مجلة شهرية - العدد (593)  | فبراير 2026 م- شعبان 1447 هـ

الوحدة العضوية في القصيدة العربية.. تعسف المستشرقين وتقليد الشعراء

شهد الربع الأول من القرن العشرين اهتماماً ملحوظاً بموضوع الوحدة العضوية في القصيدة العربية، وخصوصاً عند أصحاب مدرسة الديوان في مصر، وتجلى ذلك في كتابهم الموسوم (الديوان في الأدب والنقد)، وقد برز عباس محمود العقّاد من بينهم بتشدده المعهود على هذه الفكرة، خصوصاً في نقده الحاد الذي وجهه لأمير الشعراء أحمد شوقي على قصيدته التي رثى فيها مصطفى كامل، وقد ركز العقّاد في نقده على تفكك القصيدة، معتبراً التفكك بحد ذاته ضعفاً خطيراً، ومنتقداً شوقي بمجاراته وتقليده للشعراء العرب القدامى الذين كانوا ينتقلون في القصيدة الواحدة من غرض إلى آخر دون رابط منطقيّ، ودعا العقّاد إلى ضرورة إحكام الصلة بين أجزاء القصيدة، مع التشديد على شرط تكامل فكرة كليّة واحدة فيها.
بعد ذلك انتشر مصطلح الوحدة العضوية في ساحة النقد العربي الحديث، كانتشار النار في الهشيم، إلى أن صار أساً مركزياً من أسس دراسة النتاج الشعري ونقده. وقد توهم الكثير من النقاد الأدبيين المعاصرين، سواء من المستشرقين أو العرب؛ أن نظرية الوحدة العضوية هي من بنات الفكر الغربي، ولم يلتفتوا إلى أن علماء اللغة العربية القدامى قد أشاروا في كثير من الكتب والمخطوطات إلى روح هذه النظرية، وأكدوا على ضرورة العمل بها، ففي كتاب (عيار الشعر) لابن طباطبا العلوي القرشي المتوفى سنة (322هـ/ 934م) تأكيد على وجوب تناسق النص الشعري وانتظامه، بحيث يتسق أوله مع آخره، فإن قدم بيت على بيت دخله الخلل، كما راح ابن طباطبا إلى أبعد من ذلك في دعوته إلى أن تكون القصيدة كلها كلمة واحدة في دقة المعاني وصواب التأليف، وقدم نصيحة جديرة بالاهتمام للشعراء، مفادها أن يكون الخروج من معنى إلى غيره من المعاني خروجاً لطيفاً كالخروج من الغزل إلى المدح مثلاً، وهذه النصيحة قريبة من مفهوم حُسن التخلص.
وقد استمر علماء اللغة العرب بالتأكيد على هذا المفهوم، حيث جاء في كتاب (العمدة في صناعة الشعر ونقده) لابن رشيق نص لأبي علي الحاتمي البغدادي يثري مفهوم الوحدة العضوية، يقول: (من حِكَم النسيب الذي يَفتتح به الشاعر كلامه، أن يكون ممزوجاً بما بعده من مدح أو ذمٍّ، متصلاً به، غير مُنفصل منه، فإن القصيدة مثلها مثل خلْق الإنسان في اتِّصال بعض أعضائه ببعض، فمتى انفصَل واحد عن الآخر، وبايَنه في صحة التركيب؛ غادر بالجسم عاهةً تتخوَّن محاسنه، وتُعفِّي معالم جماله، ووجد حذاق الشعراء وأرباب الصناعة من المُحدثين، يَحترسون من مثل هذه الحال احتراساً يحميهم من شوائب النقصان، ويقف بهم على محجة الإحسان).
لكن الملاحظ أن المستشرقين والباحثين الغربيين قد أساؤوا فهم البنية التقليدية للقصيدة الجاهلية، ولم يقدروا حرفيتها؛ إذ اعتبروا عمودها الشعري المنسوج تراتبياً حالة من الجمود أو التكرار غير المبرر، ولم يوجهوا اهتمامهم إلى البناء الداخلي للقصيدة العربية الكلاسيكية، مما حدا ببعض النقاد العرب المعاصرين إلى التركيز على هذا الجانب، معتبرين أن المكونات الداخلية للقصيدة العربية هي الوجه الآخر لبنائها الخارجي بحال من الأحوال. ومن بين المستشرقين الذين تعسفوا على القصيدة العربية وبنيتها التقليدية المستشرق الإنجليزي رينولد ألين نيكلسون الذي زعم أن الشاعر الجاهلي لم يكن أمامه أيّ اختيار فيما يخص النظام الموسيقي للقصيدة العربية، ولا في اختيار موضوعاته أو أسلوب معالجتها، وأنه في أحسن الأحوال لم يكن يجرؤ على الخروج على نمط وقالب القصيدة السائد. ولكي يتظاهر بالموضوعية والدقة عاد واستدراك فيما بعد مستثنياً بعض الحالات أو النماذج التي تلمس فيها خروجاً عن (التقاليد الجامدة) حسب وصفه.
إن بنية القصيدة الجاهلية كما تؤكد جميع الدراسات التزمت بوحدة الوزن ووحدة القافية ووحدة البيت الشعري بشكل عام، وأغفلت ما تم الاصطلاح عليه في العصور المتأخرة بوحدة الموضوع، غير أن هذا الحكم رغم واقعيته يداخله الكثير من الغبن والتعسف، لأنه يسقط فرضيات ومعطيات عصر على عصر آخر، فمن دواعي الحق أن نحاكم القصيدة الجاهلية بمنطلقاتها ومعطياتها المعتبرة في عصرها؛ كونها اعتمدت، بدل وحدة الموضوع؛ على سلسلة من البنى تبدأ مع استهلال القصيدة بالتغني بذكريات الشاعر مع حبيبته وبكائه على أطلال بيتها المهجور، ومن ثم وصف رحلته وراحلته، وبعد ذلك انتقاله بانسيابية وطواعية إلى موضوعات أخرى كالمدح أو الرثاء أو الهجاء.. وما إلى ذلك، وهذا كله يتم في مناخ يتيح له التنقل السلس والتدرج والتناسب والتكامل العضوي بمراعاة حسن التخلص، في منوال يعتمد التناسق في طرح الأفكار والمناخ الشعوري العام وتساوق التراكيب الشعرية والدقة في الخروج من جزء إلى الجزء الآخر دون أن يخدش تماسك القصيدة، بحيث يشعر المتلقي بمتانة وتماسك القصيدة والتحام مفاصلها بعضها مع البعض الآخر، مع عدم وجود أي فتور أو حواجز بين تراتب أغراضها وتنوعها، وهذا بحد ذاته يعزز خصوصية هذه القصيدة ولا ينال من مكانتها، ولكن الذي خلط الأوراق هو نسج الشعراء المعاصرين قصائدهم على منوالها ومحاكاتهم لها ومبالغتهم في تقليدها بحذافيرها، إلى حد أن بعض الشعراء سيطرت عليه نزعة ماضوية في تقليده للقصيدة الجاهلية حالت دون الأخذ بنظر الاعتبار متطلبات سياقات التطور التي يفرضها العصر الراهن.
وقد لخص الدكتور شوقي ضيف في كتابه الموسوم (الفن ومذاهبه في الشعر العربي) سياق القصيدة الجاهلية بشيء من الدقة والإيجاز، ضمن وصفة لحرص الشعراء على النسج بذات المنوال؛ قائلاً: (كانوا يحرصون في كثير من مطولاتهم منذ العصر الجاهلي على أسلوب موروث فيها، إذ نراها تبتدئ عادةً بوصف الأطلال، وبكاء الدمن، ثم تنتقل إلى وصف رحلات الشاعر في الصحراء، وحينئذ يصف ناقته التي تملأ حسه ونفسه وصفاً دقيقاً فيه حذق ومهارة، ثم يخرج من ذلك إلى الموضوع المعين من مدح وهجاء أو غيرها، واستقرت تلك الطريقة التقليدية وثبتت أصولها في مطولاته الكبرى على مر العصور).
من المعلوم إن أي نهج تقليدي في أي جنس أدبي لا يمكن اعتباره مأخذاً، ولا يشكل مثلباً؛ إذا أخذ ضمن سياقات عصره، بل إنه يدخل ضمن حسابات الخصوصية والتميز، وبالتالي يمكن اعتباره بنيوية خاصة، وهذا ينطبق على القصيدة العربية التقليدية، وخصوصاً في عصر ما قبل الإسلام، والتي كان من الممكن أن يشار لها بالإعجاب من قبل المستشرقين، فيما لو بقيت سياقاتها ملكاً لعصرها، ولم يلجأ الشعراء المعاصرون إلى احتذاء مسارها حذو القذة بالقذة، وبهذا يمكن القول إن القصيدة الجاهلية كانت قد طرحت خصوصيتها وفرادتها، ولكن الشعراء العرب عبر العصور قد تطفلوا على تلك الخصوصية وقاموا بتقليدها تقليداً أعمى دون أن يتم طرح خصوصية مقابلة تمليها ظروف كل عصر من العصور، إلّا في حالات نادرة، والتقليد بشكل عام يمثل ضعف وعي بمتطلبات كل مرحلة زمنية من مراحل تاريخ الأدب العربي على حدة.

ذو صلة