مجلة شهرية - العدد (593)  | فبراير 2026 م- شعبان 1447 هـ

البلاغة بين المحكمة والشعرية

هذه المقالة تعود بالبلاغة إلى لحظة التأسيس، إلى منبعها الأول، حيث نطرح التساؤل مع رولان بارت: (أليست البلاغة برمتها أرسطية؟). تساؤل مشروع، لأنه يحيلنا على طريقة نشأة البلاغة، وكيفية استقرارها على المبادئ التي قدمها أرسطو إلى اليوم.
ذلك أن الاعتراف بأن بلاغة أرسطو هي أساس الخطاب، يعني أن السياق اليوناني، ومعه سيادة القواعد والأجناس الكبرى كالتراجيديا والكوميديا؛ قد أسهم بشكل لافت في صناعة بلاغة بيداغوجية تعليمية، فقد نشأت البلاغة الحجاجية الأرسطية في فضاء المحكمة، من خلال قواعد لإقناع المتلقي، ولإنجاح عملية الترافع، وضعها أرسطو في بناء الخطاب.
نجد هذا التأثير الأرسطي اليوناني لمسار نشأة البلاغة، بدءاً بمفهوم كلمة (بلاغة نفسها) التي تعني (تقنية قابلة للتدريس)، ثم تشبعت بالأصول الفلسفية والقانونية، حتى أضحت الممارسة البلاغية التي تدرس تمارس عمليّاً في الأوساط القضائية، حيث استخلاص البراهين الواقعية والاستقراء والاستدلال أهم عمليات صياغة العبارة التي تتضمن صوراً بلاغية مختلفة، فتؤدي بذلك وظيفتين مختلفتين: ففي المحكمة نجد وظيفة الإقناع؛ وفي التراجيديا والكوميديا نتمثل الحكي والإيقاع والاستعارة.. وغيرها. وهذا يعني أن البلاغة في الأصل لم تفصل بين الخطاب القانوني والتواصلي ودراسة الخيال الشعري، بحيث أُدمجت الشعرية في المراحل المتأخرة من البلاغية اليونانية على يد أوقيديوس وهوراتيوس، وأصبحت البلاغة خصوصاً مع أرسطو تمزج بين الوظيفة الحجاجية القانونية والوظيفة الخيالية الشعرية.
يؤكد هذا المسار أن البلاغة في أصلها اليوناني، ثم في امتدادها العالمي؛ نشأت باعتبارها بلاغة عامة لتحليل الخطاب في تنوعه، لا مقصورة على الشعر وحده، وهو ما تجلى لاحقاً في البعد التعليمي للبلاغة الغربية الكلاسيكية في عصر النهضة، كما في مصنفات فونتانيي، حيث ظل المبدأ الأرسطي حاضراً. غير أن السؤال يظل قائماً: إذا كانت البلاغة تعني التنظير لقواعد الاستدلال والإقناع وتحليل الصور البلاغية؛ فما المقصود بمصطلح صورة شعرية أو بلاغية (figura)؟
يعتبر كينتليان، وهو أحد فلاسفة اليونان؛ أول من وظف هذا المصطلح، وقصد به (الصور البلاغية للخطاب)، إذ أنها، أي الاستعارات والتشبيهات والكنايات؛ هي التي تبرز الخطاب وتشكله. وبذلك فهي تلعب دوراً أساسيّاً لإثارة المتلقي والتأثير عليه وإقناعه. فيلجأ الخطيب أو المدعي أو المحامي إلى توظيف الصور البلاغية في سياق التلقي. أي في سياق الحالة الذهنية والاجتماعية للمتكلم والمخاطب.
يقودنا هذا التدرج في نشأة البلاغة، ومزاوجتها بين الوظيفة الحجاجية القانونية والشعرية؛ إلى التأكيد على البعد التعليمي، وسيادة روح البلاغة العامة، كما هي عند أرسطو أو عند الذين سبقوه.
لكن السؤال المشروع هنا، والذي يتبادر إلى المتلقي العربي: ما محلّ البلاغة العربية من هذا السياق البلاغي العام؟
إن التصفح لمتن البلاغة العربية يربطها مباشرة بهذا النظر البلاغي العام، ذلك أن البلاغة العربية ليست بلاغة شعرية؛ بل هي بلاغة عامة بالمعنى الأرسطي، حيث اشتغل بها البلاغيون مثل الباقلاني وعبدالقاهر الجرجاني في إبراز وجوه الإعجاز القرآني وتحليل بلاغته. بل إن البلاغيين عموماً كانوا لا يميزون في دراسة الصور البلاغية بين القرآن الكريم والحديث النبوي والشعر العربي القديم. فعلى سبيل المثال: نجد قدامة بن جعفر، وقد ألّف كتاباً في نقد الشعر؛ يستحضر كلام الرسول الكريم بوصفه شاهداً على ظواهر بلاغية من قبيل الترصيع، فيقول في باب (الترصيع) في (نعت القوافي): «فإنه لا كلام أحسن من كلام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقد كان يتوخى فيه مثل ذلك، فمنه ما روي عنه عليه السلام من أنه عوّذ الحسن والحسين عليهما السلام فقال: (أعيذهما من السامة والهامة وكل عين لامة)، وإنما أراد ملمة، فلإتباع الكلمة أخواتها في الوزن قال: لامة. وكذلك ما جاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (خير المال سكة مأبورة ومهرة مأمورة)، فقال مأمورة من أجل مأبورة، والقياس مؤمرة. وإذا كان هذا مقصوداً له في الكلام المنثور، فاستعماله في الشعر الموزون أقمن وأحسن». نستنتج مما سبق، ونؤكد للمتلقي أن البلاغة ليست بلاغة شعر فقط عند اليونان والعرب على حد سواء، فهي تشمل نصوصاً وخطابات متعددة الوظائف.
وهذا التصور نفسه هو ما استمر في البلاغة الكلاسيكية الغربية في عصر الأنوار، حيث ظلّت المصنفات البلاغية المستعارة من أرسطو في تقديم قواعد بلاغية للخطاب دون تمييز بين الشعر وغير الشعر، وبخاصة مع دومارسي وفونتانيي. بيد أن المدرسة البنيوية، ومع ظهور لسانيات سوسير؛ هي التي حاولت أن تسقط البلاغة في الشعر ولا شيء غير الشعر، وهذا ما ورد في نظرية الانزياح عند جون كوهين وغيره من الشكلانيين الروس الذين حصروا الصور البلاغية في الخطاب الشعري الإبداعي، إلى أن ظهرت اللسانيات التداولية والسيميائية؛ فصارت البلاغة من جديد بلاغة عامة نحيا بها في كل الحقول والميادين.
إذن، يستخلص القارئ من كلامنا المرسل هذا أن البلاغة لم تكن قديماً ولا حديثاً بلاغة شعر فقط، بل هي (بلاغة عامة)، في أصل نشأتها عند اليونان، تنتقل بين مدارج المحكمة، وتحليل السرديات، وفي المسرح، وفي النصوص المقدسة، وفي الخطابة والشعر معاً، لكن الفترة الوحيدة التي حاول فيها البلاغيون حصر البلاغة على الشعر هي الفترة الوجيزة للشكلانية البنيوية أو ما يسمى بالشعرية البنيوية.

ذو صلة