مجلة شهرية - العدد (593)  | فبراير 2026 م- شعبان 1447 هـ

10 ثوانٍ

كان الصمت كثيفاً، وكأنه مادة يمكن لمسها، توقف الكون كلّه عن التنفّس، وطوى الزمن جناحيه، ونام على حافة الوجود.
كنت أطفو في فراغٍ بلا ضوءٍ ولا صوت، كأنني فكرة لم تكتمل بعد.
تباطأت دقات قلبي، حتى خُيِّل إليّ أنني أسمع الفراغ وهو يئنّ بين الضلوع.
تلاشت الأصوات، ثم الضوء، ثم الوعي نفسه.
حتى لم يبقَ شيء سوى ذلك السكون الذي يسبق الولادة أو الموت.
ومن ذاك العدم، تجلّى رجل..
كان يشبه الملاك، لكن فيه شيئاً من البشر، وشيئاً آخر من النور الخالص.
وجهه غائب خلف هالة من ضوء صافٍ، وصوته جاءني كصدى بعيد من السماء:
لديك ثلاث سنوات يا بُني.
أعطني واحدة فقط، وأستبدلها لك بعشر ثوانٍ
لم أفكر ولم أطلب تفسيراً.
قلت: نعم.. نعم ..
كمن يفاوض القدر على قبلة من الخلود.
ابتسم الملاك.
كانت ابتسامته أقرب إلى حزن قديم يعرف نهايته.
ثم قال:
تمّ الأمر.
غمرتني موجة من الضوء.
لا تشبه ضوء الدنيا، بل كأنها أنفاس الخلق الأولى.
وجدت نفسي أسبح في بحرٍ من الألماس السائل،
كل موجةٍ فيه تعكس وجهي في هيئةٍ لم أرها من قبل
وجهٌ من ضوءٍ لا من لحم.
كانت الأسماك تتقافز حولي بألوان لا تنتمي إلى الطيف الذي تعرفه العين.
ألوان تُسمع ولا تُرى، كأنها أنغام الوجود نفسه وقد لبست شكلاً من الجمال.
وفي الأعماق، كانت الغابات تنبثق من لا شيء ثم تتلاشى كالأفكار،
أشجارها من بلور يتنفس، وأوراقها تنزف عطراً يشبه الحنين.
طيور من لهب شفيف تحلّق بين كواكب تتنفس كما يتنفس القلب.
كأن النجوم كلها أصبحت كائنات واعية تراقب دهشتي بصمت مقدّس
كان الخلق يعيد نفسه أمامي، لا من تراب هذه المرة.
بل من ضوء نقيّ يتخذ شكل الحلم..
الأزهار هناك تتكلم بالعطر، تروي حكايات عن أرواح وُلدت من النسيم.
والألوان كانت تُصلّي بلغة لا تُفهم إلا بالقلب.
لغة من موسيقى ناعمة، كل نغمة فيها وعد بالخلود.
ثم جاء صوته من بعيد، مهيباً كأمر إلهيّ رقيق:
بقيت لك سنتان.
تعلقت بالصوت، توسلت للحلم ألا ينتهي:
- عشر ثوانٍ أخرى، يا سيدي.. فقط عشر ثوانٍ أخرى.
وتبدّل المشهد..
كأن يداً خفية قلبت صفحة الكون، فاشتعل الضوء بألوانٍ لم تولد بعد.
الأحمر صار دماً للحياة، والأزرق بحراً من الذاكرة، والأخضر أنفاس الأرض وهي تحلم.
الألوان غنّت، لا كما تغني الأصوات، بل كما تتكلم الأرواح حين تُعفى من الجسد.
الذرات رقصت كما يرقص الزمن حين ينسى نفسه.
تتمايل في لحن لا يسمعه إلا من خرج من حدود المادة.
تطرق عظامي كأوتار شفافة تُعزف عليها موسيقى الخلود.
كل شيء كان حيّاً:
الصخر يخفق، الماء يتنفس، والضوء يضحك ويبكي في اللحظة ذاتها.
حتى الصمت كان يغني، لا لحناً، بل معنى.
كأنه الحقيقة وقد تخلّت عن اللغة.
وهناك، شعرت أنني لم أعد أرى بعينيّ، بل أتنفّس بالجمال نفسه.
كنت أنا المشهد، والراقص، والموسيقى، والعدم.
كنت الحياة كلّها وهي تُجرّب نفسها للحظةٍ قبل أن تتبدّد.
ثم بدأ الضوء يهدأ، كأن الكون أنهكته نشوة الولادة.
الألوان انكمشت في نبضة واحدة خافتة.
ثم ظهر الملاك من جديد، يطفو بين البقايا، كمن خرج من رحم النور وعاد ليغلقه.
قال بصوتٍ مبللٍ بالحنين:
بقيت لك سنة.
تقدّمت نحوه، أو ربما اقترب هو.
الزمن انكسر بيننا، وصار كل شيء موجة واحدة من الرغبة.
همست:
عشر ثوانٍ فقط.. عشر ثوانٍ لأكمل هذا الحلم.
فأطرق الملاك رأسه، وفي عينيه حزن يشبه وداع من يعرف أن الجمال يمكن أن يحرق من يلمسه طويلاً.
وفي لحظة واحدة، تكسّر كل شيء.
الضوء انشق كصدفة، والألوان تساقطت كطيور فقدت أجنحتها،
والكون تنفّس تنهيدةً طويلة، ثم انطفأ.
وانطفأت معه.
لكن شيئاً ما في العدم تحرك.
وميضٌ خافت، كأن الحياة تفكّر في العودة.
الضوء تردد، ثم تسلل من جديد، متردّداً كطفل خرج لتوه من رحم الغياب.
الأشياء تشكّلت من العدم: ظلال، خطوط، وجوه، أصوات..
ثم عاد الضجيج.
صراخ الأجهزة.
أنفاس متوترة.
وجوه مذهولة تراقبني وكأنها رأت المعجزة.
الهواء كان ثقيلاً، والضوء بلا دفء.
مددت يديّ لأتأكد من أنني ما زلت هنا، لكن شيئاً في داخلي بقي هناك..
في تلك العشر ثوانٍ التي كانت أكثر من عمرٍ كامل.
تردّد السؤال في أعماقي كصدى لا ينتهي:
هل أعيش فعلاً هذه السنة؟
أم أنني ما زلت غارقاً في تلك اللحظة التي لم تنتهِ قط؟
نظرت إلى الضوء المنعكس على سقف الغرفة، كان يشبه وجه الملاك، أو وجهاً آخر نسيته في العدم.
أحسست أن العالم من حولي يتحرك ببطءٍ غريب.
كأن كل ثانية تحتاج إذناً كي تمرّ.
في صدري، ما زال شيء يلمع.
نقطة من ذلك النور القديم، لا تنطفئ ولا تكتمل.
تذكّرني بأن هناك مكاناً رأيته ولم يعد لي أن أصفه.
فهمت أخيراً.
أن الزمن ليس خطّاً، بل دائرة تنغلق على نفسها.
وأن تلك العشر ثوانٍ لم تنتهِ يوماً.
بل صارت نبضاً سرمديّاً يعيش في داخلي، يتكرّر كلما أغمضت عيني، وكلما ظننت أنني أتنفّس الحياة.
ربما..
كل ما نسمّيه العمر.
ليس سوى محاولةٍ يائسةٍ لقياس طول الضوء
قبل أن يعود إلى مصدره.
ففي النهاية، لا نموت..
نحن فقط نعود إلى الصمت الذي خُلقنا منه.

ذو صلة