور المطبعة، ولعل التسمية التي خرج بها المنتدى الاقتصادي العالمي بدافوس (سويسرا) المنعقد عام 2016 أصاب كبد الحقيقة لمَّا نعته بـ(الثورة الاصطناعية الرابعة)، هي ثورة مختلفة كلياً وجذرياً عن كل الثورات النوعية التي عرفتها البشرية، لأن طبيعة الذكاء الاصطناعي عابرة للحدود وتخترق جميع المجالات وتؤثر في المجتمعات، ثورة تكنولوجية قلبت حياة الأفراد والدول رأساً على عقب، فهي حتماً ستؤثر على الاقتصادات العالمية، وبالتالي على الإنتاجية، والنمو الاقتصادي وأسواق العمل. فالاعتماد الكُلي على الذكاء الاصطناعي لما يختزنه من فوائد وفرص هائلة للتنمية وجني الأرباح الطائلة لفائدة الشركات والدول المحتضنة لها هو السبيل المعاصر لتمتين الاقتصادات وتحصينها ضد الأزمات والتقلبات.
تعريف الذكاء الاصطناعي المتفق عليه إلى حد كبير يتحدد في التالي:
يشير الذكاء الاصطناعي إلى محاكاة الذكاء البشري في صميم الآلات، يشمل ذلك إنشاء خوارزميات وأنظمة تمكن الآلات من أداء مهام تتطلب عادة ذكاء بشرياً، مثل التعلم، وحل المشكلات، وفهم اللغة الطبيعية، والإدراك، إذ الهدف من الذكاء الاصطناعي هو تطوير آلات يمكنها تقليد الوظائف الإدراكية البشرية والتكيف مع مختلف الظروف.
الذكاء الاصطناعي سلاح الحاضر والمستقبل
عسكرة تقنيات الذكاء الاصطناعي لا مهرب منها، رغم ما لهذه الاختراعات التكنولوجية المتقدمة جداً من استخدامات مدنية متعددة الأغراض والمجالات التي تخدم البشرية وتعمل باستمرار على تحسين أنماط العيش لترسيخ مزيد من الجودة والرفاهية في الحياة المعاصرة، وبديهي أن للعسكرة وجهان:
وجه حربي صِرْف.
وجه متعدد الاستخدامات في عدد من المجالات يمنح للحرب أبعاداً تجارية شاملة (التجارة هي المال والمال عصب الحياة).
تصاعد وتيرة منجزات شركات إنتاج الذكاء الاصطناعي تبهر الأفراد والجماعات على حد سواء، وتُرعب الدول المتقدمة منها والنامية، وكلاهما يحاولان اللحاق بهذا الرَكْب المستجد المذهل والمتسارع بجنون.
الصينيون صدموا الولايات المتحدة الأمريكية رائدة التطور التكنولوجي والاقتصادي في العالم إلى وقت قريب بضربة قاصمة، ضربة المارد الرهيب المُبتكِر أتتْ بأقل تكلفة مالية وبأقل كمية من الرقائق الإلكترونية المتوفرة (نتيجة الحصار المفروض من الإدارة الأمريكية على الصين عبر منع شركات البلاد بشأن تصدير الرقائق إلى شركات بيجين).
ضربة التنين الصيني تسببت في خسائر فادحة ومهولة لكبريات الشركات المستثمرة في الاقتصاد الرقمي الرهيب، قبل أن يبدأ الصينيون في سحب البساط تدريجياً عبر الهيمنة على أسواق العالم بإغراقها بالسِلع والبضائع المتنوعة الأغراض من الهواتف الذكية والحواسيب المتطورة إلى قطع الأثاث والملابس الجاهزة، فالصين منذ عقود قصيرة خلت، غزت السوق الأمريكية وجارتها الكندية. موازاة مع غزوها للسوق الأوروبية وكل أسواق المعمورة بالتأكيد، فعلى الصعيد الداخلي في بلد العم سام، تبدو جلياً درجة إدمان المواطن الأمريكي على شراء الماركات الصينية التي يحتاجها في حياته اليومية، إذ لم يعد يستغني عن هذه المنتجات التي لا تصنعها شركات بلده بالجودة والوفرة اللتان يبرع الصيني في إنتاجهما.
لهذه الأسباب وغيرها، يشُنُّ دونالد ترامب حرباً تجارية محمومة على الصين، في محاولة من صناع القرار الأمريكي لاسترداد تقاليد التسويق والتسوق الغربية، وانتزاع الريادة الربحية، لكن هل نمط الإنتاج والتصنيع الأمريكي له القدرة على تعبئة الرأسمال البشري العامل كخلية نحل والحامل لثقافة الإيثار من أجل الجماعة (سِمة صينية)؟ ثقافة النسيج الاجتماعي الصيني تُعلي من شأن الجماعة الوطنية وتربّت على تقاليد الانضباط في مجتمع (أبيسي) (نظام الأبوة)، أما المجتمع الأمريكي فألِف الحرية الفردية المتخطية للحدود، كما يشهد ظاهرة التفكك العائلي، ناهيك عن عقيدة تقديس الدولار، وكثيراً ما كان الولاء للدولار قبل الوطن.