لم يسبق أن عرف الكتّاب حول العالم هذا القدر من الضجيج التعبيري. ففي غضون سنوات قليلة صار كلّ الناس، من القرّاء ومن غير القرّاء، يملكون منبراً صغيراً في جيوبهم، يستطيعون من خلال شاشته أن يُبدوا آراءهم في الكتب وفي السياسة وفي الفنّ والفلسفة والوجود. وبمجرّد صدور كتاب لكاتب معروف تتحوّل وسائل التواصل الاجتماعي إلى ساحة صاخبة تختلط فيها الأصوات والنوايا، حيث لا زمن للإنصات ولا مساحة للتروّي، إذ كلّ شيء يقال فوراً وأحياناً ينسى فوراً.
في هذه الفوضى التي قد تسمّى أحياناً حرّية التعبير، ضاعت الحدود بين من يكتب ومن يعلّق، وبين من ينتج المعرفة ومن يستهلكها، وبين من يقرأ النصّ ومن يقرأ بواطن نفسه عبر النصّ. وفي زمن الانطباعات اللحظيّة غرقت الكلمة الرصينة في سيلٍ من الانفعالات السريعة، وذاب الرأي المتخصّص وراء هاشتاغ رائج أو مراجعة فرجويّة على تيك توك. أمّا ما يعرف في الأوساط الأكاديميّة بالنقد الأدبيّ فقد تسوّر أبواب الجامعات، وهاجر من المجلّات والصحف المختصّة ليقيم في رفاهة الفايسبوك والإنستغرام واليوتيوب حيث استقبله جيل جديد من النقّاد المنصّاتيين يصوغون أذواق القرّاء بلغتهم الخاصة، لغتهم الخفيفة والمرئية والمباشرة.
سبقت هذه الهجرة حركة نقلت الأدب من فضائه التقليديّ إلى فضاءات أخرى، فقد خرج النصّ الأدبيّ من الصالونات المغلقة والملاحق الثقافية الورقية إلى الشاشات. وبوصوله إلى الفضاء الرقمي المفتوح تغيّر وجه النقد على نحو لم يعرفه الكاتب من قبل، إذ لم يعد معيار الحكم على الأعمال الأدبية حكراً على النقّاد المختصّين ممّن امتلكوا بحكم التكوين الأكاديميّ أدوات التحليل ومقاييس التقييم، بل صار الجمهور بكلّ تنويعاته ومشاربه يشارك في صناعة الرأي الأدبيّ عبر المنصّات التي أضحت فجأة المؤشّر الأهمّ لقياس حضور الكتاب وتأثيره.
لكن هل يعني هذا أنّنا دخلنا فعلاً عصر دمقرطة النقد؟ وهل يكفي أن يملك الجميع صوتاً ليكون الجميع نقّاداً؟
من سلطة النخبة إلى فوضى الأصوات؟
في زمن الورق، كانت المسافة واضحة بين الكاتب والناقد والقارئ. الكاتب يكتب، الناقد يقيس، والقارئ يتلقّى. هذه السلسلة الهرمية كانت تضمن نظريّاً نوعاً من الشرعية النقدية، لأنّها تفترض معرفة وتخصّصاً وخبرة. ومع الانتقال إلى الفضاء الرقمي، انهارت هذه الهرمية فجأة. صار بإمكان قارئ شاب على إنستغرام أن يؤثّر في مبيعات رواية أكثر من ناقد يكتب في مجلة عريقة، وأضحى الذوق الجماعي يُقاس بعدد القلوب والمشاركات والتعليقات لا بعدد المقالات النقدية الرصينة.
ربّما اعتبر البعض هذا التخلّص من سلطة النخبة مظهراً صحيّاً مؤشّراً على دمقرطة النقد، غير أنّ هذه الديمقراطية تخفي في رأيي إشكاليات عميقة. فهل تعدّ كلّ مشاركة للرأي نقداً؟ وهل كلّ تفاعل جدير بأن يشارك مع الناس؟ وهل ما تعرضه وسائل التواصل الاجتماعيّ يصحّ وصفه بالنقد؟ أليس في أغلبه تعبيرات انفعالية سريعة الزوال تتغذّى من منطق المنصّات نفسه: الإثارة والسرعة والرغبة في الظهور وحصد الإعجاب؟
ومع ذلك، فإنّه من الغبن أن ننكر أنّ هذه الأصوات، رغم سطحيتها أحياناً، كشفت هشاشة البنية القديمة للنقد، وفضحت انفصاله عن قرّائه وعن الحياة الأدبية الفعلية. فمن السهل أن نقول إنّ ما تغيّر فعلاً ليس النقد بقدر ما تغيّرت وسائطه، ولكنّ هذا القول لا يطابق واقع الحال. فالمنصّات إن لم تُنتج نقّاداً جدداً، فقد منحت أدوات جديدة للتعبير عن الذوق الفرديّ والجماعيّ وطرقاً أخرى في التفاعل بين القارئ والكاتب. وقد نرى في هذا الجانب وجهاً إيجابيّاً: إذ لم يعد الأدب حبيس النخب الثقافية بل صار متاحاً لكلّ من يقرأ ويعبّر. الإشكال الحقيقيّ أنّ ما يُنتج على هذه المنصّات لا يمرّ غالباً بأيّ جهد تأويليّ أو تحليلي، بل يقوم على اختزال العمل الأدبيّ في تجربة شعورية شخصية فما أكثر ما نقرأ تعليقات من قبيل: أحببت الرواية، الخاتمة أبكتني، لم أستطع إنهاءها ولا أدري لماذا... وهي تعليقات تعبّر بلا شكّ عن علاقة وجدانية بالنصّ، لا صلة لها بالتعقّل النقديّ. وههنا تكمن المفارقة، ففي الوقت الذي يرفع فيه النقد المنصّاتي شعار القرب من القارئ فإنّه يهمّش النصّ نفسه. فإذا الكتاب مجرّد ذريعة للتعبير عن الذات، أو خلفية لعرض الذوق الشخصي، أو حتى أداة لبناء صورة رقمية للناشر/القارئ. ولعلّ أخطر ما في هذا التحوّل أنّه يخلط بين التجربة الجماليّة والاستعراض الشخصيّ، فيذوب النصّ في سيلٍ من الانطباعات السريعة التي لا تعمّر أكثر من يومٍ على الخوارزميات.
هل يجب أن يظلّ النقد شأناً نخبويّاً؟
ومع ذلك، فلا يمكن اختزال الظاهرة في سطحيتها فقط. فالنقد المنصّاتي قد أعاد إلى الواجهة أسئلة ظلّت مهمّشة طويلاً: من يملك الحق في التقييم؟ هل يجب أن تكون المعرفة الأدبية شرطاً لممارسة النقد؟ أليست التجربة القرائية في ذاتها شكلاً من أشكال الفهم؟
المؤكّد أنّ هذا النقد الجديد منح صوتاً لفئات كانت غائبة تماماً عن المشهد الثقافيّ: قرّاء من مناطق بعيدة عن المراكز الثقافية، تلاميذ وطلبة لم يجدوا مكاناً في المجلات، قرّاء غير أكاديميين يتحدّثون بلغة أقرب إلى الحياة اليومية منها إلى المصطلح النقدي. وهذا في حدّ ذاته تحوّل اجتماعي في معنى القراءة إذ لم يعد القارئ المتلقّي سلبياً، بل غدا مشاركاً في صناعة القيمة الأدبية، حتى وإن لم يمتلك أدواتها النظرية.
ولعلّ ما يحدث اليوم هو انتقال من نقد النخب إلى نقد الجماعات، من العيار النقديّ الثابت إلى الذوق غير المقيس المتحوّل. وهذه الديناميّة، على ما فيها من فوضى، تعبّر في رأيي عن حاجة حقيقية: أن يُستعاد الأدب من برج النخبة إلى فضاء الناس. لكنّ السؤال الملحّ هو بأيّ ثمن تقع هذه الاستعادة؟
مشروعية الدمقرطة وحدودها
من الناحية المبدئيّة تبدو دمقرطة النقد، في جانبها الأخلاقي، خطوة إيجابية نحو إشراك الجمهور في النقاش الأدبيّ. غير أنّها في جانبها المعرفيّ، تطرح إشكال الشرعية. فالمعرفة ليست نتاج عدد من المتابعين، ولا يمكن للمنصّة أن تحلّ محلّ التكوين النقديّ. فحين يتحوّل الذوق إلى معيار وحيد، نصبح أمام شعبوية نقدية لا تقلّ خطراً عن النخبوية القديمة التي تدّعي تجاوزها.
ربّما لا تكون المشكلة في الصوت الذي يتكلّم، بل في الكيفيّة التي يتكلّم بها. فالنقد الجماهيري يكتسب مشروعيته حين يتحرّر من النزعة الاستعراضية ويتّجه إلى الحوار الحقيقي مع النصوص. ومتى نجح هذا النقد في تطوير لغته وأدواته لتكون أكثر دقّة ووعياً، أمكن له أن يشكّل رافداً جديداً للنقد المؤسّسي لا خصماً له.
ولعلّ ما ينقص المشهد الأدبيّ اليوم هو بناء جسورٍ بين الطرفين، بين الناقد الذي يخاطب قلّة من المختصّين، والقارئ الرقمي الذي يخاطب الآلاف بلغة بسيطة. فالنقد، في جوهره، ليس امتلاكاً للمعنى بل سعياً إليه، وكلّ من يسعى إليه بحقّ يملك شرعية المشاركة.
نحو أفق قرائيّ جديد
ربّما صار من العاجل اليوم أن نفكّر في إعادة تعريف الناقد. فالمؤكّد أنّه لم يعد فقط ذلك الأكاديميّ الذي يكتب مقالات مطوّلة أو بحوثاً جامعيّة، بل صار من اللازم علينا في زمن المنصّات أن نقبل أن يكون الناقد كلَّ من يُنتج خطاباً عن الأدب يوسّع أفق القراءة ويُضيء النصوص بدلاً من أن يكتفي باستهلاكها. من هذا المنظور، يمكن أن يكون (الناقد المنصّاتي) مشروع ناقد حقيقي، بشرط أن يعي مسؤوليته وأن يتجاوز سطحية الانطباع إلى عمق التأويل. ذلك أنّ الثورة الرقمية، رغم ضجيجها، تذكّرنا بشيء جوهري: أنّ النقد فعل حوار، وأنّ الحوار لا يكون ديمقراطياً إلا إذا جمع بين حرّية التعبير ومسؤولية القول.