مجلة شهرية - العدد (593)  | فبراير 2026 م- شعبان 1447 هـ

نحو منظومة تعددية دولية

صوب تعدد القوى؛ تتجه ملامح التعددية الدولية، منبعثة بقوة ومؤشرة بانعطافة المحفل الدولي، بعد هيمنة مفاهيم النظام الدولي الجديد، المنبثقة في عمقها من احتكارية القطب الأمريكي الواحد في هذه المفاهيم، المطبوعة بسياسة العولمة الاستيطانية التجويفية، والمُجهِزة على كل المعايير الإنسانية والممزقة للأنساق القانونية التي لطالما اجتهدت البشرية لبلوغها، حتى تنظم عبرها حياة الجماعة الدولية. وبذلك لم يَسلم المبدأ الإنساني، في نهاية المطاف من التمثيل بروحه القانونية، ولا الإنسان سَلِم من مجازر التنكيل ومحرقات الإبادة، رغم كل شعارات التعايش والتعاون وحفظ الأمن والسلم الدوليين.
وتفعّل الولايات المتحدة الأمريكية العولمة مفهوماً مرادفاً للهيمنة، حيث توظفها أداةً فعالة لبسط هيمنتها على مناطق مختلفة من العالم، في إطار سياسة سيطرة القطب الواحد، والترويج لفكرة العالم قرية صغيرة، قوامها الانفتاح والتواصل وحماية حقوق الإنسان.. وما إلى ذلك، وهذه دعاية هي عينها الشعار الذي اختارته لسياستها الجديدة في الغزو الكامن في العولمة، وسخرت لها ترسانتها الإعلامية، لإرساء قواعد هذا المفهوم وإشاعته على المستوى العالمي.
وقد أسفر ذلك كله عن تراجع مفهوم السيادة الوطنية للدول الذي تغيرت عناصره، بحكم أن إشكاليات العلاقات الدولية نفسها تبدلت، الأمر الذي ساعد على تصاعد الهيمنة الأمريكية وتبرير وجودها عملياً. وقد كان من تداعياتها تلك الهيمنة السائدة على منظمة الأمم المتحدة، وعدم قدرة هذه الأخيرة على تحقيق مراميها، وتطبيق المبادئ التي تبنتها في ميثاقها. وهذا لا يخفي صراحة كيفية تعامل الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها مع أهداف ومبادئ هاته المنظمة الأممية، من منظور نفعي خالص، واستغلالها لتحقيق مصالحها.
***
يبدو أن النظام الدولي الأحادي القطبية قد دخل مرحلته الهشة، وباتت المواقف الدولية -الروسية والصينية بشكل خاص- تشير إلى تراجع الهيمنة الأمريكية لمصلحة عودة التوازن بين القوى الدولية، داخل الأمم المتحدة وخارجها، سيما بعد عودة الدور الروسي للمشهد الدولي. وفي ظل عودة التوازن على مستوى الصراع الدولي؛ تراجع دور الأمم المتحدة، إذ لم تنجح في وضع حد لأي من الصراعات الدولية التي تفجرت في الفترة الأخيرة، وقد بات واضحاً أن أقطاباً دولية باتت تنازع الولايات المتحدة سيطرتها على العالم، وتتعارض مع رؤيتها لحل الصراعات الدولية، وهذا يستدعي قراءة جديدة للمشهد السياسي الدولي. والحال أن الهيمنة دائماً وبالضرورة متعددة الأبعاد ونسبية، لذا فهي مهددة بتعدد الأبعاد، بمعنى أنها ليست اقتصادية وحسب (إنتاجية أعلى في قطاعات الإنتاج الطليعية، مبادرة في الاختراع التكنولوجي، وزن حاسم من المبادلات التجارية العالمية، تحكم بالعملة الأساسية للنظام)، بل سياسية وإيديولوجية وعسكرية. ونسبية لأن الاقتصاد الرأسمالي العالمي ليس إمبراطورية عالمية يحكمها مركز وحيد، فالمركز المهيمن مرغم دائماً على القيام بتسويات مع الآخرين، حتى لو كانوا في وضعية الخاضع، سيما إذا كانوا يرفضون هذه الوضعية، ولهذا السبب بالتحديد تظل الهيمنة مهددة بتحول موازين القوى بين شركاء النظام العالمي.
***
حقيقة فما يدل على تغير أبجديات الصراع الدولي، تراجع الصراع العسكري والأيديولوجي لمصلحة التعاون والاعتماد المتبادل بين مجموع القوى الدولية. ومع تزايد عدد الفاعلين الدوليين القادرين على التأثير في القضايا العالمية؛ فإن التعددية القطبية، لم تعد مجرد نظرية فحسب، بل أصبحت واقعاً ملموساً يستحيل تجاوزه مستقبلاً، ويتجلى ذلك في الأدوار المتنامية لقوى مثل الصين والهند والبرازيل، إلى جانب قوى إقليمية أخرى تسعى إلى تعزيز نفوذها على الساحة الدولية. وتقدم الصين نفسها هنا المدافع الأول عن نظام عالمي متعدد الأقطاب، حيث تروم في جل تحركاتها إعادة تشكيل مؤسسات الحكم العالمية لتعكس ديناميات القوة المتغيرة لمصلحة الدول غير الغربية، فالصين كما هو معلوم قوة صاعدة، تسعى إلى اكتساب الاعتراف بها في النظام الدولي قوةً عظمى من طرف الولايات المتحدة الأمريكية التي إن قبلت الاعتراف بمكانتها الدولية فإن صعودها سيكون سلمياً، وبالإمكان في نهاية المطاف أن تجنب النظام الدولي حروباً ومشكلات أمنية.
***
بدون مبالغة، فبروز تلك المنظومة العالمية الجديدة، يمثل حالة وسطية بين الاعتراف بالقوة الأمريكية قوةً عظمى لها مصالحها، والنظام المتعدد الأقطاب، وهذه المنظومة بالذات من الممكن أن تتبنى نمطاً توافقياً من التفاعلات الدولية، بحيث تتراجع فيه الزعامة الأمريكية، ويحدث نوع من التوازن بين التكتلات الاقتصادية الكبرى، مع تمايز المصالح في ما بينها.
فلا مجال إذاً لنشوب صراعات وجودية قائمة على الصراع الأيديولوجي قد تقود عملياً إلى حروب عالمية كبرى، وقد يتحول الصراع إلى حالة من التنافس الاقتصادي والسياسي الذي قد يصل إلى درجة من الحدة أو التأزم في الغالب الأعم، مثلما هو حاصل في الأزمتين الأوكرانية والسورية، لكن من دون الوصول إلى مستوى الصراعات العسكرية الكبرى، بسبب وجود درجة عالية من الاعتماد المتبادل فرضتها مقتضيات العلاقات الاقتصادية. هذا بطبيعة الحال، مع الأخذ بعين الاعتبار التحول الجذري في الرأي العام العالمي الذي أصبح رافضاً بقوة لخوض حروب كبرى لن ينتج منها سوى مزيد من العنف وعدم الاستقرار، كما أن الاقتصاد الأمريكي لم يعد يحتمل حروباً خارجية، وهذا ما يبرر عودة نمط الحروب بالوكالة التي تدور في مناطق مختلفة من العالم.

ذو صلة