
الكتـــــــاب: أيام فان جوخ الأخيرة المؤلفة: أليسون ريتشمان المترجم: أسامة أسبر الناشـــــــر: صفحة سبعة، الجبيل، 2023.
مغامرةٌ في الفنّ والحياة، اقتضت مغامرةً في الكتابة والبحث، فبعد أكثر من عشر سنوات استطاعت أليسون ريتشمان أن تضع خطوتها الأولى على الحبل الرقيق الممتدّ بين الفنّان والإنسان، وأن تُدركَ بعض أسرارهما الدفينة، وأن تحوّل تلك الأسرار إلى فنّ. في هذه الرواية تُطارد أليسون ريتشمان الأيَّام السَّبعينَ الأخيرة لفان جوخ، وتسافر بنا إلى (أوفير سيرواز) بفرنسا، حيث عاشَ الرّجل قصَّة حبّه الأخيرة مع مارغريت، عازفة البيانو، التي خلَّدها في لوحاتهِ قبلَ أن يخلِّدَ نفسهُ بها. وهل يمكن لغير الكتابة الأصيلة الحقّ أن تستعيد بالقلم ذاكرة الفرشاة وأن تضخّ جثّة المنتحر بالحياة؟

الكتـــــاب: التفكير الكارثي.. الانقراض وقيمة التنوع من داروين إلى الإنثروبوسين. المؤلف: ديفيد سيبكوسكي. ترجمــــــة: إيهاب عبدالرحيم علي. الناشــــــر: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، سلسلة عالم المعرفة، 2023.
إن الطريقة التي نفسر بها أسباب الانقراض وعواقبه وما يترتب عليها من ضرورات أخلاقية؛ متأصلة بعمق في القيم الثقافية لأي لحظة تاريخية معينة، وكما يكشف المؤلف، ديفيد سيبكوسكي؛ فإن تاريخ الأفكار العلمية حول الانقراض على مدى القرنين الماضيين -كعملية ماضية وحالية- مكتنف في التغييرات الرئيسة في الطريقة التي تعامل بها المجتمع الغربي مع التنوع البيولوجي والثقافي. يبدو من البدهي لمعظمنا أن النظم البيئية والمجتمعات المتنوعة لها قيمة جوهرية، لكن الانبهار الحالي بالتنوع هو ظاهرة حديثة نسبياً. في الواقع، تعتمد الطريقة التي نقدر بها التنوع بشكل قاطع على إحساسنا بأنه غير مستقر، وأنه شيء مهدد بشكل نشط، وأن خسارته قد تكون لها عواقب وخيمة.

الكتـــــاب: ضد العقل (فييرابند وما بعد الفوضوية المعرفية) المؤلف: د.منال محمد خليف الناشــــــر: دار أبكالو، العراق، 2023.
كانت فلسفة فييرابند دواءً للتيارات الإبستمولوجية العليلة وفلسفات العلم الجامدة، وتوضيحاً لطبيعةِ الكشف العلمي، عبر مبادئه التعددية، وإيمانه بزيف أيّ حدود تميز بين سياق الكشف وسياق التبرير، وبين علم نظري وآخر عملي، وعلاج لما آلت إليه العلوم الإنسانية من تشعب، نتيجة صراعها المحموم لتصبح علمية، وتحاكي المنهج الواحد، لاعتقادها أنَّه معيار النجاح الوحيد، وغاب عن ناظرها أنَّ رسل التقدم العلمي دمروا الحضارة وحطموا ما لم تبنِه أيديهم وسخروا مما لم يفهموه، وسيكون من قصر النظر أن نفترض أنَّهم وحدهم يمتلكون الآن مفاتيح البقاء، ولا بد من مواجهة قصور العقل بالتنوع والانفتاح، ونثر بذوره في كلّ أرض خطت عليها أقدام الإنسان.

الكتـــــاب: دراسات عن المماليك في مصر (1517-1250). المؤلف: د.ديفيد أيالون. ترجمـــــة: د.علي السيد علي. مراجعة: د.زبيدة عطا. الناشـــــر: المركز القومي للترجمة، القاهرة، 2023م.
يمكن دراسة المجتمع المملوكي لسلطنة المماليك بشكل أكثر عمقاً، وإعادة تركيبه بشكل أدق من أي مجتمع آخر يمكن المقارنة به في العصور الوسطى الإسلامية، لذلك فإن النتائج التي يمكن الخروج بها من هذا الكتاب سوف تساعدنا كثيراً على إعادة بناء مجتمعات مملوكية أخرى، وخصوصاً تلك التي نجد ندرة في إيجاد مصادرها التاريخية، بالإضافة إلى ما يمنحه من فهم جيد للعوامل المؤثرة في إقامة المؤسسة المملوكية ككل. وقد شغل المؤلف ديفيد أيالون بدراسة مماليكي مصر وبلاد الشام في العصور الوسطى المتأخرة لعدة سنوات، وكان بحثه مركزاً على المماليك في مصر. لذلك فإن هذا الكتاب سيكون ذا فائدة كبرى لدارسي التاريخ المملوكي.

محمود عارف 1909 - 2001
محمود بن عبدالخير عارف، أديب وشاعر سعودي، رائد من منطقة تهامة، ولد في جدة عام 1909م، تلقى تعليمه بمدارس الفلاح، وعمل أستاذاً فيها، تنقل في عدد من الوظائف الحكومية، حتى عيّن في مجلس الشورى بمكة. عمل رئيساً لتحرير جريدة عكاظ في بداية قيام المؤسسات الصحافية، عضو سابق في النادي الأدبي الثقافي بجدة. تحصل على وثيقة الإبداع الأدبي من رابطة الأدب الحديث بالقاهرة، وانتهت خدماته التربوية عام 1350هـ، ولكنه استمر في عضوية مجلس الشورى بتوجيهٍ من الملك فيصل بن عبدالعزيز آل سعود. (ينتمي الشاعر محمود عارف إلى الجيل الثاني من الشعراء السعوديين، فقد اتسمت تجربته في بعض مناحيها بالمنحى الرومانسي. ولم يخرج الشاعر عن شكل العروض الخليلي؛ فهو كلاسيكي من حيث الشكل، غير أن لغته تتسم بمعجم عصري، يقدم من خلالها موضوعات في قضايا وتحولات اجتماعية وتاريخية تحكمها دائماً رؤية الشاعر الفلسفية. ولم يغفل الشاعر نهج كثير من شعراء جيله في التطرق إلى قضايا كثيرة، بعضها يتعلق بمناسبات عامة كالحج والعيدين، وبعضها قضايا إنسانية عامة تتجلى فيها روحه وقلقه وتوقه إلى عالم المثل العليا. فشعره صدى لكثير من المناسبات الوطنية والعربية والإنسانية. وهو شاعر متحد مع النسق العام لمحيطه الاجتماعي، ولظرفه التاريخي. تعددت دواوينه، وبقي صوته متمسكاً برؤية واضحة ينوع في تناولها، لكن جوهرها ثابت). برزت لديه ظاهرة الاحتفاء بـ(الزمن) بشكل يثير الانتباه، إذ تعد هذه الظاهرة من الظواهر الأسلوبية الملحوظة في نتاجه الأدبي، وتكشف عن إحساسه به وبأهميته، وتأثير ذلك في تحديد المسار الموضوعي وطريقة المعالجة في مقالاته. ورؤية محمود عارف للزمن، جزء من فلسفته في الحياة ونظرته المتفائلة، ومن النماذج التي تجسد رؤية الكاتب للزمن، مقالة (الشباب قوة.. وعزيمة وثبات)، إذ يرى أن ثمة ارتباطاً بين مقومات الشباب والزمن، في قوله: «تتلاقى مقومات الشباب مع الزمن، فالماضي صورة حية لما ذهب، والحاضر مرآة للواقع بما فيه من آلام وأحلام، والمستقبل عالم مجهول يحمل الضباب الذي يجمع بين الحقيقة والخيال». ويقرر في موضع آخر، فيقول: «كثيرون هؤلاء الذين يشكون من الزمن.. والواقع أن الزمن هو الذي يشكو منهم.. لأنهم في كل الحالات يائسون.. وفي معظم المناسبات متشائمون»، إذ ذهب إلى أن الزمن جزء من مشكلة الإنسان، وهي إحدى القضايا التي تبناها في أدبه. من مؤلفاته أصدر أكثر من اثني عشر مؤلفاً مطبوعاً منها ثمانية دواوين شعرية وهي: ديوان المزامير، ديوان الشاطئ والسراة، ديوان في عيون الليل، ديوان على مشارف الزمن، ديوان الروافد، ديوان أرج ووهج، ديوان أيام العمر، ديوان مدينتي جدة، ديوان مشاعر على الضفاف، ديوان الفردوس الحالم، ديوان العبور. وكتب نثرية: أصداء قلم، ليل ونهار، أكثر من فكرة، أوراق منسية، حصاد الأيام. وهذه مقاطع من قصيدة بعنوان: (تحيَّة شعر) اللحن والمزهر نبعان من خُلدِ والسحر من عبقر في منتهى الحد والبرعم الأخضر يحنو على الورد

ليوناردو بادورا روائي ناجح وجمهور فاشل
على رغم من نقص التقدير في كوبا والقلق على المستقبل، يؤكد الكاتب أنه لن يترك يوماً جزيرته لسبب بسيط هو أن (الكاتب ليوناردو بادورا ليس له وجود من دون كوبا). لا شكّ أن الرواية التي كرّست شهرة بادورا ومهّدت طريقه نحو العالمية هي روايته (الرجل الذي أحبَّ الكلاب) (2009). تحكي هذه الرواية قصّة حياة الزعيم الشيوعيّ ليون تروتسكي، مُؤسّس الجيش الأحمر الروسي ومفوّض الشعب للشؤون الخارجية، منذ 1929، حتى اغتياله بالمكسيك يوم 21 أغسطس/آب 1940، في تداخل مع حياة قاتله الشيوعي الإسباني رامون ميرثيدير، والذي جنّده الكي.جي.بي بأمرٍ من ستالين، وكذلك قصة حياة إيفان، البيطري الكوبي الذي يرغب في أن يصير كاتباً، والتي تجري في الزمن الحاضر. هي ثلاثة أزمنة، ثلاث حكايات متشابكة وثلاث شخصيات تسعى كل واحدة لتحقيق حلم ما. لكن ما يهيمن على الرواية هو مساران متكاملان: حياة تروتسكي في منفاه بعد طرده من روسيا، وقصة إعداد وتكوين العميل السرّي المكُلّف باغتياله. ومن وراء هذين المسارين، تغطّي الرواية القرن العشرين بالكامل تقريباً، وهي تعالج في العُمق فشلَ التّجربة الاشتراكية في كوبا. لقد كتبها بادورا تحت تأثيرِ مثَله الأعلى، الرّوائي الكوبي الأشهَر أليخو كاربنتر، صاحب رواية (قرن الأنوار). فعلى منواله، يستحضر بادورا الماضي القريب أو البعيد، من أجل تسليط الضّوء على الحاضر بشكل أفضل. والأسئلة العميقة التي تطرحها شخصياته الرّئيسة، بغضّ النظر عن المرحلة التاريخية، هي أسئلته الخاصّة ككاتب، وأسئلة باقي الكوبيين الذين انجرفوا، على مدى أكثر من نصف قرن، مع تاريخ هذا البلد القاسي، والذي ما فتئ يتجاوزهم ويسحقهم في كلّ مرّة. تشهد هذه الرواية على براعة بادورا في التّحقيق والتوثيق، قبل صياغتها فنّياً بأسلوب ثريّ وممتع. يقول: «في أكتوبر/تشرين الأول 1989 بالمكسيك، صُدمت بعد زيارة البيت المحصّن لتروتسكي في كايوكان. كانت هذه نقطة الانطلاقة الفكرية لروايتي الجديدة». إنها انطلاقة صحيحة بالفعل، لأنه كان من المستحيل قبل سقوط جدار برلين الخوض في أمورٍ مشابهة. لقد اختار بادورا هذه اللحظة بالذات للتحقيق في حادثة اغتيال زعيم شيوعي كبير مثل تروتسكي، وإعادة سرد حيثياتها ووقائعها في رواية بديعة، قال عنها الكاتب والناقد الروائي المكسيكي ألفارو إنريغي: «إذا كانت رواية (الحب في زمن الكوليرا) لغابرييل غارثيا ماركيز قد حوّلت الرواية الرومانسية إلى أدب، فإن الروائي الكوبي ليوناردو بادورا -المعروف بأعماله البوليسية المثيرة للتشويق- قد وجد لنفسه مدخلاً إلى قانون الحداثة الأمريكية اللّاتينية من خلال كتابة رواية عن شخصيّة روسيّة». نقلت له إلى العربية أربع روايات من المترجم الدكتور بسام البزاز، صادرة عن دار المدى، وهي: الرجل الذي كان يحب الكلاب، رواية حياتي، وداعاً همنغوي، كغبار في الريح. ويعيش هذا الرجل البالغ من العمر 61 عاماً منذ سنوات عدة مع زوجته لوسيا في منزل متواضع من طبقتين يحمل اسم والدته (فيلا أليسيا). ورغم نيله جوائز عدة خارج كوبا، يعاني بادورا تهميشاً من وسائل الإعلام الكوبية الخاضعة كلها لسيطرة الدولة، إذ إن رواياته التي تعكس جوانب مظلمة من الواقع الكوبي تثير انزعاجاً لدى السلطات.

الكتــــــــــاب: تأملات في ثقافات رديئة المؤلــــف: د. يوسف الحسن الناشـــــــر: شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، بيروت، 2022.
يقدم هذا الكتاب العبارة التي تعد مدخلاً ممتازاً له حول سبب تأليفه «إنه الأمل ما نحتاج إليه، وهو يتطلّب أن يكون لدى الإنسان (المجتمع/ النظام) غايةٌ أو هدفٌ، واقتناعٌ بوجود إرادة وقدرة كافيتين للوصول إلى الغاية المرجوّة، وروح ومشاعر جَمْعية متعاضِدة لإنجاز الأهداف المنشودة». في هذا الكتاب، أمام سبعة عشر تأمُّلاً، كلّ تأمُّلٍ منها، مُختصٌّ بثقافةٍ معيَّنة، بحسب خصوصيّة الحالة، التي هي مَحطُّ تأمُّلٍ مستقلٍّ، وذلك تِبعاً لِما اقتضتهُ استقلاليّة (مواجهتها) بمفردها. ويضمّ هذا الكتاب سبعة عشر فصلاً، تسبقها مقدّمة الكتاب، وتليها خاتمته (خلاصة الكتاب). وتأمّلاتُ هذا الكتاب -وعبر الترتيب التسلسلي لفصوله- تستهدِفُ نَقدِيَّتُها الثّقافات الآتية: 1 - ثقافة التّفاهة 2 - ثقافة الاستبداد 3 - ثقافة الفساد 4 - ثقافة الاستعلاء 5 - ثقافة الكراهية 6 - ثقافة الوعي الزّائف 7 - ثقافة (تويتريّة) 8 - ثقافة (الاعتذار المقلوب) 9 - ثقافة البلادة السياسية 10 - ثقافة طغيان الوهم على الواقع 11 - ثقافة غفلة العقل 12 - ثقافة الأساطير اللاهوتية المتعصّبة، 13 - ثقافة الاستيطان 14 - ثقافة (فرّاخة) التّكفير 15 - ثقافة حوار (الطرشان) 16 - فيروسات ثقافة الحرب 17 - ثقافة (المُحلِّل) المستعار. ومما يقوله الكاتب في مقدمة الكتاب: «شغلتني في السنوات القليلة الماضية، خواطر وتأمّلات فيما لحق السياسة من تجريفٍ وتيهٍ وتفريغٍ لمحتواها، وبلادةٍ وربّما مواتٍ أيضاً، وما أصاب الثّقافة من رداءةٍ وتخلٍّ عن وظائفها الاجتماعية والإبداعية والفكرية، وغياب لمعاييرها الأصِيلة، من ذائقةٍ وقيمٍ جماليّة وأخلاقية، وأحاسيس رسوليةٍ بالوجود الإنساني، في شتّى أبعاده وأشكاله. كتبتُ هذه التّأمُّلات، وأنا مُدرِكٌ أنّ هناك نماذج مضيئة في السياسة وفي الثقافة، إن في بيئتنا العربية أو في بيئاتٍ خارجية أخرى، إلاّ أنّ المشهد العربيّ لا يسرّ، حينما نُعمِلُ الفكر في سياق الزمن العربي الجَمعي الراهن، المُبتلى بالمواجع والفواجع المتلاحقة، وبالحيرة الشديدة والاضطراب، والأسئلة الكثيرة المعقّدة». تُوضّح التّأمّلات في هذا الكتاب، كيف تمكّنت الثقافة الرديئة ومسوّقوها، من إغرائنا بقبول (تسلياتها) النمطية السلبية والرخيصة، وتشجيعنا على الإغفاء بدلاً من التيقُّظ والتركيز، واللامبالاة وإشاعة البلاهة، بدلاً من الوعي والتفكير النّقدي، وإغرائنا بالنظر إلى ما هو مُبتذَل وَمَقيت وغير مقبول، وغير خاضعٍ للقواعد الجماليّة، والمعايير الأخلاقية الإنسانية، والذّائقة السّويّة، وكأنّه حتميٌّ وضروريّ، ومنسجمٌ مع (الموضة) والعصر. ويقول الكاتب: «إنّ فائض الرداءة يسهم في حجب الإبداع الثقافي، ويُفسد الذائقة، ويعرقل دَور الثقافة في قيادة الوعي العام المجتمعي. وفي غياب اللقاح الواقي (الوعي والفكر النقدي)، تنتشر (عدوى) الرداءة والتفاهة». ويضيف: «إنّها ثقافات رديئة، لها سلبيّاتها المؤثّرة في سلوكيات بشرٍ ومجتمعات ونُظُم، ويجب نقدها وتجاوزها، بإبداع ثقافةٍ أكثر إنسانيةً، وحرّيةٍ مسؤولة وعدلٍ وأملٍ واستنارةٍ وقيمٍ عُليا». ويؤكد: «نعم نحتاج إلى كشف الغطاء عن الرداءة، وعمّن يُلام على وجودها وتغذيتها».

الكتـــــــاب: سكردان السلطان. المؤلف: ابن أبي حجلة المغربي التلمساني. تحقيــــق: محمد الحجيري. الناشـــــر: المعهد الألماني للأبحاث الشرقية في بيروت، دار الفارابي، بيروت، 2022م.
الكتاب يتناول موضوعين حول الرقم (سبعة). تناقش الفصول الأربعة الأولى علاقتها وتفوقها على الأرقام الأخرى. الموضوع الثاني الذي تمت مناقشته هو الروابط المختلفة بين الرقم (سبعة) والسلطان. يحتوي المجلد على قدر كبير من الروايات والقصص الرائعة التي يعدها المؤلف نفسه مؤلفات أنيقة وبالتالي فهي مناسبة للجمهور الملكي. يمكن اعتبار هذه الرحلة الفكرية الرائعة مرآة للواقع الثقافي والعلمي والأدبي في فترة حكم السلطان الناصر حسن بن محمد بن قلاوون، والفترة المتأخرة من حكم المماليك لمصر وبلاد الشام. الكلمة مركبة من كلمتين: سكر، وكلمة دان، وهي وعاء، أي وعاء السكر، أو السكرية، أو الوعاء الذي يحوي كل ما لذ وطاب، وبالتالي كل ما تهفو إليه نفس السلطان -الذي وضع الكتاب وقدم له- من شعر ونثر وأحداث ووقائع وتواريخ وأعلام، وعلى وجه الخصوص، تلك الفسيفساء العجيبة من الأخبار الغريبة، التي عمد إلى جمعها من كل حدب وصوب، ومن كل مصدر ومرجع. ولعل الصورة الأدل على ذلك بشكل صريح وواضح هي ما ضمنه الأمير سيف الدين المشد التركماني الياروقي صاحب الديوان المشهور، في بيتين له، يصف فيهما السكردان الذي قدم له، وما فيه، فيقول: وافي السكردان وفي ضمنه مطجنات من دراريج كأنه در وقد رصعت فيه ثريا من سكاريج لقد اعتمد في تحقيق هذا الكتاب على مخطوطة المكتبة الظاهرية (مكتبة الأسد) فيما بعد، التي توفرت للمحقق، وهي تضم 106 أوراق مزدوجة (و/ ظ). وقد أشير في فهارس المخطوطات إلى أنها الوحيدة الموجودة حالياً؛ مما أثار الكثير من الاستغراب، عندما عثر المحقق على الكتاب محققاً ومعتمداً على نسخة مخطوطة ومنسوبة إلى مقتنيات جامعة بغداد، في حين لم يشر إليها أي من فهارس المخطوطات المعروفة، لهذا السبب كان العمل معتمداً بشكل أساسي على مقارنة المخطوطة بالطبعة البولاقية، وإثبات الفوارق بينهما. وقد كتبت بخط النسخ السريع، وهو أقرب إلى خط التعليق، وبالحجم الوسط لا تزيد الصفحة فيها عن سبعة عشر سطراً، ولا يزيد السطر عن اثنتي عشرة كلمة بشكل عام، عرية عن التحريك إلا ما ندر، أما علامات الوقف والابتداء فنادرة الوجود لقلة احتفال المؤلف أو الناسخ بها، ولعل ذلك ناجم عن سرعة مفرطة من الناسخ أو المؤلف لإنجاز هذا العمل، لغاية لم يذكرها، وإنما أشار إلى ذلك صراحة في صفحة خاتمة الكتاب حيث يقول: نجز الكتاب المبارك المسمى بسكردان السلطان بحمد الله وعونه وحسن توفيقه بسرعة شديدة في نهار الأربعاء سادس عشر جمادى الأولى... وقد تعرض العديد من صفحاتها لعوامل الرطوبة فانعكس سوءاً في التصوير وبالتالي في الوضوح. وقد امتلأت هوامش العديد من الصفحات بالاستدراكات والإضافات أو التصويبات، بغية إضفاء المزيد من الوضوح، أو إكمالاً لمعنى، أو استدراكاً لملاحظة. ولعل ما يدعو إلى الدهشة والاستغراب، هو عثور المحقق على طبعة للكتاب مضى على صدورها ما يزيد على عقدين من الزمن، اعتمد محققها على مخطوطة يصفها بأنها محفوظة في جامعة بغداد. مؤلف كتاب السكردان هو شهاب الدين أحمد بن يحيى التلمسانى، المعروف باسم ابن أبي حجلة، كان كاتباً وشاعراً صوفياً مميزاً. وكان شخصية مهمة في المشهد الشعري في أواخر العصر المملوكي، وأصبح الشاعر المفضل في بلاط السلطان الناصر حسن بن محمد بن قلاوون بعد أن كتب له العديد من الكتب منها سكردان السلطان.
|