ملتف في معطفي الأسود الغليظ، دافن يدي في جيوبه، والريح من حولي تعوي، كأنها تنفخ تيار شفرات حلاقة، تلسعني، فتتخدر شفتاي اللتان لم أعد أقوى على تحريكهما. ثم يسيل مخاط من أنفي، فأدس وجهي في وشاحي الأسود الغليظ وأواصل المشي من دون هدف.
وهدير النهر عن يميني، كأنه ترديد لصدى شهقات اليتامى المختنقة، يتخطّفني! ويغيبني فجأة عن ثرثرة الوجود.
أشعر بالغثيان وتستبد بي رغبة جامحة في البكاء، وكالمقبل على الموت، أشرقت طفولتي في أفق عيني المعتم من جديد، فرأيتني صغيراً في غابة الزيتون خلف بيتنا القديم، حاملاً غصن شجرة، ألوح به في الهواء، أسمع حسيس حركاته العشوائية. ثم أشق بعدها رمانة صغيرة وأضع حباتها فوق راحة يمناي.. أتأملها، جواهر فرادى، حمراء باهتة، صغيرات يتيمات تبكين.. أضع حبة منهن في فمي، أقضمها.
شعرت فجأة بانبعاث مرارة ثمراتها في فمي، ثم خيل لي كأنني أسمع خليطاً من صوت أبي يناديني من السماء مع صدى دعوات أمي وأنا راجع من الكتاب في المساء. وهذا الشعور المتوحد والمتفرد باليتم الذي داهمني فجأة، يسقيني كأس الهذيان.
واليتم حمّى تعودني في ليالي الشتاء الطويلة، لتذكرني بأنني لست سوى يتيم يترنح في شوارع الأسى المظلمة، وليدخلني في نوبات جنونه.
نعم لقد أصبحت يتيماً..
يتيم...
يتيم كحظ جندي وحيد في ساحة المعركة، لاذ بين البنايات المهدمة لمّا حوصر من كل الجهات، وفي زنده رصاصة واحدة، والسماء من فوقه فوهة موت غير مبالية!
يتيم كالحسون ينوح في القفص الصدئ، يبكي شمس الأوطان، فيضحك الغافل الفظ قبالته ثم يرقص رقصته الماجنة!
يتيم كحبة الرمل الضائعة تدفعها الريح اللافحة بعيداً، وبطن الصحراء لها أم جافية.. بتيهها غير عابئة!
يتيم كالجوهر الفرد في المدينة القاحلة، يبحث عن عَرَض دون فائدة، والفضيلة فيها زوجة أب قاسية!
وصهلت الخيول الحامية، وعبثت الرياح العاتية بما تبقى من خيالِ حظي حين ألقيت بالنرد في السماء ثانية!
ثم رأيت قدري يأتي نازلاً من الصحراء، جحافل خيول صاخبة، تصهل وتدوس غير راغبة على بقايا سَعدي بحوافر نُقش عليها شفرة حمضي النووي، بلغة غير لغة أمي.. أعجمية قاسية!
تفتك وتأخذ حصتها مني ألماً، والأرض من تحتي ترتج وتدور في حتمية غير مبالية!
ثم رأيتني، من وسط غابة الزيتون، أقسم لأمي باني سأضع قطعاً حظي من الماء عارياً ليبيت مقبلاً وجه السماء المرصعة بالنجوم الزاهية، وأن لا آكل حبات اللوز إلا ثلاثاً أو دون ذلك، وأنه سيبيت الماء المثلج عند فراشي كل ليلة ولو كان بردها قاسياً.
وسأرش كل ليلة سريري بقليل من الملح قبل المنام، وأنفث التعاويذ في كفي سبعاً سبعاً، ولن ألفظ بعد هذا بكلمة، لماذا؟ حتى لا يخنقني غول الدروب الملتوية، ولن أحبس البتة، يا أماه، طير الحسون في قفص وإن خوّلت لي نفسي هذا، فسأرى ذراعك الأيمن يعلو كجناح طير مهيض بإصبع ليتوعّدني بحنان، ثم أسمع صدى صوتك بعدها يتلو متلعثماً وفي رهبة مرتعشة: (ما يمسكهن إلا الرحمن)!
ولن أقطع بعد هذا غصن شجر الزيتون ولو كان من الثمار خالياً. وسألملم القش لعش العصفور، وأجهز الماء البارد أمام عتبة الدار للعطشى الأيام الحرور، وسأزور قبر أبي مشياً كل الجُمَعِ ولو كانت شمسها قائظة. وسأتلو عنده سورة يس بخشوع، كاملة غير ناقصة. وسأرش زهرَ قبره والقبور المجاورة بماء النجوم.
ثم رأيتني صغيراً في البيت بجوار أبي صباح يوم العيد، والغرفة تتضوع برائحة الكعك والشاي بالنعناع وأنا أرتدي صندلي الجلدي وملابس العيد الجديدة. والمذياع الأسود يصدح بالأغاني العتيقة الخالدة، أقبل خده الأملس المعطر برائحة كولونيا بعد الحلاقة، ثم أضع رأسي على صدره القوي الأمين.. أشتم عبق النبوة!
والأبوة بنت النبوة الصغيرة، لذا فلطالما تحققت نبوءات أبي ونجح نجاحاً باهراً في حدس نجاحاتي وانتكاساتي.
ويخرج أبي من جيبه حفنة من النقود ثم يضعها على الطاولة الخشبية المشقوقة.. أحاول أخذها بيدي الصغيرة دفعة واحدة! أفشل فشلاً ذريعاً وأشعر بإحباط سرعان ما يتبدد سحابه عندما يضحك أبي ملء شدقيه، فتتراقص جنبات البيت لضحكته، ثم يغني طير الحسون، الطليقُ في صدري، المُقَفص في ردهة البيت المشمسة، جذلاً مسروراً. أمسك ما استطعت ببعض النقود، أضعها في جيبي، أقتلع صندلي الجديد بلهفة معتوهة، ثم أركض إلى الخارج حافياً، فرحاً مزهواً.