مجلة شهرية - العدد (592)  | يناير 2026 م- رجب 1447 هـ

لمناسبة مرور أربعين عاماً على صدوره.. (الخطيئة والتكفير).. سيرة زلزال نقدي في الثقافة السعودية

بعد أربعة عقود على صدور كتاب (الخطيئة والتكفير: من البنيوية إلى التشريحية، قراءة نقدية لأنموذج إنساني معاصر) لعبدالله الغذّامي (المولود عام 1946)؛ يبدو هذا العمل اليوم أقرب إلى حدث ثقافي ممتد منه إلى مجرد كتاب نقدي مضى زمنه. لحظة صدوره في منتصف الثمانينات، عن نادي جدة الأدبي، ثم فوزه بجائزة مكتب التربية لدول الخليج؛ لم يكن الأمر مجرد إضافة عنوان جديد إلى رفوف المكتبات، كان أشبه بإلقاء حجر ثقيل في بركة أدبية راكدة، وربما لم يكن لكتاب مثل هذا الصدى منذ إصدار محمد حسن عواد كتابه الأشهر (خواطر مصرحة) في عام 1926.
كان المشهد الثقافي السعودي يومها يعيش توتراً بين خطاب يرفع شعار الأصالة ويحتمي بالمناهج التقليدية، وخطاب حداثي يحاول فتح النوافذ أمام النظريات المعاصرة، بين من يتوجس من كل ما يأتي من (الخارج) ومن يرى أن التجديد شرط للحياة لا ترفاً فكرياً. في هذا السياق المأزوم ظهر الغذامي، لا شارح لمقولات الغرب في درس جامعي مغلق، بل مفكراً يسعى إلى تحريك البنية العميقة للوعي النقدي المحلي، عبر مساءلة ما اعتيد التسليم به والاقتراب من (المقدس الثقافي) بمشرط التحليل والتفكيك، فكان الكتاب بمثابة فتيل أشعل سجالاً ظلت آثاره تتردد حتى وقت قريب.
ما قام به (الخطيئة والتكفير) هو نقل مركز الثقل من سلطة النص المغلق إلى أفق القراءة الحرة. اختار الغذامي نموذج حمزة شحاتة (1908- 1972)، ليبرهن أن النص الأدبي لا يُختزَل في شرح مدرسي أو قراءة أحادية، بل هو فضاء مفتوح للتأويل لا يكتمل إلا بتفاعل قارئ واعٍ. يوظف الغذامي المناهج البنيوية والتشريحية، ويستدعي التراث البلاغي العربي لا بوصفه متحفاً لغوياً، بل مخزوناً معرفياً قابل لإعادة التوظيف، ليعيد رسم العلاقة بين المؤلف والنص والقارئ. هنا لا يعود الناقد مجرد وسيط يشرح ويُبسّط، بل يتحول إلى شريك في إنتاج المعنى، وإلى كاشف للطبقات الثقافية والاجتماعية الكامنة تحت سطح الخطاب. وبهذا المعنى يصبح النقد فعلاً إبداعياً وموقفاً وجودياً في آن، لأنه لا يكتفي بتفسير النص، بل يفتح النص على أسئلته، ويفتح الثقافة على توتراتها، ويعرّي ما تستبطنه اللغة من أنساق وهيمنات.
ظهور الكتاب تزامن مع لحظة كانت فيها الحداثة الأدبية تُعامَل في السعودية بأنها اتهام أكثر من كونها تياراً معرفياً، وكانت المناهج التقليدية تواصل سيادتها في قراءة الشعر والسرد، عبر قوالب تقريرية وصيغ جاهزة. في هذا المناخ بدا (الخطيئة والتكفير) إعلان تمرد على السائد، وسعياً إلى إعادة تعريف دور الناقد بوصفه فاعلاً ثقافياً لا موظفاً في خدمة نصوص (مكرّسة). لم يتردد الغذامي في الدخول إلى قلب العاصفة، وحين واجه موجات من الهجوم والاتهام، حوّل ذلك كله إلى جزء من مسار مشروعه، إذ كان يشدد على أن معركة الحداثة ليست خلافاً لغوياً حول قصيدة أو مصطلح، بل هي معركة على شكل الوعي نفسه، وعلى الكيفية التي نرى بها ذواتنا وعالمنا ونصوصنا.
لم يقتصر الجدل الذي أثاره (الخطيئة والتكفير) على أروقة النقاد والمتخصصين، بل تمدد إلى فضاء أوسع ضم كتّاباً ورجال دين ومهتمين بالشأن الثقافي العام. اتُّهم صاحب (تأنيث القصيدة والقارئ المختلف) بالتغريب، وبالخروج على الثوابت، وبالإخضاع القسري للنصوص لسلطة مناهج (مستوردة). غير أن ما فعله الكتاب في الواقع كان أعمق من هذه التهم السطحية، فقد فتح الباب أمام أسماء جديدة من النقاد والباحثين لتدخل الحقل من زاوية السؤال لا التلقين، ومن منطلق مساءلة النصوص وكشف ما تنطوي عليه من أنساق ثقافية واجتماعية ودينية. تحوّل الكتاب إلى مرجع في دراسات الحداثة الأدبية، وأداة لتحليل العلاقة المركّبة بين النص والسلطة والمعنى، ولتفكيك الطريقة التي تُمارس بها الهيمنة عبر اللغة والخطاب، سواء في القصيدة، أو في المقالة، أو حتى في الخطاب اليومي.
عبدالله الغذامي، في هذا السياق، لم يعد مجرد أستاذ للنقد والنظرية في جامعة الملك عبدالعزيز، وبعدها في جامعة الملك سعود، بل مفكراً تشكّل عبره منعطف مهم في الثقافة السعودية. النشأة في عنيزة والدراسة المتعمقة للأدب العربي لم تحصره في حدود التخصص الأكاديمي، بل جعلته يتحرك على تخوم الجامعة والمجتمع، بين العربية ومناهج النقد الغربي، بين التراث والراهن. الجمع بين الانفتاح على المناهج الحديثة والتمسك بجذور محلية، لم يكن عنده نوع من التوفيق الخطابي، بل محاولة لبناء جسر معرفي يتجاوز ثنائية: إما تراث منغلق أو حداثة مقطوعة عن تربتها. لذلك تجاوزت قراءاته حدود العمل الأدبي لتعبر إلى تفكيك الأنساق الثقافية والاجتماعية: أنماط الهيمنة الذكورية، صناعة الصورة النمطية، تمثيلات الجسد والهوية، وكيف يتخفى كل ذلك داخل بنية الخطاب وجمالياته.
اليوم، في زمن عاد فيه سؤال الهوية بقوة، وتجدّدت فيه النقاشات حول الحرية الفكرية وحدود النقد وموقع الدين والثقافة من العالم المتغير، يبدو (الخطيئة والتكفير) كتاباً لا يزال ينبض بالحياة. إنه لا يقدّم أجوبة نهائية بقدر ما يمنح القارئ أدوات لقراءة النصوص والأحداث والرموز قراءة مختلفة، ويشجعه على الانخراط في إنتاج المعنى بدلاً من الاكتفاء بموقع المتلقي المطمئن. يدعو الكتاب إلى التحرر من وهم النص المطلق الذي يحمل (حقيقته) معه، وإلى التعامل مع القراءة كفعل مسؤول يختبر المسلمات ويعيد صياغة العلاقة بين الذات والعالم والخطاب. ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى (الخطيئة والتكفير) بوصفه مختبراً مبكراً للوعي النقدي السعودي، ومفصلاً من مفاصل تشكّل خطاب الحداثة في الأدب العربي. فهو يعيننا على فهم كيف تشكّل هذا الخطاب، وكيف دخل في اشتباك مع السلطة ومع المجتمع، وكيف أعاد طرح أسئلة الثقافة من جديد. وعقب أربعين عاماً على صدوره، ما يزال الكتاب علامة فارقة في المشهد الثقافي السعودي، ودليلاً على أن معركة الحداثة لم تُغلق بعد، وأن الرهان الحقيقي يظل معقوداً على التفكير الحر، وعلى قدرة النقد على أن يكون أداة لتجديد الثقافة وصياغة مستقبل لا يكتفي باستنساخ الماضي، بل يراجعه ويجادله ويكتب معه عقداً جديداً.
ذو صلة