مجلة شهرية - العدد (592)  | يناير 2026 م- رجب 1447 هـ

ما قبل موت المؤلف.. (الشكلية الروسية) ومقدمات النقد المعاصر

تربَّع (الموت) دوماً على عرش الأسئلة الوجودية، وكان في كل الفلسفات بمثابة سؤال الأسئلة، لحيرته وتعدد إمكانات التفكير في مساراته، ولمحدودية احتمالات الإمساك بمرونة الميتافيزيقا التي تشكله، وهكذا تبرأت الأبيقورية من مخاوفه، حين اعتبرته خارجاً عن الإدراك بالوجود والحياة، من مبدأ أن الأخيرة لا تجاوره، فإما الحياة وإما الموت، وأقرَّت الرواقية بأنه موضوع لا يستحق كل هذا الجلال والهيبة، وأن التفكير فيه لا ينتهي إلا بتغييب السكينة المرجوة وشروط محبة العيش، ورأى سقراط أن استصغاره هو أفضل السبل للتعامل مع هوس الإنسان به، حين تعامل معه بهدوء يُقرأ كموقف فلسفي عن الموت باعتباره البداية لشيء ما قد انتهى وفقط، حتى أنه استحق عنده نوعاً من الاستعلاء والكوميديا.
وحضر الموت في الفلسفات الإسلامية والغربية التي يمكن وضعها في خانة (المحافظة)، في إطار تفسيرات دينية، ربطته بأسئلة الروح ومرحلة ما بعد الموت، والحساب والعقاب، والجنة والنار، والإرادة الإلهية التي تقف على حدودها إرادة البشر، واعتبرته الوجودية فيما بعد السؤال المركزي الذي يقتحم الحياة في علاقتها بالذات والآخر، ورأت فيه النزعات العلمية تحللاً لعناصر الجسد المحكومة بمنطق الكون والفساد، وتدريجياً صارت السردية الوضعية بصيغتها العلمية المتحكمة في مشهد الفكر المعاصر غربياً على الأقل، هي التفسير الغالب لسؤال الموت، حتى وإن أفضى إلى تفاقم قلق الإحساس بالمعنى وصعوبات الإمساك بالهوية. لكن كيف انتقل سؤال الموت والنهايات والأفول من طابعه الوجودي الإنساني، إلى تعميمه على باقي الموضوعات التي شملت الفلسفة، الإنسان، التاريخ، النقد، المجتمع؟ وكيف مست فلسفات الإعدام التي أنجبها الزمن ما بعد الحداثي المؤَلِّف والمؤَلَّف أيضاً؟
أولاً، في شيوع سرديات الموت وفلسفات الإعدام
يُحيط بالإنسان المعاصر فهم جديد للوجود وللعلاقة مع العالم والأشياء، أساسه الاختلاف عن سابقه لعدة اعتبارات، أهمها طبيعة الثورات السريعة التي يعيشها الإنسان الحديث والمعاصر، مقارنة بأي حقب أو أجيال أخرى سبقته، وكان التغيير فيها هادئاً، بطيئاً، لا يقوم على منطق العجلة والفجائية ومبدأ العلاج بالصدمة، عكس زمن اليوم.
ولأن وجودنا المعاصر محكوم بهذه السرعة في التغيير الذي يعني أيضاً ولادة أشياء جديدة باستمرار، فإنه وجد نفسه مثقلاً بلغة العزاء الجماعي، وخطاب الرثاء المتكرر، أولها، ربما ارتبط بفكرة (موت الإنسان) نفسه، بصيغه التي طرحها (فوكو) في معرض حديثه عن تقويض النزعة الإنسانية، وإعلانه أن الإبداع والتفكير وشروط إنتاج المعرفة لا يمكنها التحقق إلا ضمن تلك الحالة التي يخلقها زوال الإنسان، بما تَضمنُه هذه الصيغة من تجاوز لتلك الهالة التي أحيطت به، وتقديمه في صورة الخاضع لشروط الوجود وحتميات الوضع الإنساني، والنظر إليه كموضوع من موضوعات المعرفة، وأنه يحتاج إلى إعادة نظر جوهرية حيال تعريفاته السابقة التي حددته كعاقل، واعٍ، حر، وبالأساس كمركز، واستبدالها بمنظور يريد استكشاف هشاشته، كما فعل فوكو الذي قال بأن العثور عليه لا يكون إلا في الكلمات والأشياء.
الرثاء الثاني، أُعلن بأسماء كثيرة وتوقيعات متعددة قالت بـ(موت الفلسفة)، حيث جرى دفنها في بعض الكتابات من قبل العلم والنزعة التجريبية، التي كرست سلطة الأجوبة العلمية والخلاصات الموقَّعة باسم (الحقائق/ النظريات العلمية)، على حساب سلطة السؤال، الذي هو أساس الفلسفة ومحورها ومفتاح استمرارها وتنوعها وحيويتها، وجرى تأبين الفلسفة أيضاً لما ظهرت للعلن مسارات بحثية جديدة باسم التخصص والعلوم الإنسانية، واحدة تُعنى بالاجتماع، وعلوم أخرى دورها فهم بنية الإنسان المعاصر النفسية، وتخصصات أخرى تجادل من أجل أن يكون لها وحدها حق الحديث في التاريخ، وما شابهها من مطالب التقسيم، بعد أن كانت الفلسفة تشتبك مع مجموع هذه الموضوعات اشتباكاً لا تحده حواجز وخطوط.
ثانياً، الشكلانيون الروس والتمهيد لسردية (موت المؤلف)
تُربط صيغة (موت المؤلف) في الغالب بالناقد الأدبي الفرنسي (رولان بارت) الذي صاغها في مقالة له نشرها بنسختين واحدة في مجلة أمريكية عام 1967 وأخرى بالفرنسية سنة 1968، وكانت فكرتها الأساسية هي إعادة النظر في مركزية الثلاثية التقليدية التي احتكم لها النقد الأدبي والفلسفي معاً (الكاتب والمكتوب والقارئ)، مدافعاً عن وجوب تحرير النص من الاعتبارات الخارجة عنه، وتحريره من جبروت التأويليات القاتلة، التي من شأنها تناسي النص لاعتبارات غير أدبية، وتقييمه نقدياً على أساسات شخصية تتصل بالمؤلف ووضعية القارئ، والغرض عنده هو إيقاف هذا الامتداد النقدي الذي يتجاوز حدود الكتابة نفسها.
لكنه ربطٌ وإن يكن هو الرائج، لاعتبارات كثيرة أهمها يرتبط باستخدام صيغة (موت المؤلف) والتي وُلدت للمرة الأولى في مقالة (بارت)، إلا أنه يُلغي الالتفاف للتمهيدات التي استبقت هذه المرحلة، ومن ضمنها تلك الفترة التي برز فيها إلى العلن، مشروع (الشكلانيون الروس)؛ رومان جاكوبسون، ويوري تينيانوف فيكتور شيكلوفسكي وبوريس أيشينباوم)، وغيرهم من الأسماء الذين وإن اختلفوا في المنهج وتفصيلاته الدقيقة، إلا أنهم اتفقوا على أهداف موحدة ومشتركة، منها نقل النقد الأدبي إلى مسارات مغايرة، يكون فيها التركيز منصباً على خصوصية وطبيعة النص نفسه، وتأكيدهم الحاجة إلى تنقية النصوص الأدبية من حمولاتها الثقافية والنفسية، التي تُلزم النص في الغالب بتأويلية تفتقد إلى شروط الصرامة العلمية.
هذا المسار يعني بشكل أو بآخر تثبيت أجزاء مهمة من فكرة (موت المؤلف)، وفي مقدمتها تجاوز مبدأ (النقد النسقي)، الذي يَلُمُّ الثلاثية السابقة وما ارتبط بها من موضوعات تتصل بالسياق الثقافي والوضع النفسي والظرف الاجتماعي والسياسي والأيديولوجي الذي ميَّزَ زمن الكتابة، حتى أن بعض (الشكلانيون الروس) حرصوا على وضع شروط نقدية جديدة لا تقوم على تمييز الأدب فقط عما سواه، وإنما تسعى إلى الحفاظ على هوية وخصوصية كل قول أدبي مقارنة بغيره، كما هو شأن الدفاع عن خصوصية اللغة الشعرية مثلاً، عدا عن تركيز أغلب أعلامها على تجاوز الطابع التقليدي للنقد الأدبي، لدرجة اعتبار (فيكتور إيرليخ) في كتابه (الشكلانية الروسية)، أن هذا التقليد الذي ظهر بالتزامن مع الثورة الاشتراكية في روسيا، هو بمثابة (الوجه الأدبي للثورة البلشفية)، خصوصاً أنه اتخذ التمرد على التقاليد الأكاديمية السائدة حينها منطلقاً له.
وسواء تعلق الأمر بحلقة (موسكو) أو (سان بيترسبورغ) أو ممن رفضوا الانتساب إلى أي منهما، ورغم الاختلاف الحاصل بين رموز هذا التقليد الجديد، إلا أن أساسه ارتكز على هذه الحمولة الثورية في النقد الأدبي، وكان استمراراً لباقي أشكال التمرد الفكري والأيديولوجي والفلسفي لتلك المرحلة، وأراد نقل اللغة الشعرية من انطباعيتها الفوضوية والسائلة، إلى أن تكون موضوعاً للنقد العلمي والمنهجي، لا بهدف خنق المعنى، وإنما برهان تحويل النظر صوب جوهر الأدب، وهو القول نفسه، وجعله مستقلاً ومتميزاً عما عداه، وهذا منشأ رفض أغلبهم لتسمية (الشكلانيين)، وحرصهم على تثبيت أنهم بالأحرى (تمييزيين).
وبالمختصر، فإن التقليد النقدي الموقع من قبل (الشكلانيون/ التمييزيون الروس)، يمثل بالنسبة للنقد الأدبي المعاصر تمهيداً أولياً تبعته فيما بعد السجالات التي ارتبطت بموت المؤلَّف والمؤلِّف معاً، وهو على هذا الأساس من المسالك الأولى التي انفتحت بعدها دروب التأويل البنيوي وردوده التفكيكية في الأدب والفلسفة والفن، وأحد خطوط الانطلاق المركزية التي هيأت النقد المعاصر لمسارات مغايرة، تريد اختراق نسق الكتابة وبنيته الصارمة التي تعيق الاشتباك بحرية أكبر مع النصوص، حينما أزاحت سلطة الكاتب عن المكتوب، وروَّدَت سطوة (التوسل بالمرجعية)، لتجاوز سطوة اسم وتاريخ وشهرة المؤلِّف ومكانته وتأثيره على المضمون، وتفادي هيمنة شرعية القائل على موضوع القول نفسه.
والحق، أن هذا التقليد النقدي نفسه، سواء الموقع باسم (الشكلانيين الروس) وغيرهم ممن مهدوا لفكرة (موت المؤلف)، أو قائلها (رولان بارت) نفسه، أو الردود عليه والسجالات التي فتحتها هذه العبارة مع (دريدا) وغيره، ينتهي في النهاية إلى تثبيت خلاصة مركزية مفادها أن الزمن المعاصر يطغى عليه طابع نقدي يريد الحسم جذرياً وبصرامة غير معهودة مع ما سبقه، وأن الأزمات التي عرفتها البشرية في القرن العشرين تحديداً، لم تكن مجرد لحظات من التردد والفشل السياسي، وإنما كانت في صميمها إعلاناً عن موت أنساق سابقة، وبلوغ مرحلة الحاجة إلى (مسح جديد للطاولة).
وكانت نهاية هذا المسح هي إعلان مراث كثيرة، ليس المؤلَّف والمؤلِّف إلا أحد أوجهها وشكلاً من أشكالها، على أساس أن هذا الكم من فلسفات القتل والإعدام، لا ينبغي أن تُقرأ بعجل، وبحمولات أخلاقية سريعة ومندفعة، أو كنوع من أنواع الإعجاب بجمالية هذه الصيغ (موت الفلسفة، موت المؤلف، موت الإنسان، موت التاريخ)، وإنما باعتبارها ولادة نقدية مغايرة، هاجسها توطين فكر إنساني معاصر، يكون على قدر الأسئلة المطروحة، ويستطيع احتضان أنماط جديدة من النقد والإبداع، وتوطين القدرة على المساءلة المسؤولة.
ذو صلة