حينما اتصل بي كادر المجلة العربية العريقة وأخبروني عن ملف تتبناه المجلة العربية حول تحقيبات النقد والثقافة، وطرح أمامي عدداً من العناوين احترت أياها أختار، خصوصاً أنها تمثل معظم المفاهيم النقدية والأدبية والثقافية في ظل متغيرات جديدة لا تعرف منتهى، وإلى أين تسير بنا، حيث بدأت تأخذ الإنسان إلى مناطق متنوعة تبدو واقعية ولا واقعية، وأحياناً تبدو واضحة ووردية، وحين تقرأها بعناية تجدها رمادية، بل مغرقة في الذاتية والسوداوية، كل هذا أثر في الأفق الجديد لمآلات النقد والفكر والثقافة حتى غدونا في متاهات وتحليلات وتحقيبات لا حصر لها، وإذا بنا أمام حركة تنقطع عن جذورها وترحل بنا إلى عالم من المجهول واللامعنى واللانص وأمام قارئ يتشظى أمامه النص في حركة ضوئية أنهكته بين ذاتية مغرقة مفتوحة على آفاق غير منتهية وإذ بنا أمام مواقع صفحات جديدة لا تنظر إلى النص بميزان واحد، بل غدا تائهاً في منطقة رمادية لا مادية، وفي هذا الإطار علي أن أختار كيف تحول النص من الورق إلى ضوء الكتاب ومن نهاية الكتاب إلى أفق جديد تتقاطع فيه التقنية بالمعرفة، والفكر بالجمال، وها هو النص يشهد تحولات جذرية تعيد تشكيل ماهيته ووظيفته مع انتقاله من الورق إلى الشاشة، من المادي إلى اللامادي، ومن الثبات إلى التفاعل. فبعد أن ظلّ الكتاب الورقي قروناً يمثل جوهر المعرفة والذاكرة الإنسانية، جاء العصر الرقمي ليغير طبيعة النص ذاتها، فينقله من كونه مادة محسوسة إلى فضاء من الضوء والرموز الرقمية. هذا التحول لا يقتصر على التقنية، بل هو انقلاب في الفكر والوعي والجمال، أعاد صياغة علاقة الإنسان بالكلمة وبالكتابة ذاتها.
ولم يعد النص اليوم يُقاس بملمس الورق أو رائحة الحبر، بل بتدفّق البيانات على الشاشات. هذا الانتقال جعل من الضوء مادة النص الجديدة ومصدر وجوده الرمزي، فالنص الرقمي لم يعد ثابتاً أو نهائياً، بل كائناً متحوّلاً ومتفاعلاً يشارك القارئ في تشكيل معناه، ويكسر الحدود بين الكاتب والمتلقي، فتغيّرت القراءة من فعل تأمل فردي إلى تجربة تشاركية متدفقة. وقد رأى مارشال ماكلوهان في كتابه وسائل الإعلام: امتدادات الإنسان أن الوسيط جزء من الرسالة نفسها لا مجرد قناة لنقلها. ومع ظهور الوسائط الرقمية، تحوّل النص إلى فضاء حيّ يتغيّر مع كل قراءة ويتفاعل مع القارئ عبر الروابط والاختيارات المتعددة. وهكذا أصبحت الشاشة فضاءً ديناميكياً يولّد المعنى في كل لحظة، وجعلت النص الرقمي تجربة مستمرة في البناء لا تنتهي بإتمام القراءة.
يوازي هذا التحول ما طرحه جاك دريدا في كتابه الغراماتولوجيا حين أعلن (موت مركز النص)، مؤكداً أن النص عملية تأويل دائمة بلا معنى نهائي. ويتجلى ذلك بوضوح في النص الرقمي الذي يفتقر إلى مركز ثابت، ويمتد عبر شبكة من العلامات المتغيرة التي تتيح قراءات متعددة ومتجددة. النص اللامادي، بهذا المعنى، يجسد فلسفة التفكيك عملياً، حيث تذوب الحدود بين المؤلف والقارئ، ويصبح المعنى ناتجاً عن تفاعلات لا نهائية تتغير باستمرار.
وقد قدّم جان بودريار في نظرية المحاكاة رؤية نقدية للعصر الرقمي من خلال مفهوم (فرط الواقعية)، حيث تختفي الفروق بين الأصل والنسخة، وتغدو الصورة أكثر واقعية من الواقع نفسه. فالنص الرقمي لا ينقل الواقع بل يصنعه، ويتحوّل إلى شبكة من العلامات التي تشير إلى بعضها في دورة محاكاة لا نهائية. ويظهر هذا في مشروع Google Books الذي يجسّد (تجزئة النص)، إذ تحدد الخوارزميات مسارات القراءة، فيفقد النص استقلاله ويتحوّل القارئ إلى متفرّج محكوم بخيارات آلية. ويرى بودريار أن هذا التحول يعني فقدان أصالة النص، لكنه أيضاً ولادة شكل جديد من الوجود يقوم على الوهم المتقن، حيث يعيد العالم الرقمي تعريف الحقيقة نفسها ويحوّل النص إلى كيان مستقل يعيش في فضاء رمزي مغلق.
أما النص اللامادي فقد أعاد تعريف الإبداع ذاته، إذ لم يعد الكاتب وحده صانع النص، بل صار النص فضاءً تشاركياً يجتمع فيه المبرمج والمصمم والموسيقي والمستخدم والرسام. نرى ذلك في الروايات التفاعلية أو في منصات الأدب الرقمي، حيث يشارك القارئ في اختيار المسار السردي وصناعة المعنى. ويصف ليف مانوفيتش هذا النمط بـ(الوسائط القابلة للبرمجة)، إذ يصبح النص خوارزمية قابلة للتعديل والتوليد المستمر. غير أن بول فيريليو يحذر من الوجه الآخر لهذا التسارع، إذ يؤدي إلى تراجع العمق التأملي الذي ميز الكتاب الورقي أمام سرعة الإنتاج الرقمي.
وتغيرت كذلك طبيعة القراءة والإدراك في زمن اللامادية، حيث تتموضع المعرفة اليوم في فضاءات رقمية متشابكة، وتتشابك القراءة مع الصورة والصوت والفيديو، ما يوسع فضاء الإدراك ويخلق تجربة أكثر تفاعلاً. إلا أن هذا التحول أثار قلق الباحثين حول مستقبل (القراءة العميقة). وتشير ماريان وولف في كتابها أيها القارئ، عد إلى المنزل إلى أن القراءة الرقمية السريعة تُضعف القدرة على التركيز والفهم العميق. وأظهرت دراسة أجرتها ماغن وزملاؤها عام 2013 أن القارئ الورقي يحتفظ بفهم أعلى للنص بنسبة تفوق 25% مقارنة بالقارئ عبر الشاشة. ومع ذلك، ترى ماغن أن النص الرقمي يمكن أن يتيح (القراءة العميقة الرقمية) إذا صُمم بوعي، ما يعني أن الإشكال ليس في التقنية بل في كيفية توظيفها.
ولم يعد النص مجرّد وعاء للمعنى، بل أصبح كائناً ثقافياً حيّاً يتشكّل باستمرار، ينبض بالحياة ويتحوّل مع الزمن. إنّه وجود متحرّك بين الظل والنور، بين ما يُرى وما يُتخيّل، يجسد التجربة الإنسانية في صيرورتها ويعيد تشكيل الوعي الجمعي في عصر السرعة. فالنص في صورته الجديدة ليس مجرد كلمات، بل شبكة من الأصوات والصور والرموز والخوارزميات التي تتنفس في فضاء الضوء.
إن غياب الكتاب الورقي لا يعني موت النص، بل انتقاله إلى شكل جديد من الوجود. النص الرقمي لم يفقد جوهره الإنساني، بل اكتسب حياة مختلفة في اللامكان، متحرراً من قيود الورق والزمن. لقد تحوّل من مادة إلى طاقة، ومن الصفحة إلى الشاشة، ومن الثبات إلى الحركة المستمرة. هذه النقلة ليست تقنية فحسب، بل أنطولوجية تمسّ جوهر الكلمة ودلالتها الثقافية والوجودية.
وتؤكد الأطروحات النقدية من ماكلوهان إلى دريدا وبودريار أن ما نشهده اليوم ليس تطوراً في أدوات الكتابة فقط، بل تحوّل في بنية الإدراك الإنساني نفسه. النص اللامادي يعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والمعرفة، وبين الواقع والتمثيل، ويطرح أسئلة جديدة حول الحقيقة والأصالة والهوية في زمن التقنية. وفي الوقت الذي يفتح فيه الإبداع الرقمي آفاقاً غير محدودة للكتابة التفاعلية، فإنه يثير القلق حول مستقبل المؤلف الفرد وفكرة (الأثر الخالد). فالنص اللامادي لا يُغلق على نفسه، بل يبقى في حالة تدفق دائم، كأنه نصّ لا يكتمل أبداً. إنه يذيب الحدود بين الفنون والوسائط، ويجعل الإبداع عملية مفتوحة بلا نهاية.
إن تحولات النص بين الورق والضوء تمثل منعطفاً جذرياً في تاريخ الثقافة الإنسانية. فالنص الرقمي ليس بديلاً للكتاب الورقي بقدر ما هو امتداد وتحوّل في جوهر الكلمة. إنه يعيد بناء العلاقة بين الإنسان والمعنى، بين الكتابة والوجود. لقد انتقل النص من المادة إلى اللامادة، من الثبات إلى الديناميكية، من التلقي إلى المشاركة، ومن الحضور المادي إلى الحضور الضوئي. ومهما تعددت الرؤى بين التفاؤل والقلق، فإن المؤكد أن النص في زمن الضوء لم يمت، بل وُلد من جديد في هيئة جديدة، تتحد فيها التقنية بالفكر، ويغدو الإبداع فيها فعلاً مستمراً لا يعرف الاكتمال.