مجلة شهرية - العدد (595)  | أبريل 2026 م- شوال 1447 هـ

روح حقيقية.. (جيسكا) تدور حول العالم في زورق شراعي

في السادس عشر من يوليو 2020 أعلنت شبكة (نيتفليكس) Netflix عن أن مذكرات (جيسكا واتسون) (روح حقيقية) True Spirt سيتم تكييفها في فيلم روائي طويل، وتم التصوير في أغسطس 2021 في جزيرة (شيفرون) في مدينة (جولد كوست)، (كوينزلاند)، أستراليا. وفي الثالث من شهر (فبراير) من عام 2023 بثت الشبكة الفيلم ضمن دراما المغامرات المثيرة، وجاء العمل من ﺇﺧﺮاﺝ (سارة سبيلان)، وشارك في تأليفه (سارة سبيلان)، و(كاثي راندال)، ومن بطولة (تيغان كروفت)، و(كليف كيرتس)، و(أليلا براون)، و(آنا باكوين)، و(جوش لوسون)، و(بريدجيت ويب). ويستعرض العمل الأحداث الدرامية و(السيرة الذاتية) للفتاة البحارة الأسترالية (جيسكا واتسون) (Jessica Watson)‏ (ولدت في 18 مايو عام 1993). حيث انطلقت بمفردها تتحدى مخاوفها، وتقاوم وحدتها، وتتغلب على مشاق مغامرتها دون أية مساعدة لتحقق حلمها كأصغر شخص يُبحر بزورق شراعي في رحلة بحرية حول العالم، حيث أبحرت لأكثر من 38 ألف كيلومتر بحري في 210 أيام لتكون بذلك أصغر شخص يبحر حول العالم منفرداً محطمة بذلك الرقم القياسي المسجل باسم مواطنتها (جيسي مارتن) التي قامت بنفس الرحلة قبل عشر سنوات عندما كانت في سن الثامنة عشرة، لذا اعتبرها غالبية الأستراليين (بطلة قومية). وعند عودتها تم استقبالها في (سيدني) استقبال الأبطال. فكيف تعاملت (جيسكا) مع صعوبات هذه التجربة الرائدة، وأنجزت بنجاح بالغ حلم حياتها؟
نشأت الطفلة (جيسكا) (أليلا براون) بين أحضان أسرة (غير تقليدية) تعشق السفر والمغامرات، حيث عاشت عامين في منزل متنقل، ثم استقر بهم المقام في مدينة ساحلية بأستراليا، لتقع الفتاة في غرام البحر. وهي في عمر تسع سنوات حلمت بأن تصبح أصغر شخص يبحر منفرداً حول العالم، دون أن ترسو في أي ميناء، أو تطلب مساعدة من أحد، وبدأت في التدرب والاستعداد لتحقيق حلمها على أرض الواقع، وأمام طموحها وتصميمها وإصرارها وافق بحار سابق ومدرب محترف (بن براينت) (كليف كيرتس) على تدريبها، وعندما بلغت السادسة عشرة من عمرها، وجدت نفسها مهيأة للانطلاق برحلتها المثيرة الماتعة، وبين شد وجذب عائلي أجمعت أسرتها بالموافقة على قيامها بالرحلة ودعمها، رغم معارضة الحكومة الأسترالية كونها (طفلة) دون السن القانوني، فتكون فريقها الداعم لها من والديها وأشقائها الثلاثة ومدربها.
وراهن كثيرون على فشلها، بعد بداية (تجريبية) غير موفقة لرحلتها. ففي أول يوم من رحلتها اصطدم زورقها واسمه (السيدة الوردية، Pink lady) بناقلة شحن انحرفت عن مسارها. لم تلاحظ السفينة القادمة لأنها نسيت تشغيل نظام التنبيه الخاص بها قبل ذهابها إلى الفراش، وأثار هذا الحادث شكوكاً لدى مراسلي وسائل الإعلام (المتابعة للحدث دقيقة بدقيقة) حول ما إذا كانت (جيسكا) (تيغان كروفت) قادرة على تحقيق حلمها بأمان. ويشعر والداها بالقلق أيضاً، لكنهما يواصلان دعم طموحها. تكلف صيانة وإعادة تأهيل زورقها من جديد نحو 70 ألف دولار أسترالي، دفعتها جهة تطوعية متواضعة تدعم الرحلة، ثم عاودت صاحبة الروح القوية الانطلاق في 18 أكتوبر 2009 من (سيدني)، أستراليا وهي بعمر الـ 16 سنة في رحلة من المقدر أن تستغرق 200 يوم. وسارت (واتسون) متجهة نحو الشمال الشرقي، لتعبر خط الاستواء في المحيط الهادئ قبل عبورها المحيط الأطلسي والمحيط الهندي. وخططت لطريقها البحري أن يبدأ وينتهي بمدينة (سيدني)، ويمر بالقرب من (نيوزيلندا) و(فيجي) و(كيريباتي) و(كيب هورن) و(رأس الرجاء الصالح) و(كيب ليوين) و(ساوث إيست كيب)، ووفقاً للقواعد التي وضعها (الاتحاد الدولي للإبحار الشراعي) يجب عبور خط الاستواء. وتم تنفيذ هذا العبور بالقرب من جزيرة (كيريتيماتي). ومع ذلك، تنص معايير الاتحاد أيضاً على أن الطواف العالمي يجب أن تكون مسافته 21.600 ميل بحري. لكن رحلة (واتسون) لم تحقق هذا المعيار.
وعندما كانت على متن قاربها، كانت تتواصل مع فريقها المعاون بالهاتف عبر الأقمار الصناعية، وسارت الأمور بسلاسة حتى واجهت أول عاصفة. قررت (جيسكا) التخلص منها، عبر خفض شراعها، وانسحابها إلى مقصورتها. كانت الأمواج عنيفة لدرجة أنها فقدت وعيها ولم تستيقظ حتى صباح اليوم التالي. يخشى والداها من إصابتها بارتجاج في الدماغ، لكنها أكدت لهم أنها بخير وتواصل رحلتها. وتتابع الأحداث ببراعة فنية فهي تعود من وقتٍ لآخر إلى لحظات أساسية من طفولة (واتسون) حين تتصاعد الأحداث المشوّقة في الزمن الحاضر. واتّسمت مشاهد الإبحار بجاذبية تخطف للأنفاس، فهي تجمع بين تصوير المواقع المدهشة ولقطات مُعدّلة أمام الشاشة الخضراء، توحي للمشاهد أحياناً بأنها جزء من كتاب شاعري، ففي مشهد ليلي يبدأ التصوير من فوق زورقها، فيبدو وكأنه يطفو في بحرٍ من النجوم، ثم تميل زاوية التصوير لإظهار النجوم وكأنها انعكاسات في المياه، ثم تأخذنا مجريات العمل لتنقل لنا لحظات وأيام شعور (جيسكا) بالوحدة والخطر، ومقاومتها وحدها في ظلمات الليل أمواج المحيطات العاتية، ويمر أسبوع كامل دون رياح، فيظل قاربها ثابتاً ساكناً دون حراك، وخلال هذه الأيام العجفاء، عانت من الوحدة والتوتر والاكتئاب، ويحدث جدال محتدم مع مدربها (بن براينت)، فيستقيل من دوره في توجيهها ومتابعتها، ثم يعود لاحقاً، لكن الوالدة لا تنقطع عن تشجيع ابنتها (المحبطة) ورفع معنوياتها عبر الترنم بأغنية (رجل النجم) (Star man) لـ(ديفيد بوي)، بينما تنظر إلى ألمع نجم في السماء تعود الرياح وتواصل (جيسكا) رحلتها.
بين الاستسلام والاستمرار
اقتربت من النهاية، حيث تبعد حوالي ألف ميل عن (سيدني)، لكنها واجهت عواصف شديدة، فينصحها مدربها (بن) بتغيير مسارها الرسمي، والتراجع عن تحقيق حلمها حفاظاً على حياتها، فتسأل أمها حول (ما يجب عليها فعله؟)، فترد: (هذا اختيارك وأنت صاحبة القرار)، وهنا ترفض (جيسكا) الاستسلام وتتحدى العاصفة الأعنف، فتنقلب (السيدة الوردية) وتندفع 15 قدماً تحت سطح الماء، وتنطلق إشارة تحديد موقع الطوارئ بالقارب، ويخشى الفريق من غرق (جيسكا)، ويشكك الإعلام في قدرتها ويهاجم والديها لسماحهم لها بتلك المغامرة، وجاءت شخصية المراسل الصحفي لتصوّر شخصاً يحمل ضغينة شخصية ويتصيد الأخطاء بشكل ما، وقد صوره الفيلم حتى على مستوى الأداء كشخص معاد للنجاح.
ومع ذلك، عاد الزورق إلى الظهور من جديد، فتخبر عائلتها أنها وقاربها بخير، ولم يكن انقلاب الزورق هو المعاناة الوحيدة التي قدمتها (جيسكا) خلال رحلتها، إنما قضاء 210 أيام تمخر عباب البحار والمحيطات، في وحدة كاملة لا يربطها بالبشر سوى مدونتها الشخصية وتعليقات المتابعين لرحلتها، واتصالات متقطعة مع أسرتها ومدربها. وقبل أيام من وصولها بنجاح لنهاية رحلتها نشرت (جيسكا) عبر مدونتها قائمة بالأمنيات التي تود تحقيقها حالما تصل، وعلى رأسها: (الحصول على حمام ساخن، وتناول صحن من الفواكه الطازجة، والذهاب إلى الصالون لقص شعرها وعمل تسريحة!). وعادت إلى ميناء (سيدني) في الساعة الواحدة و53 دقيقة مساء يوم السبت 15 مايو 2010، وبعد 210 أيام (نحو سبعة أشهر) من مغادرتها هذا الميناء في 18 أكتوبر 2009، فاستقبلتها أسرتها ومدربها ورئيس الوزراء الأسترالي وحشود هائلة من الناس ووسائل الإعلام، وأصدرت (جيسكا) كتابين عن رحلتها على الرغم من إصابتها بعسر القراءة، ولا تزال بحارة شجاعة متعطشة للمغامرة.
في الختام
لعل جاذبية مثل هذه الأعمال الفنية يعود، بالإضافة إلى الإتقان الفني والحرفية العالية؛ إلى حاجة الجمهور لوجود (نموذجه الخاص) الذي (يتوحد) معه للانتصار على المخاوف والمصاعب، ولم ينطلق هذا الفيلم من مبدأ (تمجيد البطولة الفردية.. والبطلة الخارقة)، فالفتاة طبيعية ولها قوتها الشخصية وذكاؤها ونقاط ضعفها أيضاً، وهذا ما أظهرته عبر (رقصها تحت المطر)، وفي نوبات البكاء والشعور بالوحدة والإحباط أحياناً، كما أظهر العمل إصرار الطفلة على تحقيق حلمها مهما كانت المخاطر، وهي لم تغامر بلا حسابات أو تخطيط مسبق، بل استوحت مغامرتها من البحّار الألماني (جيسي مارتن) الذي حطم أرقاماً قياسية وقام بمغامرة مشابهة قبل عشر سنوات، لكنه كان أكبر من (جيسكا) بعامين، واعتبرت مذكراته ورحلته مصدر إلهام لها، ثم تدربت على الإبحار، وتلقت دروساً أكاديمية وعملية من مدربها، واعتمدت على دعم أسرتها المتناغم والسخي لها. واعترافاً بنجاحها، حصلت (واتسون) على لقب (الشابة الأسترالية لعام 2011)، وفي العام التالي مُنحت وسام أستراليا.
ذو صلة