مجلة شهرية - العدد (593)  | فبراير 2026 م- شعبان 1447 هـ

متعة

- (أين ذهبت؟ أنا اشتريتها من سوق الإثنين لهذا اليوم ابحثوا عنها في كل مكان).
قال تلك العبارة وانقلب كل أفراد أسرته كخلية نحل، يبحثون في كل مكان، ماعدا الابن الأصغر، كان ذلك قبل مغرب يوم الخميس، حيث تهمّ الشمس بالغوص خلف الجبل، ويظهر ظل النخيل كأنه أشباح ضخمة راقدة على الأرض يهتز رأسها ذات اليمين وذات اليسار. والسماء تأخذ في التحول من اللون الأزرق إلى اللون الأسود المغطى رقاقة شفافة من الضوء، كما أن النجوم تظهر على حذر في كبد السماء وتختفي، كأنها تنتظر رحيل الشمس لتمرح مع بعضها.
جاء الابن الأوسط، وهو يرتجف خوفاً ويتلعثم، ثم وقف على بعد وقال لأبيه الثائر:
- (يا أبي، عن ماذا نبحث؟)
فقال له بعدما انتهى من سب ولعن الجميع، ولكن الغضب مازال يغطي كل ملامحه:
- (عن شيء).
فاقترب الابن الأوسط أكثر وقال له:
- (ما هو الشيء؟).
فقام الأب بلطمه على وجهه بكفه العريض الجاف، وقال له:
- (عن شيء وخلاص).
عاد الابن الأوسط للبحث مع إخوته، وما زالت اللطمة تشل تفكيره، وتصيب نظره بالضبابية. ظل الجميع يبحث ولا يجرؤ أحد على السؤال عما يبحث.
لاحظ الأب أن الابن الأصغر يجلس في مكان قصي أسفل المصطبة ولا يبحث معهم، فقط كل بضع دقائق يبتسم، وينظر حوله ويعود إلى السكون، فمال الأب وهو جالس على المصطبة ومسكه من معصمه، ثم جره إلى داخل البيت المصنوع من الطين، نظر في عينيه وقال له:
- (أين ال...).
فقال الابن والخوف يجعله يهتز كأن جاناً أصابه، فجعله يهتز كورقة جافة في مهب الريح، تربطه بالأرض قبضة أبيه، ثم تلعثم في كلامه وهو يقول:
- (لقد زرعتها).
- (أين؟).
- (هناك، وسط نباتات الثوم).
فأشار الأب إلى الأبناء بالبحث في نباتات الثوم، فنبش الأبناء كل الأرض المنزرعة بالثوم، ولكن لم يُعثر لها على أثر، وبخاصة أن الشمس قد توارت خلف الجبل، وبدأ الظلام يطرد أي شعاع من الضوء شارداً.
مازال الأب قابضاً على معصم ابنه الأصغر، وبين برهة وأخرى، وبعدما يتوقف لسانه عن السب واللعن، يضغط على معصمه، ثم بإصبعيه السبابة والإبهام يقبض على وجنته بشدة، ويقول له وهو يجز على أسنانه:
- (أين وضعتها يا ابن ال...).
وعلى حين غرة، ظهرت الأم وهي مستبشرة، ووجهها كأنه قنديل يسطع في الظلام، قابضة على شيء ما في يدها، ثم دسته في يد زوجها، ومالت عليه وأسرّت له ببضع كلمات، فأفلت الصغير.
كانت سعادة الأم تفوق سعادة الجميع، حتى على زوجها الذي تهلل وجهه، وبين الفينة والأخرى يفتح يده، ينظر فيها فلا يرى شيئاً من الظلام، ثم يحرك إصبعه السبابة في باطن كفه يتحسس ذلك الشيء فيزداد وجهه إشراقاً، وتتسع ابتسامته.
لم يشعر أحد بأذان المغرب، الذي مرّ منذ فترة، عاد الجميع إلى المنزل، ووجدوا طعام العشاء معدّاً، فجلس الجميع لتناول الطعام، ماعدا الأم التي اختفت ولم تظهر إلا بعد أذان العِشاء، مشرقة الوجه كأنها عروس في ليلة فرحها.
أما الأب فبعد تناوله لطعام العَشاء، توضأ وصلى العِشاء، ثم أرسل يده في سيالته، وأخرج منها صرة من قماش كان قد وضع فيها ما عثرت عليه زوجته، فتحها على مهل، ثم اقترب من لمبة الكيروسين الوحيدة في ذلك المنزل الريفي، وجدها مفتتة، حيث قام الصغير بتحطيمها إلى أجزاء صغيرة، تذوقها، ثم لفظها عندما ذاق مرارتها.
كالعادة، خرج الأبناء بعد العشاء للجلوس خارج المنزل الريفي، ولكن هذه المرة مختلفة، فقد أمسى الصغير محط اهتمامهم، فالجميع يسأل عن هذا الشيء الذي كان يبحث عنه الأب، ماعدا الابن الأكبر الذي دار إلى خلف المنزل، حيث غرفة أبيه محاولاً التلصص عبر النافذة القديمة واستراق السمع.

ذو صلة