مجلة شهرية - العدد (592)  | يناير 2026 م- رجب 1447 هـ

الحداثة والتراث.. هل التصادم حتمي أم التفاعل ممكن؟

في قلب كل أمة حية، ينبض سؤال قديم متجدد، سؤال يتسلل إلى وجدان المفكرين والمثقفين، كما يتردد في أروقة السياسة ومراكز اتخاذ القرار، بل وحتى في تفاصيل الحياة اليومية للناس. إنه سؤال العلاقة بين الحداثة والتراث، بين ما نرثه من الماضي، بكل ما يحمله من رموز وقيم وتقاليد، وبين ما نواجهه من تحديات الحاضر وتطلعات المستقبل، وما تفرضه علينا الحياة المعاصرة من تجديد وتحديث وتحول دائم. هل يمكن لهذين القطبين أن يتفاعلا دون صدام؟ هل نحن ملزمون بالتضحية بأحدهما لصالح الآخر؟ أم أن هناك طريقاً ثالثاً، أكثر عمقاً وذكاءً، يتيح لنا أن نستلهم من تراثنا ما يعيننا على خوض معركة الحداثة دون أن نفقد أنفسنا في دوامة التغريب والاقتلاع من الجذور؟
السؤال يبدو بسيطاً، لكنه في حقيقته معقد ومتعدد الأوجه، لأنه لا يتعلق فقط بالثقافة والفكر، بل يمتد إلى السياسة والتعليم والفن والدين واللغة والهوية الوطنية. كل هذه المجالات مشتبكة مع فكرة الحداثة ومع الإرث التراثي الذي يشكل الذاكرة الجمعية للأمة. وما من مجتمع في العالم إلا واضطر، في لحظة من تاريخه، إلى مواجهة هذا التحدي؛ من أوروبا التي مزّقت نفسها بين الإيمان والعقل، إلى اليابان التي حاولت أن تصنع حداثة من دون أن تتنكر لتقاليدها، إلى بلدان العالم العربي التي لا تزال تعيش في منطقة التوتر بين الرغبة في التحديث والحنين إلى الأصالة.
في السياق العربي تحديداً، تبدو هذه الإشكالية أكثر حدّةً، وربما أكثر إيلاماً. فالعالم العربي واجه الحداثة الغربية ليس بوصفها فكرة فلسفية أو مشروعاً معرفياً، بل كواقع استعماري وصدمة حضارية. لقد جاءت الحداثة إلى بلادنا على أجنحة المدافع والسفن الحربية، لا من خلال نقاش فكري هادئ. ولذلك نشأ لدينا شعور مزدوج تجاهها: انبهار بإنجازاتها العلمية والتقنية، ونفور من آثارها الثقافية والاجتماعية التي بدت وكأنها تهدد قيمنا، وتتفوق علينا، وتضعنا في موضع التابع والمهزوم.
هذا الشعور المتناقض أنتج حالة من التردد الحضاري، بل نوعاً من الانقسام الداخلي. ففي حين اندفع بعض المثقفين العرب إلى تبني الحداثة الغربية كاملة، حتى في أكثر صورها جذرية، رأى آخرون أن السبيل الوحيد للحفاظ على الهوية هو رفض الحداثة باعتبارها غزواً ثقافياً مقنعاً. وبين هذين الاتجاهين ظهرت محاولات جادة وحميمة لإعادة التفكير في العلاقة بين الحداثة والتراث، بين الأصالة والمعاصرة، بين الإيمان والعقل، بين الخصوصية والانفتاح. محاولات أرادت أن تصنع حداثة عربية لا تستنسخ النماذج الغربية ولا تتقوقع في الماضي، بل تحاول أن تنهض من الداخل، من الذات، من الروح الحضارية للأمة.
لكن هل يمكن فعلاً الحديث عن حداثة من الداخل؟ أليس في ذلك تناقض في المصطلحات؟ أليست الحداثة، كما نشأت في أوروبا، مشروعاً لقطيعة معرفية وتاريخية مع ما سبقها؟ أليس جوهرها هو التحرر من السلطة، سواء كانت سلطة الدين أو العادات أو التقاليد أو النصوص؟ كيف يمكن إذن أن نبني حداثة نحافظ فيها على تراثنا، في حين أن الحداثة، كما تُفهم عادةً، لا تترك مجالاً كبيراً للوراثة والاتباع؟ هنا بالتحديد يكمن التحدي الفكري الحقيقي.
الحقيقة أن الحداثة ليست كياناً واحداً جامداً يمكن استيراده أو رفضه بالجملة. الحداثة، في أصلها، مسار طويل من التحولات المعقدة، تفاعل فيها الفلسفة مع العلم، والفن مع الاقتصاد، والدين مع السياسة. إنها ليست مجرد تقنيات أو مظاهر حياتية، بل بنية عقلية ونظام قيمي ونمط في التفكير والعلاقات. وإذا كانت أوروبا قد مرت بحداثة ذات طابع خاص، فإن ذلك لا يعني أن الحداثة لا يمكن أن تلبس وجوهاً مختلفة، تتلون بلون الثقافة المحلية، وتتخذ أشكالاً متباينة بحسب السياقات الاجتماعية والتاريخية.
لقد كانت اليابان، مرة أخرى، مثالاً مثيراً للتأمل في هذا السياق. فعندما قررت النخبة اليابانية في القرن التاسع عشر أن تدخل عصر الحداثة، لم تتنكر لتراثها، بل أعادت قراءته في ضوء الحاجة إلى النهوض، واختارت ما يمكن أن يتواءم مع الطموحات الجديدة دون أن تقطع مع جذورها. لم يكن ذلك أمراً سهلاً، ولم يكن خالياً من الصراعات، لكنه أظهر أن التفاعل مع الحداثة لا يعني بالضرورة التصادم مع التراث.
في العالم العربي، واجهت محاولات التحديث مصاعب إضافية، بعضها مرتبط بطبيعة السلطة السياسية، وبعضها الآخر ناتج عن التباسات فكرية. فالدولة، في كثير من الأحيان، تبنّت التحديث في مظاهره السطحية فقط: بناء الجسور والمباني والجامعات، دون أن تصاحبه نهضة فكرية حقيقية تُعيد النظر في المناهج التعليمية، وفي أنماط التفكير، وفي العلاقة بين الدين والدولة، وبين الفرد والمجتمع. وفي الوقت نفسه، لم يتم فتح نقاش حقيقي حول التراث، بل ظل هذا التراث، في أحيان كثيرة، مادة مقدسة لا يجوز الاقتراب منها إلا للتبرك، لا للتحليل والنقد.
هذا الجمود في التعامل مع التراث أنتج ما يمكن تسميته «التراثية»، وهي حالة عقلية تكتفي باستعادة الماضي دون مساءلته، وتتعامل معه ككتلة واحدة صمّاء، لا كنسيج حي يمكن أن نعيد قراءته في ضوء أسئلتنا المعاصرة. ومن هنا نشأ التصادم: بين حداثة سطحية مفروضة من فوق، وتراث ميت متكلس يُفرض من تحت. كلاهما عاجز عن خلق حياة فكرية حقيقية، وكلاهما يتواطأ في تأجيل لحظة النهضة الحقيقية.
لكن لحسن الحظ، لم يخلُ العالم العربي من أصوات حاولت أن تكسر هذا الاستقطاب. من طه حسين الذي دعا إلى تجديد العقل العربي، إلى محمد عبده الذي رأى أن لا تعارض بين الإسلام والعقل، إلى محمد عابد الجابري الذي حاول تحليل البنية الذهنية للتراث العربي، إلى نصر حامد أبو زيد الذي دعا إلى قراءة تأويلية للنصوص، نجد تياراً كامناً يحاول أن يفتح نافذة بين الحداثة والتراث، لا ليمحو أحدهما، بل ليجعلهما يتكلمان ويتحاوران ويتفاعلان.
إن التفاعل الممكن بين الحداثة والتراث لا يعني التسوية السطحية، بل يعني الغوص في العمق. يعني أن نمتلك الشجاعة لمساءلة تراثنا، وأن نعيد اكتشاف القيم الكامنة فيه، لا من أجل التكرار، بل من أجل الإبداع. ويعني أيضاً أن لا نتعامل مع الحداثة بوصفها وصفة جاهزة، بل كمجال مفتوح للبحث والتجربة، قد نأخذ منها ما يناسبنا، وقد نرفض منها ما يتناقض مع هويتنا. في هذا الأفق، يمكن للحداثة أن تصبح أداة تحرر لا استعمار، ويمكن للتراث أن يصبح منجماً للإلهام لا سجناً للماضي.
إن المسألة، في جوهرها، ليست مسألة اختيار بين طريقين، بل مسألة كيفية التفكير. فالمجتمع الذي يمتلك عقلاً نقدياً يستطيع أن يستوعب تراثه ويجدد قراءته، وفي الوقت نفسه يستوعب الحداثة دون أن يذوب فيها. بينما المجتمع الذي يفكر بعقل ثنائي، يرى الأمور إما بيضاء أو سوداء، إما تراثاً أو حداثة، إما ماضياً أو مستقبلاً، فلن يكون قادراً على بناء مشروع حضاري متكامل.
علينا أن نكفّ عن السؤال: «هل نختار التراث أم الحداثة؟» فالسؤال الحقيقي هو: «كيف نعيد بناء علاقتنا بالاثنين؟» كيف نصوغ حداثة تنبع من تجربتنا ومن لغتنا ومن قيمنا، من دون أن نغلق الباب على النقد والتجديد والتغيير؟ كيف نحول تراثنا من معبود صامت إلى شريك في التفكير؟ كيف نكون أبناء زماننا دون أن نقطع حبل الصلة بجذورنا؟
الجواب ليس سهلاً، ولن يكون نهائياً. فكل جيل سيضطر إلى أن يطرح هذا السؤال من جديد، وسيقدم إجابته الخاصة بحسب ما يعيشه من تحديات وما يملكه من أدوات. لكن ما يجب أن نتفق عليه هو أن التصادم بين التراث والحداثة ليس قدراً محتوماً، وأن التفاعل بينهما ليس حلماً طوباوياً. إنه خيار ممكن، بل ضروري، لكل أمة تريد أن تكتب تاريخها بيدها، لا أن تعيش في ظل الآخرين، ولا أن تحتمي بماضيها خوفاً من المستقبل.
في النهاية، الحداثة ليست عدواً للتراث، كما أن التراث ليس خصماً للحداثة. بل إن كل حداثة حقيقية تحتاج إلى ذاكرة، وكل تراث حيّ يحتاج إلى روح التجديد. وبين الاثنين، يمكن أن نصنع المستقبل.
ذو صلة