مجلة شهرية - العدد (593)  | فبراير 2026 م- شعبان 1447 هـ

الجانب النفسي في أسطورة الغول في شعر تأبط شراً

من القَصَص الأسطوري الذي تناوله الشعر العربي في العصر الجاهلي قصة (الغُول)، وقد ورد ذكر الغول عند بعض الشعراء في العصر الجاهلي وروداً سريعاً في سياق الإشارة ونحو ذلك، لكن تأبَّط شرّاً (ت: 80ق.هـ) ذكر في شعره مواقف عجيبة تجمعه بالغول، وفي هذا المقال أتناول معنى الغول وما قيل في حقيقة وجودها مِن عدمه، ثم أتطرق إلى ورود ذِكرها عند بعض شعراء الجاهلية، وأنتقل بعد ذلك إلى قصتها مع الشاعر الجاهلي تأبَّط شرّاً، مبيِّناً الجانب النفسي في هذه القصة.
معنى الغُول: الغُول -بضم الغين المعجمة- من السَّعالي، تَغُول الإنسان، وتغوَّلَتْهم الغيلان، أي: تيَّهَتهم، وغالته الخمر تَغُوله غَولاً: إذا شربها فذهبت بعقله، والغَوْل -بالفتح- بُعد المفازة، لاغتيالها سير القوم، وقيل: الغُول: واحِد الغيلان وهي سَحَرة الشياطين، وتغوَّل الأمر: تَناكَرَ وتَشابَهَ، والغُول: السِّعلاة، والجمع أغوال وغيلان، والتَّغوُّل: التَّلوُّن، يقال: تغوَّلت المرأة: إذا تلوَّنت، وتغوَّلت الغُول: تخيَّلت وتلوَّنت.
وفي الصحيح: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: (لا عَدْوَى، ولا طِيرَةَ، ولا غُولَ)، قال البغوي (ت: 516هـ): (ليس معناه نَفْيَ الغُول كوناً، وإنما أراد أن العرب كانت تقول: إن الغيلان تظهر للناس في الفلوات في الصور المختلفة، فَتُضِلُّهم وتهلكهم، فأخبر الشَّرع أنها لا تقدر على شيء من الإضلال والإهلاك إلا بإذن الله عزَّ وجلَّ).
وعن جابر بن عبدالله (ت: 78هـ)، قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: (علَيكُم بالدُّلْجَةِ، فإنَّ الأرضَ تُطوَى باللَّيلِ، فإذَا تغوَّلَتِ لكم الغِيلانُ، فنادُوا بالأذانِ).
فالأحاديث النبوية تذكر الغُول ذِكراً صريحاً، وفي بعضها ذِكر الغُول بالنَّفي، وقد سبق بيان قول المفسِّرين أنَّ المقصود نفيُ قدرتها على الضرر.
(والعامَّة تزعم أنَّ الغول تتصوَّر في أحسن صورة، لكن لا بدَّ أن تكون رِجلها رِجل حمار، وأنشدوا في ذلك قول الأعرابي: (البسيط)
وحافرُ العَيرِ في ساقٍ خَدَلَّجَةٍ
وجَفْنُ عينٍ خِلافُ الإنسِ في الطُّولِ)
وقيل: (أصل هذا الأمر وابتداؤه، أنَّ القوم لمَّا نزلوا بلاد الوحش، عملت فيهم الوحشة، ومن انفرد وطال مقامه في البلاد والخلاء، والبعد من الإنس، استوحش).
وقد تعامل العرب مع الغول باعتبارها كائناً موجوداً يعرفونه ويعاينونه، قال امرئ القيس (ت: 80ق.هـ): (الطويل)
أيقتُلُني والمَشرَفِيُّ مُضاجِعِي
ومَسنُونَةٌ زُرْقٌ كأنيابِ أغوالِ
فهذا التشبيه بأنياب الأغوال يوحي أنَّ امرئ القيس قد رأى الغول وعاينها وعرف صفتها، حتى ذكر صفة أنيابها في تشبيهاته.
وقال كعب بن زهير (ت: 26هـ): (البسيط)
فما تَدُومُ علَى حالٍ تَكُونُ بِها
كما تَلَوَّنُ في أثوابِها الغُولُ
وهذا يوحي أنَّ كعباً قد عرف الغول وعاين منها تلوُّنها بعدَّة ألوان.
أما تأبَّط شرّاً (ت: 80ق.هـ) فقد أفرد ذِكر الغول في قصيدتين من شعره، يقول في القصيدة الأولى: (المتقارب)
تَقُولُ سُلَيْمَى لِجاراتِها
أرَى ثابتاً يَفَناً حَوقَلا
لَها الوَيلُ ما وَجَدَتْ ثابتاً
ألَفَّ اليَدَيْنِ ولا زُمَّلا
ولا رَعِشَ السَّاقِ عندَ الجِراءِ
إذَا بادَرَ الحَمْلةَ الهَيْضَلا
يَفُوتُ الجِيادَ بِتَقرِيبِهِ
ويَكسُو هَوادِيَها القَسْطَلا
ويَعتَرِقُ النِّقْنِقَ المُسْبَطِ
(م)رَّ والجَأْبَ ذا العانَةِ المِسْحَلا
وأدهَمَ قَدْ جُبْتُ جِلْبَابَهُ
كما اجتابَتِ الكاعِبُ الخَيْعَلا
إلَى أنْ حَدَا الصُّبحُ أثناءَهُ
ومَزَّقَ جِلْبابَهُ الأَلْيَلا
علَى شَيْمِ نارٍ تنوَّرتُها
فبِتُّ لها مُدْبِراً مُقْبِلا
فأصبحتُ والغُولُ لي جارةٌ
فيا جارَتا أنتِ ما أَهْوَلا
وطالبتُها بُضْعَها فالتَوَتْ
بِوَجهٍ تَهَوَّلَ فاستَغْوَلا
فقلتُ لها يا انظُرِي كَيْ تَرَيْ
فَوَلَّتْ فكُنتُ لَها أَغْوَلا
فطارَ بِقِحفِ ابنةِ الجِنِّ ذُو
سَفاسِقَ قَدْ أخلَقَ المِحمَلا
إذَا كَلَّ أمهَيْتُهُ بالصَّفا
فَحَدَّ ولَمْ أُرِهِ صَيْقَلا
عَظاءَةَ قَفْرٍ لَها حُلَّتا
نِ مِنْ وَرَقِ الطَّلْحِ لَمْ تُغْزَلا
فمَنْ سالَ أينَ ثَوَتْ جارَتِي
فإنَّ لها باللِّوَى مَنزِلا
وكنتُ إذَا ما هَمَمْتُ اعتَزَمْتُ
وأَحْرِ إذَا قُلتُ أنْ أفعَلا
يذكر تأبَّط شرّاً أنه جاور الغول ثم طلب منها أن ينكحها، ولعلَّه علِم أنَّه قد يُسأل عن مكانها، فأعدَّ الجواب قبل أن يواجَهَ بهذا السؤال، فقال: من يسأل عن مكانها فإن منزلها باللِّوى، وقد زعم تأبَّط شرّاً في هذه الأبيات نكاح الغول، ليردَّ على زعمِ امرأته سُليمَى أنه كبر وأصبح عاجزاً عن الجماع، فأجابها بهذه القصة الأسطورية التي يهدف منها إلى إثبات كذب سُليمَى، وكذلك التهويل من شجاعته وبأسه، بقوله:
فقلتُ لها يا انظُرِي كَيْ تَرَيْ
فَوَلَّتْ فكُنتُ لَها أَغْوَلا
فكأنه أراد أن يقول للناس: هذه الغول التي تخافون منها، قد كنتُ أنا أَغْوَلَ لها، أي: أشدَّ تخويفاً لها من تخويفها إيَّاي، وقد ربط ذِكر خوف الغول منه بذِكر طلبِهِ نكاحها، ليكون ذلك أبلغ أثراً في تحقيق الهدف الكامن وراء العامل النفسي، وهو إثبات كذب امرأته سليمى، وتبيِين قدرته على ما اتَّهمته سليمى بالعجز عنه.
وقوله في البيت الأول: (يَفَناً)، أي: شيخاً كبيراً، و(حوقل): فتر عن الجماع، وفي البيت الثالث: (الهيضل): الجماعة من الجيش، وفي البيت الرابع: (هواديها): يقصد هوادي الجياد وهي أعناقها، وقيل: هي أوائلها المتقدمة، و(القسطل): الغبار من شدة العَدْو والجري، وفي البيت الثاني عشر: (سفاسق): هي طرائق السيف، التي تُعرَف بالفِرند، وقوله في البيت قبل الأخير: (سال) بتسهيل الهمزة، هي: سأل، وخُفِّفَت الهمزة لضبط الوزن.
وفي القصيدة الثانية يقول تأبَّط شرّاً: (الوافر)
ألا مَنْ مُبْلِغٌ فِتْيانَ فَهْمٍ
بِما لاقَيتُ عِندَ رَحَا بِطانِ
بأنِّي قَدْ لَقِيتُ الغُولَ تَهوِي
بِسَهْبٍ كالصَّحِيفةِ صَحصَحانِ
فقلتُ لَها كِلانا نِضوُ أيْنٍ
أخُو سَفَرٍ فخَلِّي لِي مَكاني
فَشَدَّتْ شَدَّةً نَحوِي فأهوَى
لَها كَفِّي بِمَصقُولٍ يَمانِي
فأضرِبُها بِلا دَهَشٍ فَخَرَّتْ
صَرِيعاً لليَدَيْنِ وللجِرانِ
فقالَتْ عُدْ فقُلتُ لها رُوَيْداً
مَكانَكِ إنَّنِي ثَبْتُ الجَنانِ
فلَمْ أنفَكَّ متَّكِئاً لَدَيْها
لأنظُرَ مُصْبِحاً ماذا أتاني
إذَا عينانِ في رأسٍ قَبِيحٍ
كَرَأسِ الهِرِّ مَشقُوقِ اللِّسانِ
وساقَا مُخْدِجٍ وشَواةُ كلبٍ
وثَوْبٌ مِنْ عَباءٍ أو شِنانِ
يحرص تأبَّط شرّاً على أن يَعرِف قومه قصَّته مع الغول، التي لقيها في أرضٍ جرداء، فلم يخَف منها، وقد أرادت أن تقتله، فضربها بسيفه، فطلبت منه أن يعاود الضربة، لكنه لم يفعل، وبعد أن ضربها ضربة واحدة، انتظر حتى يجيء الصبح فيعاينها بوضوح، فلمَّا عاينها، وجدها بالصفات القبيحة المنفِّرة التي ذكرها في الأبيات، وقد ذكر أنه ضربها ضربة واحدة، لأنَّ (الغول -فيما يزعمون- إذا ضُرِبت أكثر من ضربةٍ، لم تمت)، وقوله:
فأضرِبُها بِلا دَهَشٍ فَخَرَّتْ
صَرِيعاً لليَدَيْنِ وللجِرانِ
جاء بالفعل المضارع وعطفه على الماضي فيما قبله، وقالوا في ذلك: (قصَد أن يصوِّر لقومه الحال التي تَشَجَّع فيها على ضرب الغول، كأنَّه يبصِّرهم إيَّاها مشاهدةً، للتَّعجُّب من جَراءته على ذلك الهول، ولو قال: «فضربتها» عطفاً على الأول، لزالت هذه الفائدة)، كما أن الفعل المضارع في هذا السِّياق الذي يصوِّر ذروة الغلبة ودلائل القوة، يُعَد أعمق أثراً وأكثر إيحاءً في وصول الرسالة التي تقف وراء الجانب النفسي عند تأبَّط شرّاً، وهي الرسالة التي تتمثل في إظهار قوته وشجاعته أمام قومه بني فهمٍ.
وقوله في البيت الأول: (رَحا بِطان): هو موضع في بلاد هذيل، وفي البيت الثاني: (صحصحان): أرض مستوية جرداء لا شجر فيها ولا ماء، وفي البيت الخامس: (الجِران): هو باطن العنق.

ذو صلة