حين نتحدث عن شكسبير فنحن في سيرة أحد أمجاد الأدب العالمي، والبذرة الأولى لأدب فريد لم يأتِ أحد بمثله، ليكون المدرسة الذهبية التي انطلقت منها الفنون والآداب والمذاهب الفلسفية والاجتماعية والنفسية في أوروبا، والتي اهتمت بمعالجة المعضلات البشرية وإشكاليات وجود الإنسان على هذه الأرض، من خلال صراع الثنائيات داخل النفس البشرية بما فيها من خير وشر.
وكما نعلم فإن ترجمة الآثار الأدبية الكبرى إلى اللغة العربية، تضيف إلى التراث الأدبي العربي لمسة جديدة جديرة بأن تبقى لذاتها، وتقرأ إنتاجاً أدبياً عربياً، فإذا لم تحقق الترجمة هذه الإضافة، فهي لا تزيد على أن تكون تعريفاً بالأثر الأدبي الأجنبي، أو تسجيلاً له بوصفه أدباً أجنبياً، فلا شك أن بين الأدبين العربي والأجنبي تأثيراً متبادلاً، من نجيب محفوظ إلى أمين معلوف إلى أدونيس وما يقابلهم من أدباء أجانب وجدوا في رحاب الأدب والثقافة ما يقدمونه إلى العالمية.
ولدينا في هذا السياق الأديب والشاعر والمسرحي الإنجليزي العالمي (شكسبير)، إذ إن ترجماته لم تكن نسخاً للأصل، وبرز من خلالها بذاته الشكسبيرية الإنجليزية، فاللغة العربية بهذا الصنيع قد ازدادت ثراءً في مفرداتها، التي وجدت مساحة واسعة لكي تقفز من السطور، وتعبر عن شكسبير، فتكون نظيراً وبديلاً لمفرداته الشعرية، فجوهر إبداعه لم يكن في حبك القصة ولا في رتابة الحوار أو قوة المواقف المؤثرة، بقدر ما تجسد في الصور التي رسمها بأسلوبه الفني، والتي جعلتنا نقف عند مميزاته الفنية بأسلوب شاعر لا بأسلوب قصصي.
وتعد ترجمة الكاتب محمد فريد أبوحديد لأعمال شكسبير بالغة الأهمية، كونها انطلاقة واعية نحو ترسيخ الفهم التطبيقي للدراما، وشرح الطريقة الفنية في التعبير الدرامي، فشخصياته التي خلقها بلغته العميقة الفذة، واللوحات التي أبدعها في صلب روايته، تمثل صورة الإنسان الحي الذي توجهه عواطفه وطبائعه البشرية، وبلا شك استطاع أبوحديد أن يلبس ثياب شكسبير، وينبعث من ذاته ليكتب المسرحية الشكسبيرية (ماكبث) باللغة العربية، وبأسلوب الشعر الحر، وهي من أكثر القصائد التراجيدية التي شكلت حدثاً مهماً في مسيرة شكسبير، وفيها القائد الإسكتلندي (مكبث)، الذي يقتل ملكه (دنكن) ليجلس على عرش إسكتلندا عوضاً عنه.
كذلك نذكر الشاعر والكاتب علي أحمد باكثير الذي بدأ مرحلته الذهبية من خلال دراسة الأدب الإنجليزي في القاهرة، بدافع حبه للشعر، إذ كان هذا الحب والشغف سبيلاً لنقله إلى عالم آخر، وبخاصة بعد تعمقه في مسرحيات شكسبير، والتي كانت بمثابة الأرض التي تفجرت تحت قدميه، وجذبه إلى فن المسرحية، فقد كانت ترجمته لفصل من مسرحية (روميو وجوليت) حدثاً مهماً لديه، حتى إنه أسماها (تجربة جديدة) تشكلت بين يديه ضمن قالب وزني جديد ومتغير، وكانت سهولة التشكيل الوزني حافزاً لديه لإتمام ترجمة المسرحية كاملة، يضاف إلى ذلك رغبته في تأليف مسرحية كاملة بالشعر المرسل، فمسرحيته (أخناتون ونفرتيتي) نتاج لتجربته تلك، اتجه بها إلى النثر، مقتنعاً أنه الأداة المثلى للمسرحية، وبذلك ظل باكثير وتراً متناوباً بين الشعر والنثر، وعلى حد قول الأديب إبراهيم عبدالقادر المازني في كتابه (حصاد الهشيم): (إن ترجمة شكسبير وأمثاله تستوجب اختراع بحر جديد شبيه بالوزن (الأبيض) كما يسمونه، وتستدعي ألا يكون البيت أو السطر وحدة كما هو إلى الآن). فالروائي أو شاعر الملحمة يجد في الشعر المرسل أجنحةً تفتح له المساحة ليحلق في فضاء الإبداع، ولو أن الشاعر الكبير أحمد شوقي أبدع لنا قصصه الشعرية بأسلوب الشعر المرسل، لكان الأدب العربي قد خطا على يديه خطوات فسيحة، كذلك كتب مسرحيات شعرية حاكى بها الشعراء الأجانب أمثال شكسبير و(جان راسين).
ومن جهة أخرى، فلا زال الباحثون إلى الآن يضعون شكسبير موضع المسألة، ويخصصون جوانبه بالتحليل والدراسة، كونه عبقرية فريدة لم يأتِ الزمان بمثلها، فبسبب شهرته منقطعة النظير، أصبح الصغير والكبير يعرف الكلاسيكية العالمية (روميو وجوليت)، وقصة الحب العذري العفيف الذي عاناه العاشقان، والخلاف العائلي بين عائلتيهما، وصمودهما أمام جبروت الرفض، فبفضل خيال شكسبير اللامحدود، استطاع تجسيد صور العاطفة في حياة الإنسان، إذ خلق شخصيات من الأصالة والعمق ما يجعلها تنافس في قوتها وبقائها الشخصيات الواقعية، وفي هذا قال فيه الفيلسوف الإنجليزي الكبير (توماس كارلايل): (إن شكسبير هو أعظم شيء أنجبناه حتى الآن، وقد نستغني عن أي شكسبير لنجني لأمتنا شرفاً ونكتسب لها سمعة بين الأمم، إلا شكسبير، فإننا لا نستطيع أن نستغني عنه أبداً، في مقابل أي شيء، وإذا قيل لنا أن نتخلى عن أحد أمرين، إمبراطورية الهند أو شكسبير، فإننا سنختار شكسبير حتماً، فإمبراطورية الهند زائلة يوماً ما، أما شكسبير هذا فإنه لا يزول، إنه باقٍ معنا).
وكما أثرى شكسبير الأدب العربي والعالمي، فقد استفاد هو الآخر من الأدب العربي والعرب، وتأثر بهم، وبجوانب ثقافتهم، وعكسها في زوايا شخصيات مسرحياته، فالسوناتات أو الأرانين الشكسبيرية -وهي مجموعة فنية شعرية غنائية تغطي مواضيع الحب والجمال- تشابه إلى حد كبير الموشحات الأندلسية، فقد ظهرت العديد من السوناتات الغزلية بشكل مماثل للأنماط الغزلية العربية وخصوصيتها، بما فيها من الجمال الأسمر، وأوصاف البوادي والقفار وما إليها، حتى إن دارسي التراث الشكسبيري وجدوا أن مسرحية عطيل (Othello - أوثيللو) التي ترجمها الشاعر اللبناني خليل مطران، شبيهة بحكاية (قمر الزمان) ومعشوقته، وهي من حكايات ألف ليلة وليلة، إذ جاء في أحداثها أن رجلاً ذا أصل كريم، يخنق زوجته (دزدمونة) بسبب ظنونه الخاطئة، معتقداً أنها قامت بخيانته، وحين يدرك الحقيقة المرة، وأنه أخطأ في شكوكه، يقتل نفسه. كذلك المسرحية الشكسبيرية (العاصفة) والتي تشبه حكاية (جزيرة الكنز)، فكلتاهما تكتظان بشخصيات المردة والشياطين والجن، وقد وجد المستشرق البريطاني (آرثر آربري) أن شكسبير متأثر بحكايات ألف ليلة وليلة، خصوصاً حين نسج مسرحيته (Othello).
ويضيف بعض الباحثين أن مسرحية (تاجر البندقية) ليست ببعيدة عن حكايات ألف ليلة وليلة، فهي تشبه حكاية (مسرور التاجر ومعشوقته زين المواصف)، بفارق أن نهاية اليهودي أفظع في ألف ليلة وليلة، ولا غريب في ذلك، فحين بدأ وليم شكسبير بكتابة أشعاره ومسرحياته، كانت الثقافة العربية قد وصلت إلى أوروبا عبر الأندلس والحملات الإسلامية أيضاً، كذلك الرحالة الأوربيون الذين عبروا البحر الأبيض، وتنقلوا في شمال أفريقيا وفلسطين والعراق والشام؛ نقلوا صوراً وقصصاً ومشاهدات، وبذلك كانوا مصدراً تاريخياً بارزاً، فما ذكره الرحالة (جون إيلدريد) عن أسفاره إلى مدينة طرابلس وحلب وبغداد والبصرة، مدون من قبل الكاتب الإنجليزي (ريتشارد هاكلوت)، تحت عنوان (الرحلات الملاحية الرئيسة ورحلات اكتشاف الأمة الإنجليزية).
ومن جهة أخرى، نالت العطور العربية حظاً وافراً من الشهرة، إذ جاءت على لسان (ليدي ماكبث)، زوجة بطل المسرحية الذي يدعى مكبث، وفيها قالت: (إن رائحة الدم هذه على يدي، لا تطهرها جميع العطور العربية). وتحمل هذه الصورة معاني قوية، فهي استعارة على انعدام طريق الغفران لزوجة ماكبث، وشعورها القوي بالذنب. ورغم أن شكسبير قادر على الإتيان باستعارات أخرى إلا أنه استخدم العطور العربية في هذا المشهد، وهذا يدل على المساحة الأدبية العربية المتأصلة في ذاكرة شكسبير.