أجبرت الجائحة المستمرة العالم على ابتكار طرائق جديدة للعمل. وما كان في فترة من الفترات محادثات عابرة عند مبردات الماء تحول الآن إلى سلاسل رسائل جماعية لا تنتهي على تطبيق واتساب، بينما حلّت محل المقصورات والمكاتب المتناثرة في الأركان والزوايا طاولة مطبخ البيت. ناهيكم عن أداء أطفالكم واجباتهم المدرسية إلى جواركم (أو تقاعسهم عن أدائها). النبأ السار أن الأزمة الصحية من المفترض أن تنفرج خلال الأشهر المقبلة، وأغلبنا سيكون قادراً على العودة إلى المكتب. ومع ذلك، لن يكون شيء على حاله قط بعد ما ذقناه من واقعنا البعيد والابتكارات التي أشعل شرارتها.
يستكشف هذا الإصدار من سلسلة (عمل قيد الإنجاز) كيف من المُقدَّر أن تصبح بيئة العمل الجديدة عملية متطورة دائماً وأبداً:
حضور اصطناعي. مرشحات برنامج (زووم) وصور رمزية في الاجتماعات الإلكترونية. تنتقل شركة مايكروسوفت بالاجتماعات الافتراضية إلى المستوى التالي إذ تصنع الصور المُجسمة. وتهدف منصتها الجديدة Mesh إلى تيسير (الواقع المُختلط)، فتسمح للموظفين من جميع أنحاء العالم بأن يلتقوا عبر تقنية (التواصل المُجسَّم عن بُعد). في عالم ما بعد الجائحة الذي سيُعاد فيه فتح المكاتب، يمكن أن تُغير منصة (ميش) حاجة العاملين إلى الاستقرار في مدينة محددة، إذ يترتب على تلك الصور المُجسّمَة أن أشعة الضوء تحاكي أجسادهم في الزمن الحقيقي وتسمح لهم بالتفاعل مع الأجسام والأشخاص الموجودين في مساحة مادية بعيدة عنهم من سماعات رؤوسهم.
إنهاك مكتب المنزل. خلال الاثني عشر شهراً الماضية، قلبت الجائحة بيوتنا رأساً على عقب. فبعد أن كانت بيوتنا عادةً ملاذاً آمناً يخلو من التوتر المرتبط بالعمل، حوّلنا غرفنا الاحتياطية وطاولات مطابخنا وآرائكنا (ولا داعي للإنكار) إلى محطات عمل. وتطفلت حياتنا العملية على عائلاتنا وأوقات فراغنا، وأحياناً حتى شغلت مساحات فعلية منه. ولا عجب أن الإنهاك المرتبط بمكاتب المنزل في تصاعد مستمر، خصوصاً في البلدان النامية، حيث الحياة الخالية من الجائحة ما زالت بعيدة عن متناول الناس، كما في البرازيل. وحسب صحيفة (إيستاداو)، أفاد عدد متزايد من البرازيليين بمعاناتهم من الإنهاك المزمن والتوتر المتصاعد وندرة البهجة في بيوتهم، كما أن الحالات التي تُشخَّص بإصابتها بالإنهاك في تصاعد، خصوصاً بين الشابات. والأدهى من ذلك، بحسب ما جاء في الصحيفة البرازيلية، أن (الجائحة خلقت نفقاً لا بدائل فيه وبصيص الأمل فيه ما زال بعيداً).
مقاييس حيوية مُربِكَة. لقد كان استخدام المقاييس الحيوية -وهي البيانات الحيوية المميزة لكل واحدٍ منا- يشهد زيادة لفترة من الوقت، إذ يُعرِّف الموظفون أنفسهم بعناصر شتى بداية من بصمات الأصبع وحتى التعرف على الصوت للوصول إلى شبكات الشركة وبياناتها وتطبيقاتها وأجهزتها. ومنذ الجائحة ومتابعة مخالطي المرضى، اكتسب هذا التوجه زخماً، إذ أثبتت دراسة حديثة أن غالبية الأمريكان يفضلون ارتداء أجهزة شركاتهم القابلة للارتداء التي يمكن أن تعود بالنفع على صحتهم وأمنهم وأمانهم. ومع ذلك، أشارت مقالة حديثة نُشرت في موقع Raconteur إلى أن أصحاب الإعاقات كأولئك الذين يعانون من رعشة اليد أو الصوت أو التلعثم لا بد من استيعابهم على الفور تفادياً لإقصائهم من عالمنا المستقبلي القائم على المقاييس الحيوية.
انظروا إلى هذه الكلمة (Workspitality): هذا توجه تالٍ للجائحة تندمج فيه الضيافة مع العمل، وتستغل فيه الفنادق مساحاتها لخلق محطات للعمل الجماعي ومكاتب قابلة للاستئجار. ويطرح الأساس المنطقي لهذا التوجه السؤال التالي: لماذا تعمل من البيت في الوقت الذي يمكنك فيه العمل من فندق؟ ولقد انطلق هذا التوجه أولاً في الهند، بالتزامن مع رفع قيود السفر، فنشأ توجه جديد يفيد بأخذ إجازات للعمل من الفندق (عُرفت اختصاراً باسم (إجازات العمل)). والخطوة التالية هي (استضافة العمل). من الواضح أن لا شيء آمن من العمل في أيامنا هذه، حتى الإجازات.
اذكر الاسم وافضح صاحبه. جاء في التعريف المختصر لحساب إنستغرام Balancetastartup (افضح شركتك الناشئة) أن (كرة قدم الطاولة رائعة لا شك، لكن حقوق العاملين أفضل حتى منها). أُنشئ هذا الحساب في ديسمبر 2020، وحشد إلى الآن أكثر من 183 ألف متابع، وأمسى حديث عالم رواد الأعمال الفرنسي إذ يشارك قصصاً عن التحرش وسوء المعاملة في محل العمل في الشركات الناشئة الصاعدة. وإذ تنتشر الشركات الناشئة، تتفاقم مشكلة الشركات الأصغر من أن تستوعب قسماً للموارد البشرية ملائماً فيها. وهذا النوع من حسابات التواصل الاجتماعي وسيلة واحدة لضبط تلك الشركات والسيطرة عليها. وبحسب صحيفة (ليزيكو) الفرنسية، يعتزم هذا الحساب أن يقدم في نهاية المطاف خدمات استشارية عن حقوق العمال.
جنون افتراضي. الاستبعاد من محادثات فريق واتس آب، والإقصاء من جلسة برنامج مايكروسوفت تيمز، والنبذ من عشاء أسبوعي عبر برنامج زووم. ومن موقع Welcome to the Jungle إلى موقع صحيفة (نيويورك تايمز) الأمريكية، هناك تقارير لا تفتأ تزداد عن جنون الاضطهاد المتفاقم بين العاملين عن بُعد. عندما يُترك مقترح على برنامج Slack دون إجابة، من المحتمل أن يقرأ صاحبه الكثير بين السطور، ويخيل له كل أشكال الاستخفاف. اللحظات العابرة تتضخم عندما يكون التواصل كله افتراضياً. ربما أنك بحاجة إلى تغيير خلفيتك الافتراضية!
فُضِحت الخدعة. تصدرت شركة (أوبر) مؤخراً عناوين الأخبار العالمية، إذ أعلنت عن نيتها تنفيذ حد أدنى للأجور والمعاشات ووقت الإجازات المخصصة لسبعين ألف سائق بريطاني. لكن القرار نابع من حكم قضائي حديث يفرض هذه السياسات الجديدة على الشركات الأمريكية المقر العملاقة، وبحسب صحيفة (ذا غارديان) البريطانية، تساور السائقين الشكوك. وصرح أحد السائقين للصحيفة اليومية بقوله: (الحكم القضائي نصَّ على شيء، وأعلنت شركة (أوبر) شيئاً آخر)، إذ أخبرت الشركة السائقين أن الأجر الجديد سيبدأ لحظة أن يقبلوا أول رحلة لهم وينتهي عند توصيل الراكب الأخير، رغم أن الحكم القضائي حدد أن زمن الانتظار ينبغي أن يوضع في الاعتبار. وقال السائق الذي أُجري معه لقاء: (ينبغي أن يكون الأجر منذ لحظة تسجيل الدخول. فهذه الوظيفة مثل أي وظيفة أخرى: يتلقى الموظف الأجر عن الوقت الذي يقضيه وراء مكتبه، سواء كان هناك عمل ينجزه أم لا).
العودة إلى أرض الوطن. كشفت دراسة حديثة صدرت عن معهد Institut Intelcia المغربي عن أن 62 % من خريجي الجامعات والعاملين الأفارقة المشتتين في أرجاء العالم يريدون العودة والاشتغال بريادة الأعمال في أفريقيا، ونحو 40 % على استعداد للعودة فوراً إذا سنحت لهم الفرصة. وأخبر رائد أعمال سنغالي الموقع الإخباري الأفريقي الناطق بالفرنسية Jeune Afrique قائلاً: (عُدت إلى داكار لأنني أصبت بخيبة الأمل بسبب ندرة الفرص في فرنسا. وأردت أن أساهم في تطوير بلدي). وفي وجود العديد من المجالات التخصصية التي لم تجد شركات تلبي احتياجاتها بعد في العديد من الأسواق الأفريقية، يشعر كثيرون أن الفرصة مثالية لأن يصبحوا قادة صناعيين في أوطانهم.