انتقلت البشرية من عصر (غوتنبرغ) Johannes Gutenberg الذي أحدثته المطبعة إلى عصر (تورينغ) Alan Turing و(فون نيومان) John von Neumann، حيث بدأت الحوسبة، لتجد نفسها اليوم في عصر الذكاء الاصطناعي من دون توقيع إنساني. إن اللافت في هذا العصر هو أن الآلة صارت قادرة إلى حد ما على إنتاج ما كان يعتبر حكراً على الإنسان: النصوص الأدبية والآثار الفنية. وهذا يفتحنا على إشكالات مرتبطة أساساً بمدى إمكانية توسيع مفهوم المؤلِّف ليشمل حتى إنتاجات الذكاء الاصطناعي، خصوصاً أمام قدرته على إنتاج أعمال ذات أصالة جمالية تضاهي -في بعض الأحيان- ما تنتجه الذات الإنسانية المبدعة. وعليه نتساءل: هل يمكن اعتبار الذكاء الاصطناعي مؤلِّفا؟ وهل ما زالت لنظرية (موت المؤلِّف) راهنية اليوم بعد ظهور ما صار يطلق عليه (المؤلِّف الرقمي)؟
1. ميلاد القارئ وموت المؤلف
إن المفهوم الذي يكثّف مختلف هذه التساؤلات هو مفهوم المؤلِّف، الذي يعد مفهوماً مركزياً في الدراسات النقدية المعاصرة. يتوقف رولان بارت Roland Parthes عند مفهوم المؤلف، ويسجل أنه (شخصية حديثة النشأة، وهي من دون شك وليدة المجتمع الغربي الذي تنبّه إلى قيمة الفرد منذ نهاية العصور الوسطى). إنه مفهوم ارتبط بالتحولات التي شهدتها أوروبا بدءاً من الأزمنة الحديثة، حيث تم الإعلاء من قيمة الإنسان ووضعه في المركز وجعله فاعلاً لا منفعلاً، والنتيجة أنه أصبح مؤلّفاً وموقعاً باسمه على مختلف إنتاجاته الفكرية والأدبية. ذلك أنّ نَسب عمل ما إلى شخص بعينه لم يستقر في الأذهان إلا بعد ظهور الطباعة، وصارت الكتب تستنسخ آلياً، فدخلت عالم التجارة، فكان لا بد من تحديد المسؤول القانوني عنها.
لكن في سياق نقد أسس الحداثة ومفاهيمها المركزية وبداية انهيار مختلف اليقينيات والسرديات الكلاسيكية؛ تم الإعلان عن موت الإنسان من قِبل البنيوية، فكانت النتيجة في مجال النقد الأدبي توقيع رولان بارت على شهادتين: موت المُؤلِّف وميلاد القارئ.
قدّم بارت إضافتين حاسمتين في ما يتعلق بنظرية النص:
أولاً: توسيع معنى النص، لم يعد النص مقتصراً على العلامة اللسانية، بل صار منفتحاً على كل العلامات، إذ صار كلّ شيء نصّاً: تجميع حروف مرسومة، لوحة، خربشة في جدار، سلوك اجتماعي، لباس، شريط أو ملصق دعائيّان، مسرحيّة، أو فيلم. ويسجل بارت أن النص ليس كياناً معطى، بل هو نتيجة تفاعل القارئ مع العمل، فالعمل كيان مادي معطى، أما النص فهو ذلك المعنى الذي يشكّله القارئ وينتجه بفعل قراءته للعمل.
ثانياً: الإعلان عن موت المؤلف: أصدر رولان بارت سنة 1967 مقالة تحمل عنوان: (موت المؤلف)، وقد شكلت ثورة في مجال النقد الأدبي، لأنها سعت إلى تحرير النص من سلطة المؤلِّف، وربطه بسلطة القارئ؛ عبر تفاعله مع طبقات المعنى المتولدة منه. فالنص لم يعد كياناً جامداً يمتلكه المؤلِّف، بل صار نسيجاً متعدداً ومتجدداً ينشأ من تفاعل القارئ مع اللغة. إن المؤلّف يمتلك العمل، أما النص فهو ملك للقارئ. وقد كان رهان بارت من ذلك تجاوز مختلف النزعات السيوسيولوجية والتاريخية والسيكولوجية التي كانت تسعى إلى إسقاط حياة الكُتّاب والفنّانين إسقاطاً على أعمالهم، بحيث يغفل الحمولة الجمالية والثورة التي تحدثها على مستوى الشكل والأسلوب. لذلك وجّه بارت النقّاد إلى النص فقط دون سواه.
إن إعلان موت المؤلف ليس إعلاناً عن موت فرد بعينه أو نهاية التأليف الإنساني، بل هي عملية تحرير النص من سلطة مؤلفه، وما يحمله من هواجس وأفكار وتطلعات، وفتح المجال للقارئ ومنحه دوراً خلّاقاً في عملية الفهم.
لكن ماذا عن الأعمال الأدبية والفنية التي تنتجها اليوم خوارزميات الذكاء الاصطناعي؟
في عصر الذكاء الاصطناعي لم نعد فقط أمام موت تأويلي للمؤلّف، بل غياب تام للذات الإنسانية، وما يحيل ذلك من غياب للقصدية الإبداعية، والتجارب المعيشة. لذلك ربما تجد نظرية موت المؤلّف نفسها اليوم أمام تحدٍّ حقيقي في زمن الذكاء الاصطناعي. فإذا كان رولان بارت قد نادى بموت تأويلي للمؤلّف، متجاوزاً بذلك التوجهات التي أسرفت في إعطاء دور مركزي للمؤلف؛ فإننا اليوم أمام موت المؤلف ليس فقط بمعناه التأويلي بل بمعناه الحقيقي، حيث يُنتج العمل الأدبي دون توقيع إنساني له، اللهم إن جاز الحديث عن (مؤلِّف رقمي).
2. الذكاء الاصطناعي.. المُبدع النّاسخ
تذهب أغلب التعاريف إلى أن الذكاء الاصطناعي هو عملية محاكاة للذكاء البشري، وقدرته على التعلم واكتساب الخبرة، واتخاذ القرارات باستقلالية. وإن كان الرهان قديماً هو مدى قدرة الروبوت (ROBOT) على التعلم الذاتي؛ فقد انتقل الرهان اليوم -بعد توظيف عدة تطبيقات تعتمد على البيانات العملاقة (BIG DATA)، ومن ثم تطبيقات الذكاء الاصطناعي العام (General AI)، ومن خلال نماذج ما زالت تحت التجربة، تعرف بالذكاء الاصطناعي الخارق (Super AI)- إلى قدرة الذكاء الاصطناعي على الإنتاج والإبداع، وفهم الانفعالات والأفكار البشرية التي تؤثر على سلوك البشر.
صحيح أن المؤلّف كان دائماً يلجأ إلى الوسائل والأدوات التقنية بهدف تيسير عمله وإعطائه لمسة إبداعية أكثر رونقاً؛ لكن ظهور الذكاء الاصطناعي جعلنا نتحدث عن مؤلّف من نوع جديد: مؤلف رقمي دون توقيع إنساني، بحيث صار بإمكان الذكاء الاصطناعي توليد وإنتاج نصوص أدبية وفنية من أجناس مختلفة.
إن ما يتوافر عليه الذكاء الاصطناعي من بيانات ضخمة تضم عدداً هائلاً من الأعمال الأدبية، وقدرته على تخزين مختلف الاتجاهات الفنية والتعبيرات الثقافية المختلفة؛ يجعله قادراً على تحليل تلك البيانات والتعلم منها لإنتاج وإنشاء مخرجات فنية مقنعة بصرياً، تتحدى في بعض الأحيان الإبداع الإنساني، لا سيما في مجال الآداب، فنون الأداء، السينما والمسرح مثلاً. ومن بين هذه التقنيات نجد استخدام الشبكات التوليدية التنافسية (Generative Adversial Networks) وهي إحدى التقنيات التي تستخدم الذكاء الاصطناعي لإنشاء محتوى فني جديد ومبتكر. وهذا يعني أن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد مساعد تقني قد يلجأ إليه المؤلف بهدف تجويد عمله وتحسين الأداء الفني في المسرح مثلاً أو في السينما؛ بل صار يثري المضمون أيضاً، من خلال اقتراح صور وسيناريوهات، والمساهمة في اختيار الشخصيات بناء على تحليل دقيق لها. وفي مجال الشعر قدم خمسة باحثين في مجال الأدب في كندا دراسة حول منظومة deep spear كنموذج عصبي مشترك للغة الشعرية قادر على توليد القصائد، حيث سجلوا أنه من الصعب التمييز بين القصائد المولدة عن طريق برنامج الذكاء الاصطناعي وتلك التي يكتبها الشاعر المبدع. (رابط الدراسة: Deep-speare: A joint neural model of poetic language, meter and rhyme
إن هذه النماذج تفرض علينا إعادة النظر في ماهية المؤلِّف ذاته، بحيث لم يعد الإنسان وحده القادر على إبداع نصوص، بل يمكن للذكاء الاصطناعي أن ينتج ويطور نماذج أدبية قد يختلف النقاد في موقفهم من قيمتها ومدى تحقق شرط الإبداع فيها، لكن ومع ذلك فهي تظل أعمالاً أدبية تفرض نفسها علينا بكيفيات مختلفة. لذلك ربما نحن اليوم في حاجة إلى توسيع أفق النقد الأدبي ليستوعب (أعمال الذكاء الاصطناعي)؛ لأن اتخاذ موقف عدائي منها أو على الأقل المبالغة في التحفظ عليها هو موقف لا تاريخي وغير نقدي، فالمطلوب هو دمجه داخل رؤية نقدية جديدة قادرة على أن تستوعب الإبداع الإنساني والإنتاج الاصطناعي معاً.
نسجل هنا أنه على الرغم من هذا التحول العميق الذي مسّ مفهوم العمل الأدبي، إلا أن ذلك لا يؤثر على مفهومي المؤلّف والنص وذلك لاعتبارين أساسيين:
أولا: نتحفظ على تسمية الذكاء الاصطناعي بـ(المؤلف الرقمي)، ذلك لأن المؤلف له دلالة خاصة لا تنسجم وطريقة اشتغال برامج الذكاء الاصطناعي. إذ يميز بارت بين المؤلف والكاتب. المؤلف يبدأ وجوده قبل مرحلة الكتابة، يقوم بتغذية الكاتب بالفكر والمشاعر والأحاسيس، إنه كالأب من ابنه، الأمر الذي يجعل المؤلف له سلطة ووصاية على نصّه، أما الكاتب فيولد لحظة ولادة النص؛ إنها ليست علاقة أبوة بل تبني. بناء عليه، فإذا كان بارت قد ميز بين المؤلف والكاتب، فإنه بإمكاننا اليوم التمييز بين المؤلّف والنّاسخ، فالذكاء الاصطناعي، مهما أنتج أشكالاً أصيلة، إلا أنه يظل ناسخاً لا مؤلفاً بمعناه الدقيق للكلمة؛ فهو ينطلق من تجميع مختلف المعطيات ويعمل على المقارنة بينها ليعطي في الأخير عملاً فريداً، مستنداً في ذلك على المعطيات المتوافرة لديه. أما المؤلف البشري فمهما استند إلى تراكمات معينة، إلا أنه يتميز بقدرته على الإبداع وتجاوز نماذج أدبية وفنية معينة، وإلا هل بإمكان الذكاء الاصطناعي أن يؤسس توجّها أو مدرسة جديدة في مجال الأدب والفن غير ما يتوافر لديه في خزان البيانات BIG DATA؟
ثانياً: إن النص عند بارت ليس كياناً معطى من طرف المؤلف/الكاتب، بل هو نتيجة فعل القراءة. وعليه فالذكاء الاصطناعي لا ينتج نصوصاً بالمعنى النقدي للكلمة، بل أعمالاً، وقراءتنا وتأويلنا لها هو ما يجعلها تكتسب صفة النص. إن حياة النص من حياة القارئ لا المؤلّف. فالقارئ هو الذي يعطيه معنى ويشكله على الهيأة التي يظهر عليها. ولدينا في التاريخ أعمال على الرغم من أننا نجهل مؤلّفيها إلا أن ذلك لم يؤثر على قيمتها الفكرية والأدبية والنقدية، ومثال ذلك كتاب (ألف ليلة وليلة) و (رسائل إخوان الصفا). ولدينا أيضاً مثال معاصر يتمثّل في رواية (صديقتي المذهلة) (l’amica genial) التي نشرتها باحثة إيطالية باسم مستعار: إيلينا فيرانتي Elena Ferrante، وعلى الرغم من أن هويتها الحقيقية غير معروفة إلا أن روايتها أدهشت النقاد والقراء. وهذا يعني أن المؤلف ليس عنصراً حاسماً في فهم وإنتاج النص، بل الأساس هو العمل ذاته، وما يمكن أن ينتجه القارئ بفعل تفاعله معه. وعليه فالإعلان عن موت المؤلف في عصر الذكاء الاصطناعي على الرغم من التحديات التي يمكن أن تواجهه، إلا أنها تحديات مزيّفة لا تصل إلى مستوى إحراج نظرية موت المؤلف.