مجلة شهرية - العدد (593)  | فبراير 2026 م- شعبان 1447 هـ

تحولات القوة واتجاهات المستقبل

تُشير حدّة النزاعات والصراعات الدولية الراهنة التي تحاول إعادة تشكيل الواقع الجيوسياسي في مناطق مختلفة، والمنافسة المتصاعدة بين القوى الكبرى، وصعود أدوار القوى المتوسطة في أقاليمها؛ إلى أن هناك تحولات جوهرية في ميزان القوة العالمي، ربما لا ترقى هذه التفاعلات إلى ما يمكن وصفه بتحول هيكل القوة في غير صالح الولايات المتحدة، لكنه تطور قد يؤشر إلى تغيير محتمل في النظام الدولي الراهن على المدى الأبعد. يمكن تناول أبعاد هذا التغيير وأبرز ملامحه وتجلياته على النحو الآتي:
1. تحولات موازين القوة بين الشرق والغرب
إن ما يجري منذ عقود، ويتشكل الآن بوتيرة أسرع من أي وقت مضى، وأصبح واقعاً ملموساً، هو التحولات الكبيرة في موازين القوة بين القوى الشرقية الصاعدة، والدول الغربية ممثلةً في الولايات المتحدة الأمريكية، والتي ظلَّت تهيمن على النظام الدولي منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في مطلع تسعينات القرن العشرين، مما يفرض تحديات على القوى الغربية التقليدية التي تسعى للحفاظ على هيمنتها، ويخلق حالة من عدم اليقين بشأن طبيعة الانتقال القادم.
فقد عزَّزت سياسات النفوذ والسيطرة والهيمنة التي تفرضها الدول الغربية على العالم، من اتساع نطاق المتضررين من استمرارية الأحادية القطبية، واتساع دائرة الداعين بشدة إلى خلق نظام دولي متعدد الأقطاب يوفر مساحة تحرك للقوى المتوسطة ومن خلفها الدول الصغيرة لحماية مصالحها. كما أن التقدم التكنولوجي والاقتصادي والعسكري الذي شهدته دولٌ شرقية تمتلك إرثاً حضارياً وسياسياً وثقافياً واقتصادياً مثل الصين وروسيا والهند وغيرها من الدول بمنطقة الشرق الأوسط؛ بات يؤهلها لتكريس موقعها بصفتها فاعلاً مهماً ورئسياً في صياغة التوازنات الدولية، لوضع حدٍ للتدخلات الغربية في شؤون الدول ويحفظ سيادتها واستغلالها، ويكسر الهيمنة التي تفرضها قوى بعينها على الاقتصاد العالمي.
على المستوى العسكري تمتلك بعض الدول الشرقية قدرات عسكرية هائلة، بل إن عدداً منها يمتلك جيوشاً تُعد الأقوى في العالم مثل الجيش الروسي الذي يحتل المرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة من حيث القوة العسكرية، تليها الصين في المرتبة الثالثة ثم الهند في المرتبة الرابعة، فضلاً عن ضمّها 5 قوى نووية هي روسيا والصين والهند وباكستان وكوريا الشمالية.
وبخصوص التحولات الاقتصادية العالمية، فهناك مؤشرات ملموسة على تحرك مراكز القوى الاقتصادية نحو التعددية القطبية، فلم يعُد القطب الغربي المتمثل في الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوربي هو المركز الوحيد، ليس هذا فحسب، بل هناك تراجعٌ في نفوذ الولايات المتحدة الاقتصادي وبدرجة أكبر الاتحاد الأوروبي، في مقابل صعود الصين، والتكتلات الاقتصادية الجديدة مثل مجموعة البريكس ورابطة دول الآسيان، يتضحُ هذا في مؤشرات ملموسة كنصيب الناتج المحلي نسبةً إلى الناتج العالمي (61 % من الناتج المحلي العالمي للاقتصادات الناشئة والنامية في مقابل 28 % لمجموعة G7)، أو أنصبة تلك الدول في التجارة والاستثمارات والديون العالمية، وصناعة التكنولوجيا وسلاسل الإمداد، علاوةً على التغيرات الديموغرافية.. وغيرها من المؤشرات.
بجانب ظهور بوادر مهمة على إعادة تموضع أو توزيع مراكز الجغرافيا الاقتصادية العالمية، لن نقول تحولاً بعد، وإن كانت تحمل في طياتها بذور تحول مستقبلي. علماً بأن التحول ليس أمراً مستبعداً، بل هو على العكس الأمر الثابت في التاريخ الاقتصادي، فقبل أن تتزعم بريطانيا الاقتصاد العالمي لعقود بعد ثورتها الصناعية بنهاية القرن الثامن عشر وسياساتها الاستعمارية بالخارج لاحتكار الموارد، أو أن تسودَ الولايات المتحدة الأمريكية الاقتصاد العالمي خلال وبعد الحرب العالمية الثانية؛ سادت قبلهما الصين ومعها الهند في الإنتاج والتجارة الدولية لقرون، وكانت مركز الجغرافيا الاقتصادية للعالم مع وجود أطراف أخرى.
في حين تتجهُ الجغرافيا الاقتصادية الجديدة لتشكيل بضعة مراكز بدلاً من مركز واحد مع مساهمة أطراف عدة، إذ يتناقص نصيب الغرب مركزياً، في مقابل تزايد مركزية الصين. وتتزايد مساهمة أطراف عدة من الاقتصادات الناشئة والنامية في الشرق والجنوب. كما ستستندُ تحولات الجغرافيا الاقتصادية الجديدة على ثلاث أدوات مهمة ستُساعد في تشكل المراكز العالمية الجديدة لمن يتمكن منها، وهي: التطور التكنولوجي والذكاء الاصطناعي (الثورة الصناعية المحتملة)، والتحول نحو الطاقات البديلة (التحول الأخضر)، والرقمنة أو الاقتصاد الرقمي، وخلق أنظمة مالية دولية تكسر الاحتكار الغربي الحالي لها أو ربما تكون بديلاً.
2. تراجع المركزية الأمريكية وصعود التعددية القطبية
لم تجرِ حتى الآن تغييرات في هيكل القوة العالمي، مع ذلك ثمة مؤشرات على وجود تغييرات في طبيعة التفاعلات والقواعد الحاكمة لهذا النظام، وهي تغييرات بدأت منذ زمن، وتشير في مجملها إلى تحولات جوهرية قد تكون مؤثرةً على المدى البعيد في إعادة تشكيل النظام نحو التعددية القطبية أو أي نظام آخر. من بين هذه التغييرات تطورات مستمرة يشهدها مؤشر القوة العالمي، الذي رغم أنه يؤكد تفوق واشنطن لكنه خلال هذا العام 2025 يُشير إلى تغييرات تزداد بصورة تراكمية في عدة عناصر منها: محددات القوة التي تشكل هيكل هذا النظام وترتيب القوى فيه، والتحالفات التي تستند إليها القوى العظمى لتقوية مراكزها، ومدى الرضا عن النظام القائم.
لقد غيَّرت التكنولوجيا محددات القوة العسكرية والاقتصادية، فأصبحت الحروب الحديثة تعتمُد أنماطاً هجينة، ومنحت دولاً مختلفة دوراً تحكمياً في التأثير في سير المعارك، بل القدرة على تقليل تأثير الفجوة في القوة العسكرية التقليدية، وذلك كما هو مشاهد في الحرب الروسية-الأوكرانية، وفي الحرب بين إيران وإسرائيل، والتي كسرت واحداً من الثوابت العسكرية، وهو بُعد الجغرافيا العسكرية في الحروب بين الدول.
كما دخلت المعادن النادرة المورد المهم لتكون محدداً في أوزان القوى العالمية، حيث تتسابق الدول على هذا المورد الحيوي، وأصبح هو السمة الحالية الأبرز للتنافس الدولي، لدوره في تغيير ميزان القوة العالمي، كذلك ما تزال هناك محاولات لرسم مشهد التحالفات العالمية عبر ممرات التجارة الدولية، وهو ما فجَّر الصراعات الجيوسياسية وعمَّق من التنافس والفوضى العالمية.
في ظل هذه التغييرات النظامية والتكنولوجية والمؤثرة على موازين القوة فإن التفوق النسبي الأمريكي يتقلَّص أمام مساعي قوى أخرى نجحت نسبياً هي الأخرى في تعزيز عناصر قوتها الشاملة. من بين هذه القوى، قوى كبرى كالصين التي تُعظِّم من قدراتها عبر إستراتيجية متكاملة سياسية واقتصادية وعسكرية لتصدُّرِ النظام الدولي والتربعِ على موقع القيادة على مدى إستراتيجي، ومن مؤشرات التحول في نهج الصين تغيُّر استعداداتها لمواجهة واشنطن، ومن مؤشرات ذلك خوض حرب تجارية متكافئة مع واشنطن، وطرح نفسها بديلاً وشريكاً سياسياً واقتصادياً ضامناً للأمن والتنمية والاستقرار، بل تطرح نفسها شريكاً عالمياً داعماً للتجارة الحرة في الوقت الذي تتخلي فيه الولايات المتحدة عن استكمال هذا المسار.
علاوةً على ذلك يتعاظم تأثير قوى متوسطة في أقاليمها، وأصبحت ذات وزن وصوت مسموع على الصعيد العالمي كالمملكة العربية السعودية على سبيل المثال، التي تسعى إلى الاستقلالية وتنويع شراكاتها، وتتطلَّع إلى نظام دولي تعددي أكثر عدالةً وشفافيةً واحتراماً للقواعد. إن مسألة الإجماع العالمي على تفوق واشنطن وقيادتها أصبحت قابلةً للشك، وأصبح هناك نزاع قائم ومراجعة تُجرى وأفكار ومبادرات تُختَبر.
وفي هذا السياق تتنامى أدوار منظمات وتجمعات دولية وإقليمية تتشارك نزعةَ الرغبة في مراجعة قواعد النظام الدولي الراهن بشقيه السياسي والاقتصادي، كتجمعات شنغهاي وبريكس، التي تضعُ ضمن أولوياتها، تقييدَ عناصر التحكم الأمريكي في النظام بما في ذلك مقاومة العقوبات وإحباط هيمنة الدولار، والعودة للذهب مخزناً للعملة، وذلك في وقت تضعُف فيه قوى أخرى ويتقلص دورها ومركزها السياسي والاقتصادي، كبعض القوى الأوروبية واليابان وربما روسيا، وكذلك مؤسسات دولية كالأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة ومن أهمها منظمة التجارة العالمية، ناهيك عن هياكل منافسة كالناتو والاتحاد الأوروبي.. وغيرها من التحالفات الغربية.
3. أدوار القوى المتوسطة في صياغة النظام العالمي الجديد
لطالما ركزت الدراسات العالمية لكبريات المعاهد والمراكز البحثية المتخصصة في دراسة موازين القوى الدولية؛ على أدوار القوى العظمى والكبرى مثل الولايات المتحدة والصين في صياغة النظام الدولي، باعتبارهما الفاعلين الرئيسين في استقرار أو تشكيل أو تعديل النظام الدولي. ومع ذلك، فإن القوى المتوسطة باتت تفرضُ نفسها بشكل متزايد خلال العقدين الماضيين لتكون أطرافاً فاعلة ومؤثرة في المشهد الدولي، حيث لم تعُد تقتصر أدوارها على الاستجابة المطلقة أو التبعية أو التكيف مع السياسات والتوجهات والمطالب التي تفرضها القوى العظمى والكبرى، بل أضحت تمتلك القدرة والمقدرة على التأثير التعديلي في بنية النظام الدولي، بل والمساهمة في تحقيق التوازن بين القوى الكبرى والعظمى.
تصاعدت رغبة القوى المتوسطة في التأثير بالنظام الدولي نتيجةَ حدوث تحول في توزيع القوة بين الفواعل المتوسطة والدولية في الهرمية الدولية، ونزوع العديد من القوى المتوسطة نحو تحقيق ولو قدر من الاستقلالية في سياستها الخارجية بعيداً عن ضغوط الأحادية القطبية، بعدما أدركت الخلل في مقاربة إدارة القطب الأوحد لمصالحه مع شبكة تحالفاته العالمية، حيث تعتمد الولايات المتحدة على تحقيق مصالحها الخاصة بغض النظر عن مصالح الحلفاء، والتي في الغالب تُضحي بها خدمةً لمصالحها، كما تتخلى عن حلفائها في أحايين كثيرة باستثناء الحليف الإسرائيلي. هذه السياسات جعلت القوى المتوسطة تُعيد النظر في سياساتها تجاه القطبية الأحادية، وتبحث عن المساواة والاستقلالية في سياستها الخارجية لتحقيق مصالحها الذاتية بعيداً عن التحالفات التقليدية مع الولايات المتحدة، وذلك عبر التأثير في بنية النظام الدولي القائم.
من بين الأحادية والثنائية والتعددية القطبية، يبدو أن النظام الدولي متعدد الأقطاب، هو النظام المفضل للقوى المتوسطة لتوسيع هامش حركتها وقدرتها على المساومة وتحقيق مصالحها، عندما تسعى كافة الأقطاب المتصارعة لاستقطابها إلى جانبها لتعديل أو استقرار النظام الدولي، فعادةً ما تكون القوى المتوسطة رمانةَ ميزان النظام الدولي إنْ يميناً أو يساراً. لكن يتوقف حجم المكاسب والمصالح المحققة على مدى إدراك وقدرة القيادة السياسية للقوى المتوسطة على دفع النظام الدولي نحو التعددية القطبية، وضمان عدم وجود قوة دولية واحدة تتحكمُ في القيادة الدولية.

ذو صلة