لم يكن (موت الناقد) حدثاً طارئاً في تاريخ الأدب العربي، بل هو امتداد لجدلٍ قديمٍ بين المبدع ومفسّر إبداعه. فالفكرة ذات جذورٍ ضاربة في تراثنا، يمكن أن يلمح القارئُ أثرها في كلمة المتنبي الشهيرة
أنامُ ملءَ جفوني عن شواردِها
ويسهرُ الخلقُ جرَّاها ويختصمُ
في هذا البيت تتجلّى المفارقة الأزلية بين المبدع المنصرف إلى خلق النصِّ، والناقد المنشغل بتفكيك ذلك الخلق وتأويله. وهنا يضعنا المتنبي أمام سؤالٍ مبكرٍ في علاقة النص بمبدعه: هل سلطة المعنى بيد من كتب أم بيد من قرأ وفسّر؟
ولعل ما نُسب إليه أيضاً من قوله: (ابن جني أدرى بشعري مني) -سواء صحت الرواية أم لم تصح- يؤكد وعياً مبكراً باستقلال السلطة النقدية، وبأن للنص حياةً تتجاوز قصد صاحبه ونواياه. وليس أدلَّ على ذلك من تعدّد شُرّاح الدواوين الكبرى واختلاف تأويلاتهم لمعاني الشعراء، مما يدل على أن النص الأدبي كائن مفتوح على قراءاتٍ متجددة، وأن للمتلقي دائماً نصيبه الخاص من المعنى.
وهكذا يمكن القول إن فكرة (تحرر المعنى من مؤلفه) التي سادت في الفكر الغربي الحديث، لها في تراثنا العربي إشاراتها الأولى وملامحها المبكرة.
ولم يكن أبو العلاء المعري بعيداً عن هذا الهمّ، إذ تزخر رسالة الغفران بإشاراتٍ متناثرة تكشف طبيعة العلاقة الشائكة بين الشاعر والناقد والراوي واللغوي. ففي حواراته المتخيلة بين هؤلاء، يضع المعري يده على ملامح العلاقة بين المؤلف والمتلقي، وبين النص بوصفه إبداعاً واللغة بوصفها سلطة تقوّم وتفسّر. إن ما أشير إليه هنا يتمثل في ما يبديه بعض الشعراء في (جنة المعرِّي) من اعتراض على الرواة بأنَّهم رووا الأشعار على غير وجهها، أو أوّلوها إلى غير ما أراد لها الشاعر. فهذه التلميحات توحي بأن المتلقي منذ تلك الحقب كان يضع بصمته في النص بما يتيحه له ذوقه وتفاعله.
وانطلاقاً من فكرة أنَّ النقد عملٌ إبداعي موازٍ للنص موضع النظر؛ يمكنني أن أستدلَّ ببعض المواقف من تجربتي النقدية الخاصة، وأكتفي هنا بموقفين: الأول مع ديوان شاعر سودانيٍّ صديقٍ وزميلٍ في العمل، وهو شاعر له حضوره القوي والفاعل في المحافل الأدبية، إذ حاولتُ قراءة ديوانه قراءةً فاحصة متأنية لا تبحث عن التماسك الفني فحسب، بل عن الخيط الدلالي الخفي الذي يشدّ القصائد جميعها إلى مركزٍ واحدٍ للفكرة والشعور، فتوصلت إلى ذلك الخيط، وبدت لي القصائد بوصفها كلّاً لا يتجزأ، وأنها تنهل من معين واحد هو الفكرة المسيطرة على تجربة الشاعر حين ولادة تلك القصائد. وحين عرضتُ قراءتي هذه على الشاعر نفسه أبدى اندهاشه قائلاً إنه لم ينظر إلى عمله من تلك الزاوية قط، وأنه لم يتخيَّر قصائد الديوان على هذا الأساس الذي خلصتُ إليه، وأبدى إعجاباً بالفكرة حتى لكأنه اكتشف معنى في شعره لم يكن حاضراً في وعيه وإدراكه.
ولم تكن تلك التجربة الوحيدة التي أكدت لي أن النقد فعل إبداعي حرّ؛ ففي تجربة أخرى مع شاعرةٍ معاصرة، قدّمتُ تأويلاً لبيتٍ من إحدى قصائدها، ووضعتُ يدي على رمزيةٍ لا ينبغي للبيت أن يوجَّه إلى أعمق منها، فكانت ردة فعلها أيضاً في غاية الدهشة، وأكدت أن ذلك المعنى لم يخطر ببالها حين كتبت النص، لكنه مع ذلك تأويل مشروع ومستحسن. عندها أدركت أن الناقد، متى ما كان صادق التلقي وعميق التأمل؛ لا يكون شارحاً أو متطفلاً على النص، بل مبدعاً موازياً يعيد اكتشافه في خلْقٍ آخر، وأن النص الشعري لا يمتلكه المؤلف وحده، وأن القارئ المرهف قادر على استنطاقه بما لم يدركه صاحبه. وهنا تكمن جوهرية النقد الحقيقي. إنه يفتح للنص أبواباً جديدة للمعنى، ويمنحه حياةً أخرى في وعي القارئ.
غير أن هذا الوعي النقدي العميق، القائم على الحرية والمسؤولية الجمالية، أخذ يتراجع في زمن المنصّات الرقمية وضياع المعايير النقدية الصارمة، حيث تحوّل النقد إلى رأي سريع أو انطباعٍ عابر تحدده الخوارزميات وموجات التفاعل. لقد أفَلت المرجعية النقدية الرصينة التي كان يمثلها الناقد المختص أو الأكاديمي، وحلّ محلها نقدٌ شعبيٌّ يقوم على الذوق العام لا على المعرفة والفهم. وأضحى معيار القيمة الجمالية هو عدد المشاهدات والإعجابات، لا البنية الفنية ولا الرؤية الشعرية.
وفي خضم هذا التبدّل، تسلّل الإعلاميون إلى ميدان النقد الأدبي، فصار بعضهم يُصدر أحكاماً جزافية على الأعمال الأدبية، يستحسن نصوص الأدباء المبتدئين الذين يحاورهم، ويصفها بالعبقرية، دون سندٍ من معرفةٍ أو منهج علمي، ودون أن يدرك الفارق بين الذوق والانفعال، أو بين الانطباع والفهم، تروقه المبالغة الفجَّة والتراكيب المقتسرة.
وفي الجانب الآخر، نجد فئة من المثقفين والدارسين قد استساغت نصوصاً يغلب عليها التكلف أو الضعف، مثل ما يُنشر من أشعارٍ مصطنعة الأثر، ركيكة السبك، تُعاد وتكرَّر بلا روح، كقول بعضهم: (هي هي، وهي هي ثم هي هي، وهي هي...) وتهويمات كثيرة من جنس هذا منسوبة لفحول شعراء العربية، وليس فيها شيء من سمْتهم ولا طريقتهم، وهي تبدو بالمقارنة مع إبداعهم مثل (قرآن) مسيلمة الكذَّاب، في برودها وركاكتها. أو ما يُشبه (صوت صفير البلبل) في تهافتها اللفظي وفراغها عن المعنى، ثم يُرفع فوق المنابر بوصفه إبداعاً يعتني الناس بحفظه والتفاعل معه.
وهنا يتجلّى الخطر الحقيقي في تدهور الذوق، حين تتصدّر الركاكة باسم الحداثة، وتُستبدل القيم الفنية بزخارف لفظية لا تُغني عن روح الأدب الأصيل.
وهكذا صعدت الذائقة العامة على أنقاض الناقد الحقيقي، لا لتثري المشهد بل لتسطّحه، إذ غلب على الفضاء الأدبي نزوع استعراضيّ يختزل الأدب في أثره اللحظي، لا في عمقه الإنساني أو رؤيته الجمالية. هذا إن تعمدنا غضَّ الطرف عن المنصات الإسفيرية المتعددة وتأثيرها على الذوق الأدبي العام.
ومع ذلك، فإن ما نراه اليوم لا ينبغي أن يكون تنحيةً كاملة للناقد، بل تحولاً في موقعه ووظيفته. فالنقد لم يعد حكراً على النخب الأكاديمية، وإنما صار حواراً مفتوحاً تتقاطع فيه الرؤى والقراءات. وربما ينبثق من قلب هذه الفوضى شكلٌ جديد من الممارسة النقدية يجمع بين عمق المعرفة ورحابة التواصل.
غير أن الأمل في هذا التحول لا يبدِّد المرارة التي نشعر بها ونحن نرى تراجع الذوق وسطوة الرأي الضعيف وهيمنته.
تلك هي مأساة النقد اليوم: فالبُومُ أصبح يغرِّد في الساحة، بينما البلابل الحقيقية صامتة، تنتظر من يعيد إلى الذوق اعتباره، وإلى النقد مكانته كفعلٍ إبداعي موازٍ، يمنح النص حياةً ثانية، ويعيد للأدب شرَفَه بوصفه بحثاً دائماً عن المعنى والجمال.