مجلة شهرية - العدد (593)  | فبراير 2026 م- شعبان 1447 هـ

المدخل إلى علم النفس المقارب (الباراسيكولوجي) ومصطلحاته

في الصفحة الأولى من رواية توفيق الحكيم (عودة الروح) نقرأ عن الست زنوبة بطلة الرواية وهي: (ساهمة، تطيل النظر في أوراق (الكوتشينة) التي صفتها أمامها. غارقة في أحلامها، لا ترى إلا الولد الأشقر، بجانب البنت السوداء، وأن الفرج نازل عليهما، وأن أحدهما في طريق سفر، وأن، وأن.. إلى آخر ما في عالم الغيب والرموز!). وكأن ولد الديناري وبنت البستوني، بيديهما إخراج زنوبة من قفص العنوسة، ويفتح أمامها باب الزواج. واعتراض من يلوذ بها على إنفاقها لمصروف البيت كله على قارئي الكف وفاتحي الفنجان وكتابة طلاسم لجلب الحظ!
وتقول الأسطورة الإغريقية إن الكاهن تنبأ للزوجين لايوس وجوكستا أنهما لو أنجبا ابناً، فإن هذا الابن سيقتل الأب، ويتزوج الأم، وعندما أنجبا ابنهما أوديب، حاولا التخلص منه، لتعطيل النبوءة. فأعطيا الولد لأحد الرعاة ليرميه في شعاب الجبال وتركه ليموت. لكن الراعي العطوف يعطي الولد لأحد الرجال، ويعكف الرجل على تربية الطفل أوديب الذي يكبر فيقتل لايوس الأب، ويتزوج جوكستا الأم، وتتحقق نبوءة الكاهن!
وتكتظ مسرحيات شكسبير، وروايات غارسيا ماركيز بأخبار العرافين والمنجمين الذين يملكون قوى خفية سحرية لا يقبلها العقل والمنطق. ومن ذلك التراث الغيبي تحدرت ظواهر قراءة الكف، وقراءة فناجين القهوة، وضرب المندل للعثور على الضائع والمسروق، وستنصرف دراستي هذه لاستيعاب وفهم هذه الظواهر تحت أضواء المعرفة العلمية.
فوضى المصطلحات
كل موضوع قيد الدرس، إذا كثرت مصطلحاته وتعددت تأويلاته، أصابه الشواش والارتباك والانزياحات، وهذا بالضبط ما أصاب ظاهرة الأمور التي تشملها سمة الخارقة للطبيعة، أو الغريبة.
ومن البوابة الكبرى لكل هذه الظواهر الخارقة والغريبة، سأذكر مسرداً لجزء غير يسير لمجموعة من المصطلحات، نقلتها من مجموعة من الكتب المترجمة إلى اللغة العربية والمتوفرة في مكتبتي الشخصية، مع أسماء مؤلفيها ومترجميها لمن يحب الاستزادة.
* من كتاب (علم نفس الحاسة السادسة)، شيلا اوستراندر/لين شرودر/ ترجمة هنرييت عبّودي:
الباراسيكولوجيا، الميتاسيكولوجيا، أو علم ما وراء النفس. الإدراك فوق الحواسي(Extra Sensory Perception) E.S.P. التخاطر telepathy. الاستبصار clairvoyance. السيكوكنيزيا أو فكر تحريك المادة. الراديو العقلي. الإيحاء الذهني.اللينارجيا أو السبات العميق. النُّوام أو Transe. التنويم التخاطري. التقمص الاصطناعي.
* من كتاب (الحاسة السادسة)، جيني راندلز/ تعريب مصطفى محمو محمد:
الأحداث العقلية أو Psi - events. التنجيم occult. أوراق اللعب tarot cards. التصور الوهمي astral projection. مكالمة تلفونية سرابية phantom phone call. الادراك العقلي shimmering haze. الهلوسة والهلوسة الباثولوجية. الأوهام البصرية visual illusions. استرجاع الأحلام. الذاكرة الخفية cryptomnesia. تجربة الاقتراب من الموت (Near Death Experience) NDE.الإدراك السبقي precognition. تجربة الخروج من الجسد OOBE.
* من كتاب (العلم وقدرات الإنسان النفسية)، امبرواز رو/ ستانلي كريبنر/ جيرالد سولفان/ ترجمة وجيه أسعد:
المعرفة الراجعة. الشفاء قرب الطبيعي. الأشباح. الأرواحية. الأدوية الوهمية.
وسأكتفي بهذا القدر من المصطلحات التي وردت في الكتب الثلاثة، وهناك كتب أخرى بين يدي، منها:
(الإنسان وقواه الخفية/ كولن ولسون/ ترجمة سامي خشبة) و(العقلية البدائية/ ليفي بريل/ ترجمة د.محمد القصاص) و(عالم الأرواح/ محمد عبدالهادي حيدر) و(علم الفراسة/ د. إحسان حقي) و(النوم والأحلام/ سيمون مونريه/ ترجمة د.محمود سيد رصاص). وكلها تناقش وتحلل مضامين هذه المصطلحات أعلاه وغيرها، وتذكر الأبحاث والتجارب المخبرية التي تناولتها بالدراسة والتدقيق، وأسماء العلماء الذين تخصصوا في مراجعتها، معززة بأسماء شهود قدموا روايات ووقائع وحكايات تناولها الإعلام، أثارت الدهشة والاستغراب الذي وصل إلى درجة الإنكار أو التصديق، ومنها ننطلق للمرور لرواية ما يخصني أنا شخصياً بهذا الصدد، وما كنت شاهداً عليه.
امتحان تخاطر ناجح
عملت في المملكة لثماني سنوات، وعدت منها إلى دمشق لأداء خدمة العلم ضابطاً في كتيبة طبية عام 1975 بعد غربة خفيت أخبارها عن محيطي بالكامل.
تلقيت آنذاك دعوات كريمة من أهلي وأصدقائي للترحيب بعودتي.
وفي إحدى الدعوات إلى مطعم معروف، تواجد شخص يملك مهارات خاصة في التخاطر أو التيليباثي، والذي يطلق عليه كولن ولسون تسمية مختلفة هي التواصل الروحي، وسأل الشخص الروحاني أحد الحضور بحمل بطاقته الشخصية بين يديه، فسارعت أنا بسبب فضولي العلمي، ولأنني كاتب يحرص على استثمار الأحداث (كاتب في جريدة عكاظ آنذاك)، ولذا حملت بطاقتي العسكرية التي استلمتها قبل أيام عوضاً عن بطاقتي الشخصية المدنية التي يحتفظ بها الجيش عادة.
وبدأ الشخص وبصوت عال يسمعه كل من كان في المطعم بقراءة محتويات البطاقة التي بيدي، بدءاً باسمي الثلاثي الكامل، ورتبتي العسكرية، ورقمها، وكانت كل المعلومات التي نطقها لسانه، مطابقة بالتمام والكمال لمحتويات بطاقتي، وكان الشخص مقابلي ويحدق في وجهي، ويبادلني النظر بتركيز شديد، وعلى بعد ثلاثة أو أربعة أمتار مني، وأنا محشور بين أصدقائي الشهود على هذا الامتحان.
لن أنسى ما حييت هذه الواقعة، وما تزال في خاطري منذ خمسين سنة، والتي قرأت المئات من القصص في عشرات الكتب مثلها، لكنها وقد حدثت معي شخصياً، تبدو لي كمرجعية وتوثيق أصدق من مئات الصفحات المبثوثة في المراجع التي أمامي الآن. وهو الأمر الذي يجعل الماورائيات كلها موضع تفكير جاد.
ظاهرة دمشقية غريبة
زار دمشق في الثمانينات من القرن الماضي شخص روحاني من حلب اسمه عبدالقادر الدقاق، وتحول وجوده إلى ظاهرة اجتماعية، اختلطت فيها النزاهة والواقعية بالخرافة، ولا أعرف ماذا حلَّ بذلك الرجل؟
كنا أربع أو خمس عوائل في سهرة خاصة على شرف عبدالقادر الدقاق. طلب الرجل الروحاني من الجميع كتابة سؤال واحد لكل فرد ليظهر مهاراته التخاطرية. أجاب جميع الذي سألوا واستثنى سيدة ورفض الإجابة عن سؤالها. وكان سؤال السيدة يدور حول زوجها، والذي قُتل برصاصة بعد فترة! الشيخ عبدالقادر بكنيته الشائعة، قال للسيدة، لقد تفاديت الإجابة على سؤالك لأنني رأيت زوجك مُضرجاً بالدماء!
ويشاع أن المتخاطر المذكور لعب دوراً في الخلاف الذي نشأ بين حافظ الأسد وشقيقه رفعت، ولا أحد يعرف طبيعة الدور الذي انتهى دون عنف بخروج رفعت الأسد إلى المنفى!
ولأهمية قواه التخاطرية استضافته الإعلامية المصرية هالة سرحان على إحدى القنوات، وعلى الهواء مباشرة أذهل الحضور بقواه النفسية التخاطرية، وظهر جلياً للمتابعين، أن هذا الإنسان يستحوذ على ملكة استثنائية، لا يعرف هو نفسه شيئاً عنها وكيف ومتى حصلت له، كما أباح لي بذلك.
وقد روى لي عبدالقادر الدقاق الحادثة التالية، قال: كنت في أوروبا، ورغبت في زيارة مصر، ولم أكن أدري أنني أحتاج إلى فيزا. وأوقفوني في مطار القاهرة لحل المشكلة. طلبت مقابلة الرئيس المسؤول عن المطار ووافقوا. عرضت على الضابط الكبير أن أساعد عناصر الجمارك في الكشف عن عملية تهريب، مقابل السماح لي بالدخول إلى مصر. ووافق الرئيس المسؤول على الصفقة.
وقفتُ بين عناصر الجمارك أراقب الداخلين وحقائبهم. وأشرت لعنصر منهم خفية عن شكوكي بواحد من المسافرين الداخلين. تركوه يمر. وبهدوء خارج حواجز التفتيش ضبطوه بتهريبة كبيرة ممنوعة. وسمح لي رئيس المطار بالدخول إلى مدينة القاهرة.
القصة انتشرت في القاهرة بين كبار المسؤولين. وتلقيت عشرات الطلبات من أصحاب القرار لزيارتهم.
وأخرج الرجل كدسة من بطاقات مسؤولين مصريين كباراً ورتبهم العسكرية من ألوية في الجيش وغيرهم، وقلبتها بين يدي، وأنا الحائر بين رفض الحكاية وقبولها. والسبب في حيرتي هو ثقافتي الأكاديمية العلمية التجريبية العالية، وعقلي النقدي، ودربتي الطويلة في مخابر البحث، وإيماني بالوسائل العملانية لتحري الحقائق!
ظلال وضلالات
دعونا نتجاوز أسماء الباحثين الأجانب الغربيين المذكورين أعلاه، وعناوين كتبهم، كي نلقي نظرة على مدوناتنا ومقارباتنا كعرب ومسلمين للسجال الدائر والمحتدم حول هذا الموضوع المعقد.
يرى محمد غازي عرابي في كتابه (فتح الوجود: العرفان والوجود الصوفي - كالغزالي وابن عربي) أن باب (الإلهام) سيظل مفتوحاً، ووصف ابن عربي الإلهام بأنه (بقايا الوحي الذي أبقاه الرسول علينا. ص 136)، وأن (الكشف) أعظم، لأنه نمط يستعمل الحاسة المتخيلة، وهو (نمط جديد عجيب هو أشبه بالسحر. ص135)، إذ (عن طريق الكشف، رأى عمر وهو يخطب الناس ذات يوم، رأى قائد جيشه سارية يكاد يُؤخذ غدراً من قبل العدو الذي كمن له خلف جبل، فصاح - عمر - يا سارية الجبل الجبل، فسمع سارية الصوت فانتبه وأخذ حذره وأنقذ جيشه من كمين مريع. ص 137). ويشير الكتاب إلى (الرؤيا) التي تثير بقوتها الروح الكامن في الإنسان، وخصوصاً عند السالك الصوفي الذي يصل مقام اليقين، الذي يدخل حالة التجلي، كما يدخلها عقل المؤمن الذي يرضى بقبول حالة الغيب، تسليماً منه بنور الإيمان. ص 134. وسِيَر الأنبياء والأولياء تمتلئ بالأحداث والوقائع الخارقة، وكلها تنضوي تحت مفهوم الباراسيكولوجي الحديث.
هذا مثال واحد على قبول المسلم لعلم النفس المقارب. وهناك مثال آخر أستعيره من موسوعة الأبشيهي الشهيرة وعنوانها (المستطرف في كل فنٍ مستظرف)، إذ خصص الباب الستون لسرديات يختزلها العنوان بما يلي: (في الكهانة والقيافة والزَّجر والعرافة والفال والفراسة والنوم والرؤية وما أشبه ذلك) بما في ذلك التطير، وكان ذلك قبل نحو 600 سنة، وبعض ما جاء من مفردات عنوان الأبشيهي، تتماهى مع المصطلحات المذكورة أعلاه.
رحم الله الكاتب النجيب د.عبدالمحسن صالح. نذكره ونستعيد ما جاء في كتابه الجليل (الإنسان الحائر بين العلم والخرافة) حول نبذ الميتافيزيقا وما وراء الطبيعة، وأيضاً حول السيكوكنيزيا أو قدرة الفكر على تحريك المادة، ووصفها بالخداع، كما وصف بطلها يوري جيللر بالتلفيق. وعموماً كان كتابه يقف بحذر حيال كل ما جاء في هذا المدخل من (ماورائيات)، ولن تقوم لها قائمة العلوم التجريبية الواضحة، وأنها من العلوم الزائفة. وأنا من المخبريين والعاملين في حقل العلم التطبيقي، أتفق مع مدرسة الدكتور صالح.
ولذا لا أتابع أبداً نجوم لبنان الذين يحتلون الشاشات ليقرأوا ما يحمله المستقبل من وقائع وأحداث في مطلع كل عام، وأعتبرهم جميعاً من سلالة ومدرسة المتنبئ الأشهر في التاريخ، نوستر أداموس، صاحب الرباعيات التي كتبها منذ نحو خمسة قرون، والتي يزعم بها أنه يكشف الغيب! ويبقى المأثور القائلّ: (كذب المنجمون ولو صدقوا) هو صوت العقل، أفلا تعقلون؟ وقد أكتب لاحقاً إن شاء الله عن بعض المصطلحات بشيء من التفصيل.

ذو صلة