إذا جاز لنا أن نجعل من عبارة (العالم العربي بين إعادة التكوين والاستمرارية) عنواناً للكلام في هذه السطور، فإن عنواناً بهذه الصيغة يظل في أصل الموضوع، بقدر ما هو في القلب من التوقيت المناسب.
فإذا ذهبنا إلى شرح ذلك بشيء من التفصيل، قلنا إن هذا عنوان يأتي في أصل الموضوع، لا لشيء، إلا لأنه لا موضوع يمكن أن يأخذ الأولوية في الطرح هذه الأيام أكثر من موضوع كهذا، وإلا، فهل هناك موضوع أهم من أن يتكئ عالمنا العربي على الاستمرارية كمبدأ مستقر؟ أو أهم بالدرجة نفسها من التوجه إلى إعادة التكوين كمبدأ مماثل؟
فإذا ذهبنا إلى شرح ذلك بشيء من التفصيل، قلنا إن هذا عنوان يأتي في أصل الموضوع، لا لشيء، إلا لأنه لا موضوع يمكن أن يأخذ الأولوية في الطرح هذه الأيام أكثر من موضوع كهذا، وإلا، فهل هناك موضوع أهم من أن يتكئ عالمنا العربي على الاستمرارية كمبدأ مستقر؟ أو أهم بالدرجة نفسها من التوجه إلى إعادة التكوين كمبدأ مماثل؟
لقد مر العالم العربي خلال الخمس عشرة سنة الماضية بحدثين كان كل حدث منهما بحجم زلزال، ولأنهما كانا كذلك، فإنهما يفرضان على عالمنا العربي أن يرفع الاستمرارية شعاراً، ومعها إعادة التكوين شعاراً آخر، وأن يتجه بعد رفعهما إلى إنزالهما من شعارين في الفضاء إلى واقعين على الأرض في دنيا الناس على أرض العرب.
كان الحدث الأول هو ما سُمي الربيع العربي في 2011 وما بعدها، ولأنه لم يكن ربيعاً بالمعنى المفهوم على المستوى السياسي للكلمة، فإنه قد غادر بينما العرب الذين هبت عليهم عواصفه ليسوا هم العرب الذين كانوا قبلها. وكان الحدث الثاني هو الحرب الإسرائيلية الوحشية على الفلسطينيين في قطاع غزة بالذات، وفي أرض فلسطين بالعموم، وهي حرب دامت عامين كاملين، وإذا شئنا الدقة كان علينا أن نقول إنها دامت سنتين كاملتين وأسبوعاً، لأن توقفها الرسمي كان يوم أن جرى توقيع وقف القتال في شرم الشيخ في 13 أكتوبر. وهذا بدوره كحدث فاجأ المنطقة في السابع من أكتوبر 2023، فلما غادرها أو كاد لم تكن المنطقة على الهيئة التي جاء فوجدها عليها.
إن في الحدثين من التفاصيل ما يملأ الكتب، ويكفي أن نذكر أحدهما أو كليهما ليتذكر السامع من هذه التفاصيل ما لا يُعد ولا يُحصى، وما لا يمكن نسيانه، ولا القفز فوقه، ولا التغافل عنه مهما كان.
من هنا كان الكلام عن الاستمرارية كلاماً في موضعه بالتمام، وكان الحديث عن إعادة التكوين حديثاً في موضوع هو بمثابة موضوع الساعة كما نقول في العادة، إذا أردنا أن نشير إلى قضية لا يمكن تأجيلها فضلاً عن استبعادها. أما لماذا هذا هو التوقيت الأنسب الآن؟ فلأن جامعة الدول العربية، بوصفها المنظمة الإقليمية الأهم لدينا، سوف تذهب خلال شهور قليلة من اليوم إلى اختيار أمين عام جديد، وسوف يكون مجيء أمين عام جديد بمثابة التجديد لدماء العمل فيها بحكم طبائع الأمور، وسوف يكون تجديد الدماء طريقاً إلى إنعاش الأداء في داخلها وفي مؤسساتها المتنوعة.
إن علينا عند الخوض في قضية مثل قضية إعادة التكوين في العالم العربي، أن نضع رهاننا على كيان مثل كيان جامعة الدول، لا على دولة عربية هنا أو أخرى هناك، لأننا نتحدث عن عالم عربي في مجمله لا عن دولة عربية بعينها، ولأننا لا يمكن أن نضمن نجاح عملية كعملية إعادة التكوين، ما لم يكن القائم عليها كياناً إقليمياً من نوعية جامعة الدول. فهي تتكلم باسم العرب إذا تكلمت، وتنطق بلسانهم إذا نطقت، وتعمل بإراداتهم مجتمعة إذا عملت، وتجمعهم تحت مظلتها إذا أسعفتها الظروف والأجواء.
وقد قيل إن الوزير نبيل فهمي هو الأمين العام المقبل، وإذا صح مجيئه فسوف يكون عليه أن يبعث الحياة في الجامعة، وسوف يكون عليه أن يعمل على ما هو ممكن في النطاق الذي يخصها، وأن يتجنب مؤقتاً ما هو غير ممكن. فلقد جرت العادة على أن يتركز الحديث عن جامعة الدول في الأمانة العامة أو في الأمين العام، أي في الجانب السياسي من الجامعة دون سواه، مع أن فيها من صور العمل الاقتصادي أو الثقافي مثلاً، ما يمكن أن يجعل من شعار إعادة التكوين واقعاً حياً وفعالاً في أرض العرب.
لدى الجامعة منظمة تتبعها اسمها اليونسكو العربي، وهي منظمة تتخذ من تونس مقراً لها، أي أنها منظمة عربية معنية بالتربية والثقافة والعلوم، تماماً كما هو الحال في منظمة اليونسكو التي تتبع الأمم المتحدة وتتخذ من باريس مقراً لها. ولأن التربية والثقافة والعلوم تجمع العرب على ما تفرقهم فيه السياسة، فإن العمل خلال عقد مقبل من الزمان على منظمة كاليونسكو العربي، هو عمل كفيل بأن يغير في ملامح الوجه الذي يطل به العرب على العالم.
أريد أن أقول إن عملية إعادة التكوين تبدأ من جامعة الدول لا من عواصم عربية متفرقة، لأن الجامعة تجمع بحكم اسمها على الأقل، ولأن العواصم تفرقها الإرادات السياسية المتنافسة في العادة، ومن دواعي الفأل الحسن أن يكون العقد الذي يبدأ هذه السنة مقترناً باختيار أمين عام جديد، وهو رجل سوف يأتي ومعه أداء مختلف بالضرورة، وعند ذلك سيكون لمبدأ إعادة التكوين موطئ قدم، وستكون الاستمرارية عمليةً موازيةً له وجزءاً عضوياً منه بالضرورة أيضاً.