الأرض لم تزل حُبلى بالإشراقات والأغاريد وعندما نتحدث عن شاعرنا الكبير الذي توفاه الله من قريبٍ، وغيبه الموت في طياته، وأبقى الدهر على ثمرات فكره ولبنات شعوره، ووزعت تلك الثمرات وتلك اللبنات في آفاق العالم الشعري والأدبي، واستمعنا لصوته الشجي الرخيم المليء بالشجى عبر أثير المذياع وعلى قنوات التلفاز، وعشنا على المقالات الموزعة في العديد من المجلات والصحف ذات النهج الأدبي والثقافي، وتوارد عما يربو على نصف قرنٍ في تعبئة الشعور العام بهيامه وحسه المرهف.
كان شاعرنا أصيلاً فلم يقبل بمواسماتٍ ومزايداتٍ على الذوق، وبخاصة تلك التي تقترب من مضامين الإيقاع الشعري، وهو ما ألهمه التجلي في تلك الإيقاعية الباذخة، والتي صدرت في العديد من قصائده ونفثاته الشعرية سواء ذات الشكل العمودي أو التفعيلي الذي غلب على معظم نتاجه الحيوي.
ففي قصيدة (تعالي إلى نزهة في الربيع):
تعالي إلى نزهة…
في الربيعْ
لنقطف بعض الأغاني
التي أوشكت
أن تضيعْ
ونطلق في الأفق…
ضوء الفراشات…
فوق مرايا الجداول
عبر الفضاء الوسيعْ
نحلق مثل الطيور
التي ألهمتها الحدائق
هذا الجنون البديعْ
نجد هذا المعين من الألفاظ الدالة العذبة، دون أن تكون ثقيلة، ونجد عنده تلك المواءمة في الإحالة وبين الدعوة لهذا الفيض الجمالي المتجدد والمتوالي، بين هذه الطبيعة ببساطة الملامسة، وتلك البلاغة الآسرة، وحيث احتفال الدال بالمدلول، ورمز الفصل ذي الخصوبة والإزهار، ولفظ (ألهمتها) الذي يغني بالدراما الاستعارية في إلهام الحدائق لنا أن نحلق ونطوف، ويكون لفظ الجنون كالعلاج الجميل المتسق مع الإتقان في الانفلات من ربق العادة وأسر الأفكار المعتادة.
ثم نجد ذلك المعنى النبيل المغلف بأقدس المشاعر الملحمية في وجود الإنسان ودفتر انتمائه ومعاناته:
من الذي اغتربْ؟
يا قريتي التي أحملها
ما بين أضلعي
تفاحة من الذهبْ
أنا وأنت
قصة تبددت
يلفنا الذهول
وسط عالم
من الكذبْ
وجهان ذابلان
ذاهلان
في مواكب العجبْ
فالشاعر يرى مكانه المألوف، حيث الريف وقد ضاعت هويته واندثرت معالمه، وتوالت عليه الإحن، وانطفأت فيه بواكير الأصالة، فالقرية الصبية العجوز في رواقها القديم تنتحب كما في قصيدة (من الذي اغترب) التي أهداها الشاعر إلى قريته (الودي).. فتلك القصيدة كأنما تنعي ما عانته من تصحر وجدبٍ، وما أصابها من انحسار رقعة الأرض الزراعية الخضراء بعد أن امتدت إليها أيادٍ عابثة قامت بتبوير تلك الأرض الزراعية فأزالت الحقول كما يبدو ذلك في قصيدة (صدى للغبار) والتي تبدو وكأنها صدى للقصيدة السابقة عليها في الديوان (من الذي اغترب) وكأنها استئناف القول لما فيها من رؤى، فيصور الشاعر في (صدى للغبار) مشهد النهر المنحدر من أعالي الجبال باحثاً عن القرى التي زالت حقولها:
أرى النهر منحسراً
هابطاً من أعالي الجبال
يتلمس أين القرى
عبر عشب الحقول
التي صوحتْ
واصطفاها الزوالْ
وشاعرنا هو محمد إبراهيم أبو سنَة (1937 – 10 نوفمبر 2024م)، وهو شاعر مصري صميم. وكان من الجيل الذي تلا جيل الرواد في الشعر التفعيلي أمثال: نازك الملائكة وبدر شاكر السياب وصلاح عبدالصبور، وبات واحداً من أبرز شعراء جيل الستينات والسبعينات في مصر هو ورفاقه: أمل دنقل وفاروق شوشة وعبدالوهاب البياتي وغيرهم الكثير.
ولقد كان ينتهج أسلوباً سلساً في صوغ قصائده، من حيث المضامين والألفاظ والتراكيب غير الوعرة (الخشنة). واشتهرت كتاباته بسلاسة أسلوبه، واعتبرت قصائده الغرامية فريدة من نوعها.
ويشار إلى أن الراحل محمد إبراهيم أبو سنة، قد حاز العديد من الجوائز والتكريمات الرفيعة خلال مسيرته البديعة، مثل جائزة الدولة التشجيعية عام 1984م، وجائزة كفافيس 1990م، وجائزة الدولة للتفوق في الآداب عام 2001م، وجائزة جامعة شتيرن الألمانية عام 2008م، مروراً بجائزة الدولة التقديرية عام 2011م، وأخيراً جائزة النيل عام 2024م. ولد الشاعر الكبير محمد إبراهيم أبو سنة في 15 مارس من عام 1937، في محافظة الجيزة، إذ كان والده شيخاً للبلد، وتوفيت والدته وهو في السابعة من العمر. أثرى أبو سنة المكتبة العربية حسب بيان نعي دار الشروق له بالعديد من الدواوين الشعرية، منها (رماد الأسئلة الخضراء) و(شجر الكلام) و(ورد الفصول الأخيرة) وغيرها، إلى جانب مسرحيتين شعريتين وعدد من الدراسات النقدية ذات الصلة بالشعر، كما لم يكتفِ الراحل بكتابة الشعر أو نقده، وساهم في تعريف الجمهور بفنون الشعر من خلال البرامج الإذاعية المختلفة التي قدم فيها مختارات شعرية متميزة، بمشاركة ضيوف بارزين من الشعراء والنقاد، لدراسة وتحليل النصوص الأدبية فنياً وفكرياً. وحصل أبو سنة على ليسانس كلية الدراسات العربية- جامعة الأزهر عام 1964م، وعمل محرراً سياسياً بالهيئة العامة للاستعلامات في الفترة من عام 1965 إلى عام 1975م، ثم مقدم برامج بإذاعة جمهورية مصر العربية عام 1976م (إذاعة البرنامج الثاني)، وفي عام 1995م شغل منصب مدير عام البرنامج الثقافي، وعمل نائباً لرئيس الإذاعة المصرية. وحفظ أبو سنة جزءاً من القرآن في الكُتاب، وفي العاشرة من عمره أوفده والده إلى القاهرة ليحفظ القرآن الكريم كاملاً، ثم التحق بمعهد القاهرة الديني الابتدائي والثانوي. كانت ثورة 23 يوليو عام 1952م الشرارة التي أضاءت إبداع أبو سنة في الشعر، حيث كانت تترامى الشعارات في أجواء الوطن عقب الثورة حول آلامها وآمالها وكانت تطلق من حناجر الشباب والمتظاهرين ملهمة إياه الأنغام الأولى للشعر.
كما استطاع أبو سنة، من خلال الدراسة المنهجية في الأزهر، معرفة النصوص الأدبية والشعرية، منذ العصر الجاهلي وحتى العصر الحديث. والبداية الحقيقية للشاعر الراحل مع الشعر كانت في نهاية خمسينات القرن الماضي، من خلال رابطة الأدب الحديث، وبدأ حياته بالقصيدة العمودية ثم اتجه إلى شعر التفعيلة (الشعر الحر). وكانت أول قصيدة نشرها محمد إبراهيم أبو سنة في نهاية الخمسينات بالملحق الثقافي الأدبي لجريدة المساء، وعندما تجمعت لديه مجموعة من القصائد التي تتناول تجاربه الشعرية والإنسانية والفنية والعاطفية أصدر ديوانه الأول في عام 1965م في بيروت بعنوان (قلبي وغازلة الثوب الأزرق)، متضمناً 48 قصيدة. ترك الشاعر محمد إبراهيم أبو سنة، إرثاً كبيراً من الشعر والأدب وأعمالاً إذاعية متميزة ستخلد اسمه، وصدر له اثنا عشر ديواناً من الشعر ومسرحيتان شعريتان وعشر دراسات أدبية، وصياغة شعرية لمئة قصيدة من الشعر الأرمني عبر العصور، ومن من دواوينه: قلبي وغازلة الثوب الأزرق 1965م، وأجراس المساء 1975م، ومن أعماله الشعرية: رماد الألسنة الخضراء 1985م، وشجر الكلام 1990م، ومرايا النهار البعيد، ورقصات نيلية، وموسيقى الأحلام، وغيرها الكثير، كما كتب مسرحيتي (حصار القلعة، حمزة العرب). حصل الشاعر الكبير محمد إبراهيم أبو سنة على الكثير من الجوائز المهمة أبرزها منحتان للتفرغ الأدبي عامي 1967 و1968م، والزمالة الشرفية من جامعة أيوا الأمريكية عام 1980م، وجائزة الدولة التشجيعية في الشعر عن ديوانه (البحر موعدنا)، وجائزة كفافيس عام 1990م عن ديوانه (رماد الأسنة الخضراء)، وجائزة أحسن ديوان مصري عام 1993م، وجائزة أندلسية للثقافة والعلوم عن ديوانه (رقصات نيلية) عام 1997م، وجائزة محمد حسن فقي عن ديوانه (ورد الفصول الأخيرة)، وجائزة الدولة للتفوق في الإبداع الأدبي في 23 أكتوبر عام 2001م، وجائزة جامعة شتيرن بألمانيا عن كتاب (العرب والأدب المهاجر) عام 2008م، وجائزة أحمد شوقي الدولية من النقابة العامة لاتحاد كتاب مصر خلال عام 2021م، وجائزة النيل في مجال الآداب لعام 2024م.
**
وقبل أن نختم مقالنا عن هذا الشاعر الوافر فناً وأدباً، يجب أن نأخذ شيئاً من شعره الوطني، وهي كلماتٌ صادقةٌ في قصيدته (قم يا وطني) تقع ضمن ديوانه (قصائد لانتصار الوطن)، يقول:
سأبدأ من غيمةٍ شاردةْ
و أطلعُ من نجمةٍ
باردةْ
لأجمعَ كلَ الأشعةِ..
من صدفات البحارْ
وأرسمَ وجهكِ..
فوق خرائطِ
هذا النهارْ
حيث نرى هذا الحلم الغامر في بناء شخصية الوطن، وما يتكهن به القلب الصادق الذي يفتش عن مكنونات الوطن، ويبحث عن ملامحه، ويجعله في صورة استعارية فذة للنهار من ملمحٍ أرضي، حيث يكون له خرائط، ويرسم الشاعر وجه الوطن على تلك الخرائط النهارية، وهو بهذا يصنع أيقونة الوضوح والأمل في غد الوطن المشرق، رغم أنه سجين تلك الأيام ذات الغيمة الشاردة والنجمة الباردة!