أطلق عليه أمير الشعراء أحمد شوقي لقب (عقرب الثواني)، لوضوح نشاطه، ودقته، وسرعة إنجازه، حيث قال كما جاء في كتاب كامل كيلاني في مرآة التاريخ قال: (الأُستاذ الكيلاني كعقرب الثَّواني: قصير، ولكنه سريعُ الخطى، يأتي بدقائق الأمور).
إنه أحد أهم كُتَّاب أدب الطفل، النابغة كما وصفه الشيخ أحمد شاكر، إنه الكاتب والشاعر الكبير كامل كيلاني الذي يعد بحق منشئ ما يسمى بأدب الطفل في الشرق، فهو أول من كتب للطفل، كما ذكر خير الدين الزركلي، فقد قال في كتابه الأعلام: (كامل بن كيلاني إبراهيم كيلاني: أول من كتب قصص الأطفال في الأدب العربي الحديث).
وقد التزم في كتابته أن تكون قصصه ذات مضامين تربوية وترفيهية ومعرفية للطفل، وجعل لنفسه خطاً أدبياً مميزاً منذ بدئه في الكتابة للطفل، من أهم معالم هذا الخط هو إفادة الطفل، ولتنفيذ هذا الخط اتخذ لنفسه أسلوباً خاصاً مميزاً عن غيره، وهو ما أطلق عليه ابنه رشاد كامل كيلاني بالإكسير الكيلاني، وهذا الإكسير، أو الأسلوب الكيلاني يتمثل في عدة عناصر:
العنصر الأول: القصة وضرب المثل، والتلميح لا التصريح، والوعظ غير المباشر، هذا أسلوب الكيلاني لجعل الطفل يلتزم بالفضائل، وقد توارث الأستاذ كامل كيلاني هذا الأسلوب عن أبيه، ويحكي عن ذلك في أحد مقالاته، كما جاء في كتابه الوعظ القصصي والوعظ الكاذب ومقالات أخرى، يقول: (وكثيراً ما لجأ أبي -في تربيتي- إلى ضرب الأمثال والقصص، أذكر لكم أن بعض أشقياء الصبية أغراني بتسلق الترام، وأنا صغير، فرآني أبي، وأنا أفعل ذلك، ولم أره، فلما عدت إلى المنزل، قال لي: لقد حدث اليوم يا ولدي أمر عجيب، فقد هوى ولدٌ شقيٌ تحت عجلات الترام، فقطعته شطرين، وظل الناس يلعنونه، ويلعنون أهله، وهنا ذكرتك يا ولدي، فحمدت الله على حسن أدبك، وبعدك عن هذه الدنايا، أقول لحضراتكم إن الأرض كادت تغوص بي، وكان هذا آخر عهدي بهذا العمل الممقوت).
وكامل الكيلاني في قصصه يستعمل أسلوب الإيحاء للطفل بسلوك دون الزجر، والأمثلة كثيرة، منها كما في قصة بنت الصباغ من مجموعة قصص فكاهية (.. ولا عجب في ذلك، فقد أخبرتك في أول القصة بمقدار ما كان يحمله له من حقد وحسد، ثم لمع على أسارير أبي ثعلبة بريق عجيب، لو رأيته -أيها الصغير العزيز- لعلمت أنه قد اهتدى إلى فكرة موفقة طال بحثه عنها، أستغفر الله، بل هي فكرة خاطئة غير موفقة، لو أعمل عقله، لتمنى أن يضل عنها، فلا يهتدي إليها أبداً).
العنصر الثاني: الحرص على الجانب التربوي اللفظي، فلا تكاد تجد لفظاً نابياً، أو وصفاً يخل بالعرف، فمثلاً في قصة (ألف ليلة وليلة) لم يذكر الأستاذ كامل الكيلاني للطفل الصغير أي شيء عن الخيانة.
العنصر الثالث: تقسيم القصة إلى فصول، ووضع عناوين رئيسة وفرعية حتى لا يسأم، أو يمل الطفل، ففي (السيرة النبوية) مثلاً قسم السيرة النبوية إلى ثمانية وثلاثين جزءاً بعناوين رئيسة وفرعية، وأضرب مثالاً على ذلك، في الجزء الرابع منها: العنوان الرئيس (غزوتان) نجد عناوين فرعية مثل: صخرة الخندق، مناوشات يائسة، سفير الغدر، بارقة الأمل، حارس النار، عابد الذهب، الباحث عن الحق، كفاح موصول، حسم الشر، صرخة الشيطان.
العنصر الرابع: إعطاء المعلومة والفائدة بعيداً عن أسلوب التعالي على الطفل، وبعيداً عن جفاف الكتب العلمية، فقد ألف الأستاذ كامل إحدى عشرة قصة علمية للطفل قدم فيها معلومات شتى بأسلوبه، مثال على ذلك: في قصة العاصفة في الصفحة الأولى يقول: (لعلك تعرف أيها القارئ الصغير اسم ذلك البحر الكبير الذي يفصل القارة الأفريقية عن القارة الأوروبية، لعلك تذكر الآن اسم هذا البحر الواسع العميق، هو البحر الأبيض المتوسط).
العنصر الخامس: تنوع وتعدد أسلوب الحوار والرواية القصصية، فالحوار القصصي يأخذ شكل الكلام المباشر بين كامل كيلاني والطفل القارئ، وهذا عنصر مهم جداً في أسلوب الكيلاني، فهو يستفتح بهذا الأسلوب في مقدمات قصصه، من ذلك استفتاحه قصة (حي بن يقظان) وهي من ضمن سلسلة قصص العرب : (أيها القارئ الصغير: هل عرفت جزائر الوقواق؟ ما أظنك رأيتها، ولكني أحسبك قد سمعت بها، وقرأت عنها في القصص والأساطير، أعني، الأحاديث القديمة الخيالية العجيبة، ولقد حاولت أن أعرف هذه الجزائر- كما حاول غيري من الباحثين أن يهتدوا إليها - فلم أوفق، ولم يوفقوا إلى شيء من ذلك، ولا سبيل إلى رؤية هذه الجزائر، لأنها -في الحق- جزائر خيالية، لا وجود لها في عالم الوجود، وليس لها مكان في هذه الدنيا التي نعيش فيها، وإن كان لها أرحب مكان في عالم الأساطير ودنيا الخيال).
العنصر السادس: توجهه التربوي نحو تقويم النشء، معتمداً لغة بسيطة تقترب من المباشرة، مع غلبة السرد، ففي قصة بنت الصباغ يقول كامل كيلاني: (حدثت هذه القصة منذ مئات من السنين، أن طفلين صغيرين كانا في مثل سنك وذكائك، عاشا في مدينة بغداد، في منزلين متقابلين، على نهر دجلة، وقد جمعتهما مدرسة واحدة، كما جمعهما حيّ واحد، وبلد واحد وزمن واحد).
العنصر السابع: قصص الكيلاني هي رسائل ذات مضامين تربوية وترفيهية ومعرفية للطفل، يقرر هذا المبدأ كامل كيلاني في مقال له في كتاب الوعظ القصصي والوعظ الكاذب ومقالات أخرى، يقول: (.. فإذا أردت مثل العقوق ومثل الوفاء فأمامك حكاية (أبي صير وأبي قبر) وهي ألف ليلة، وإذا أردت مثل القضاء والقدر، فأمامك حكاية (الملك العجيب) وهي في ألف ليلة أيضاً، وإذا أردت مثلاً على أن لكل مقام مقالاً حكاية العم (عمارة) وهي مشهورة لا حاجة لنا بذكرها. وجامع القول إن القصص وضرب الأمثلة محببان إلى نفوس الكبار والصغار معاً وهما من خير الوسائل التي يلجأ إليها الخطيب لتقرير فكرة أو تعزيز مبدأ في أذهان سامعيه).
باختصار فإن عبقري الكتابة للطفل كامل كيلاني قد خط لنفسه أسلوباً مميزاً سمه إن شئت: الإكسير الكيلاني، الأسلوب الكيلاني، المدرسة الكيلانية، وهو ما شهد به الأمير شكيب أرسلان، حيث قال عنه وعن أسلوبه: يكفيه فخراً وأجراً سلسلة الكتب التي ألفها للأطفال، فشاعت في الأقطار، وطارت شهرتها كل مطار، وقد كان فيها نسيجاً وحده، وذلك بأسلوب متين، تتجلى فيه قوة اللغة، وسد بها ثلمة في علم التربية العربية كانت من أهم عوارها، وما ظلم من قال: إنه استأثر فيه بالسبق، جزاه الله خير ما يجزي عباده العاملين، وهذا مني شهادة من رأى وسمع، أشهد بها على الله وعباد الله: (وَلَا نَكتُمُ شَهَدَةَ اللهِ إِنَّا إِذاً لمِنَ الآثِمِينَ).